دولة القانون لا دولة الفتوى

دولة القانون لا دولة الفتوى

لفت انتباهي في المظاهرات العراقية لوحة كتب فيها: “أكان الحاكم مسلم أم كافر لا يهم فالدولة وظيفتها توفير حياة كريمة وليس إدخالنا الجنة”.

وإذ أراني اليوم لست بصدد توضيح تعريف المسلم والكافر، لكني أجد نفسي سعيداً بوصول جيل الشباب إلى فكرة أن مهمة الدولة خدمة الناس في الدنيا، ومهمة الدين خدمتهم في الآخرة، مما يبشر ولو قليلاً، بتهاوي المطية التي ركبت عليها وما تزال حركات “الإسلام” السياسي، سواء من تعتبر نفسها “معتدلة” أم تلك المتشددة، حيث ما فتأت جميعها تستغل الإسلام للوصول إلى طموحاتها، شاغلة باسمه قلوب الناس قبل عقولهم، لتنفيذ مآربها، وبعناوين متعددة لا تخرج مهما تسترت عن هدف واحد هو الوصول إلى السلطة.

والتنزيل الحكيم كان شديد الوضوح في أن {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة 256)، أي لا سلطة في الدين، حيث أن الدين لا يملك أدوات الإكراه، بينما السلطة من تملكها، فأنت تُقبل على دينك طواعية، لا يمكن لإنسان أن يعلم ما في قلبك، تحكمك فقط سلطة الضمير، لكنك تلتزم القانون الساري في بلدك في شؤون دنياك، ومهمة الدولة أن تضع القوانين التي تصلح لمواطنيها لتأمين حياة كريمة، ويمكنها معاقبتهم على مخالفتها، لكنها لا يمكن أن تدخل لضمير الناس وتكرههم على الإحسان لبعضهم البعض، أو التعامل وفق القيم الأخلاقية، أو التقرب إلى الله من خلال الصلاة أو الصيام، فمهمتها بالتالي إدارة شؤون الدنيا وليس الآخرة، والإسلام كدين فيه الحرية قيمة عليا، لا يتوافق مع الإكراه في أي منحى، فالله تعالى احترم إرادة الإنسان وترك له الخيار في كل شيء، ابتداءً من الطاعة والمعصية، إلى كل نواحي الحياة، ومن هنا كانت فكرة الحساب في الآخرة، حيث سنحمل مسؤولية خياراتنا التي أقدمنا عليها بكامل إرادتنا، وبالتالي الدين والسلطة خطان متوازيان مهما امتدا لا يلتقيان.

لكن الموضوع مختلف تماماً في ثقافتنا الموروثة، حيث فُهم قوله تعالى {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ}(الأنعام 57) على أن أي دولة منشودة عليها تطبيق ظروف القرون الثلاث الأولى للبعثة، والأعراف التي رافقتها، والتشريعات التي سنتها، وما يتبع ذلك من مصطلحات مثل “دار الكفر” و”دار الإيمان”، و”الغزو” و”السبي” و”الغنائم”، واستعباد الناس وإجبارهم على نهج معين في أدق تفاصيل حياتهم، مع كل ما يلحق به من اضطهاد للمرأة ككائن “أضعف”، علماً أن الدولة التي أنشأها الرسول (ص) في المدينة كتفاعل أول للرسالة التي حملها مع أرض الواقع كانت دولة مدنية بامتياز، تجمع بين فئات مختلفة، فيها المؤمنين بالرسالة الجديدة، وأهل الكتاب والمشركين والمنافقين، والشورى أساس الحكم، وللمرأة حق الانتخاب، ولا رق ولا سبي، ولم يمارس (ص) الإكراه على أحد، فلم يذكر عنه أنه عاقب تارك صلاة أو صيام، أو أجبر أحد على دخول المسجد، وإنما سن تشريعات وفق ظروف مجتمعه، بتقييد الحلال وإطلاقه، حيث “حكم الله” هو عدم المساس بالمحرمات، أما فيما عداها فالناس أدرى بشؤون دنياهم، أي أنه أقام دولة القانون لا دولة الفتوى، ولذلك لم يُثبّت الرسول اجتهاداته على أنها “دين”، وإنما ترك لنا الأسوة الحسنة لنتبعها في سن ما يناسب مجتمعاتنا، وهذا ما تقوم به الدول المتقدمة اليوم.

وباعتبار أن ما جاء به الرسول هو قفزة نوعية في خط سير التاريخ، فإن الأمور قد عادت تدريجياً لخطها بعد وفاته، إلى أن وصلت الإنسانية لتصبح تلك الومضات أموراً طبيعية، لكن هناك من يرى في “الإسلام” مجالاً للتسلط، سواء بشكل مباشر، أو من خلال توظيفه كبندقية للإيجار، تخدم أطماع ومؤامرات هنا وهناك، أو فزاعة يلوّح بها عند الحاجة، سيما أن الموضوع أثبت نجاحه في تجارب عدة، والحل يتطلب بالضرورة إعادة النظر في أدبياتنا ومناهجنا، ومراجعة ما تكرس في الأذهان عن دور “رجال الدين” سواء سموا “فقهاء” أم “أئمة” أم “مفتين” أم “خلفاء” أم “آيات الله”.

وإذا كانت مسؤوليتنا كمسلمين مؤمنين برسالة محمد أن نعيد للإسلام ما يليق به كرسالة رحمة عالمية خاتمية، فإن من ضمن مهامنا هو تشجيع العمل على إقامة دولة القانون لا دولة الفتوى، مع اعتماد الوصايا (الصراط المستقيم) كمرجعية أخلاقية لأي دستور معتمد، والله وحده صاحب التحريم، و ”مهمة الدولة توفير حياة كريمة لمواطنيها لا إرسالهم إلى الجنة”.

الرابط على موقع هات بوست

اترك تعليقاً