من هم أمة “لا إله إلا الله؟”

من هم أمة “لا إله إلا الله؟”

اعتدنا كشعوب عربية “مسلمة” على اعتبار أن كل من لا يشاركنا إسلامنا هو “كافر بالله” ومصيره “جهنم وبئس المصير”، ونظرنا إلى الشعوب الأخرى بتناقض، ما بين شعور الكثيرين بالدونية تجاه الغربي “المتحضر”، وشعور بالفوقية تجاه غيره، لكن هذا لا يمنع أن كليهما سيحظى بعذاب الله وسخطه وسيجد نتيجة عمله في الآخرة “هباءً منثورا”، وإذا كانت الدول المتقدمة تنعم بالرخاء والسعادة فلأن الله “يمدهم في طغيانهم يعمهون”، و”لهم الدنيا ولنا الآخرة” لأننا أتباع “لا إله إلا الله”، ولأن الدنيا دار فانية والآخرة دار البقاء فنحن لا نطلب السعادة في الدنيا، ونرضى الشقاء فيها، ونسخر في قرارة أنفسنا من طموحهم وعلمهم، على أساس أن الله سخرهم لنا لينتجوا ونستهلك حصيلة علومهم.

لكن نظرة فاحصة للتنزيل الحكيم تدحض كل هذه المسلمات، ما عدا أن من يتخذ من “لا إله إلا الله” شعاراً سيحظى برضى الله في الدنيا والآخرة، ونحن كأمة محمد (ص) رفعناه شعاراً لكننا لم نطبقه فعلاً، بل على العكس جعلنا لله شركاء في الوحدانية والثبات، فالله واحد وكل ماعداه متعدد، والله ثابت وكل ما عداه متغير، والتاريخ يسير إلى الأمام ونحن نريد أن نعيده إلى الوراء، وننتصر إلى الآبائية فنشرك به سبحانه، والأنكى من هذا أن شركنا جماعي كمجتمعات لا كأفراد، لذلك تأخذ مجتمعاتنا بشكل عام صبغة اللون الواحد فلا تقبل الآخر المختلف، لا دينياً ولا عقائدياً ولا رأي آخر ولا سواه، ويتكىء الاستبدادان الديني والسياسي أحدهما على الثاني، ليحولا المجتمع إلى قروي ذي شكل واحد، والقرى هالكة أو معذبة شئنا ذلك أم أبينا {وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً} (الإسراء 58)، فكل مجتمع أحادي متخلف يحمل بذور فنائه، في داخله أو من خارجه، وهذا قانون تاريخ، لن يتغير ولن يتبدل، ولا يحابي أحد، سواء دعونا الله حتى قيام الساعة، كما أنه لن يغير قانون تعاقب الليل والنهار، ولا قانون الجاذبية الأرضية بالصلاة والدعاء، لا سيما أنه منحنا بموجب نفخة الروح ما يمكننا من تسخير قوانين الوجود لخدمتنا عبر القضاء فيها، وقطعت الإنسانية أشواطاً في مجالات متعددة فأضاءت الليل بالكهرباء، واستفادت من قوانين الفيزياء لتوليد الطاقة، وغيرها من الأمثلة التي لا مجال لذكرها هنا، وكذلك استطاعت الوصول إلى نماذج من المجتمعات المدنية التي يتعايش فيها الناس على اختلافهم وتنوعهم وفق قانون يحكم حقوقهم وواجباتهم، وتحترم فيه اختلافاتهم، ومهمة الأنبياء والرسل كانت إلغاء الأحادية لغير الله تدريجياً {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ} (البقرة 213) وصولاً إلى عصر المدن الذي دشنه الرسول محمد (ص) بقفزة تاريخية ومعرفية نوعية، عندما أسس دولته في يثرب وأطلق عليها مسمى “المدينة” وفق تفاعل أول لما حمله من رسالة ونبوة، نقل من خلاله المجتمع إلى عصر المساواة، فوضع أسس إلغاء الرق، وتحرير المرأة ومساواتها بالرجل، وقبول الآخر المختلف على قاعدة رئيسية هي {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (الكافرون 6).

ولطالما طرح القراء سؤالاً هنا: “وماذا عن بني قريظة؟” فنقول إن صحت الحادثة هم قد نقضوا عهودهم، والرسول عاقبهم وفق شريعتهم أولاً ومنطق عصره ثانياً، فلا يتصيدن أحد مثل الحادثة ليجعلها حجة على الإسلام فيما يتغاضى عن إنجازات كبيرة لم تعرفها الإنسانية إلا منذ قرون فقط.

فإذا نظرنا إلى المجتمعات المتقدمة اليوم نرى أنها تعيش في ظل “لا إله إلا الله” سواء لاحظت ذلك أم لم تلاحظ، فالحريات فيها مصانة، والقيم الأخلاقية أساس التعامل بين الناس، والقانون فوق الجميع، والتطور مستمر، وكل إنسان يتقرب إلى الله بالطريقة التي يراها مناسبة، وقد لا يؤمن أصلاً، لكن حسابه كفرد على الله في الآخرة{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة 62)، وهذه المجتمعات تتقدم علمياً ومعرفياً وتثبت جدارتها بالخلافة على الأرض، ولذلك يكافؤها الله في الدنيا جماعياً بالرفاهية والسعادة.

بينما مجتمعات الثبات والأحادية ترزح تحت الطغيان وتقبل أحاديته وتستكين لها، فيدمرها شيئاً فشيئاً، ليعم البؤس على الأخضر واليابس، ويذهب الصالح والطالح دونما رحمة لأحد، ويكون هذا عقاباً جماعياً، لن يسلم منه الطغاة لو بعد حين.

من هنا فإن مقولة “لهم الدنيا ولنا الآخرة” خاطئة، فالدنيا للمجتمعات التي تقبل التعددية وتنتشر فيها المساواة ولا تضع أحداً فوق المساءلة، والآخرة لمن عمل صالحاً من هؤلاء أو أولئك، أما الحل بالنسبة لنا كمجتمعات فهو في غرس التعددية في العقل الجمعي للناس بحيث يحافظوا عليها تطبيقاً لمشيئة الله في الاختلاف {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (هود 118).

الرابط على موقع هات بوست

اترك تعليقاً