معجزة محمد الخالدة

معجزة محمد الخالدة

لم يحمل الرسول الكريم محمد بن عبد الله (ص) أي معجزات مادية على غرار الأنبياء والرسل قبله، ووفق التنزيل الحكيم فقد أيّد الله موسى بتسع آيات بينات أعانته على إقناع من حوله بما حمل من رسالة، أما عيسى فعدا عن أنه ولد نبيًا مرسلاً؛ فقد تمكن من شفاء الأعمى والأكمه، وأنزل الله له مائدة من السماء كانت برهانًا على صدقه، بينما لم يحمل محمد أي معجزة مشابهة، ولم يدّع ذلك، بل أصر على نفي الإتيان بأية خوارق، فمعجزته خالدة يشهدها المؤمنون حتى قيام الساعة وهي الكتاب الذي حمله.
فالتنزيل الحكيم كتاب ليس كغيره من الكتب، يمتاز بدقة لامتناهية مع بلاغة قصوى، وتتداخل مواضيعه ضمن حبكة محكمة، قد لا يلاحظها القارىء العادي، لكنها لا تخفى على المتدبر المتمعن، ولعل من أهم خواص لغته أنها خالية من الترادف، فهناك اختلاف في المعنى بين مفردات عدة تبدو متماثلة، أو شاءت التفاسير المتوارثة أن تبدو كذلك، وهذا الاختلاف رغم أنه قد يكون طفيفًا إلا أنه يذهب بنا نحو تقليم متناه في الدقة، فالأب غير الوالد، والابن غير الولد، حيث الأبوة إنسانية بينما الولادة بيولوجية (كل الكائنات الحية تلد) والنبي قد يكون رسولاً وقد لا يكون، والنبأ قصير موجز لا يتطلب الحضور فيما الخبر طويل مفصل حضره حامله.

والتنزيل الحكيم ليس كتاب علوم ولا كتاب تاريخ، إلا أنه حمل في طياته نظرية في المعرفة الإنسانية، إضافة لقوانين الكون وقوانين التاريخ، التي نلاحظ مصداقيتها في العالم حولنا، كذلك أورد قصة للخلق لا تتناقض مع آخر ما توصل إليه العلم، على عكس ما هو رائج في ثقافتنا الموروثة، حيث نشأنا على اعتبار أن الدين يخالف العلم حتمًا ولا يضيره ذلك، فترى أناسًا يحملون شهادات عليا في الطب والهندسة مقتنعين أن آدم سواه الله كما نشكل الفخار ونفخ فيه فأصبح رجلاً، ثم نام وأخذ الله ضلعه الأعوج وخلق منه حواء لتسليته، ثم ولدا كل هؤلاء البشر.

أما آدم التنزيل الحكيم فهو اسم جنس، يمثل أبا الإنسان، ذكرًا وأنثى، كرمه الله عن باقي المخلوقات بنفخة الروح، وبموجبها أصبح عاقلاً يعي المدلولات ويعي حريته في الاختيار، ومسؤولاً بالتالي عن خياراته، حتى أنه اختبر هذه الحرية بالعصيان لا بالطاعة فأكل من الشجرة الممنوعة وعرف التوبة فتاب الله عليه في أول وعي للتجريد.

وحين نفخ الله من روحه في آدم، منحه من صفاته سبحانه، وزوده بنفحة من أسمائه الحسنى، وكل ما عليه ليحقق إنسانيته هو تفعيل هذه الأسماء داخل نفسه، فالله كريم رحيم رؤوف سلام سميع بصير عليم حكيم، وكلما فعلت في ذاتك هذه الصفات كلما تحققت إنسانيتك وكنت جديرًا بالخلافة على الأرض.

وبناءً على ذلك خلقنا الله وأعطانا عقولاً لنفكر بها، ووضع لنا شرائع تنسجم مع هذه العقول ولا تخالفها (كما قال ابن رشد) وطلب منا اتباع الفطرة التي تألفها النفس ولا تأنفها، لنعيش سعداء نحن ومن حولنا من الناس، فالهدف هو خير الإنسانية جمعاء وتقدمها، ومن يشذ عن ذلك سيعاقب في الآخرة، فإن شذت أمة بكاملها وعاشت في أحادية وتخلف عوقبت في الدنيا واندثرت، ولم تقم لها قائمة.

قد يجد القارىء في كلامي مبالغة، لأن الثقافة الإسلامية الموروثة قدمت صورة عن الإسلام مغايرة تمامًا، هي الصورة التي صيغت وتبلورت تدريجيًا ابتداءً من وفاة الرسول وحتى اكتملت في العصر العباسي، بحيث غدا الإسلام دينًا فيه الحرام هو الأصل والحلال هو الاستثناء، والدنيا سجن المؤمن، والممنوع أكثر من المسموح، والمرأة متاع للرجل، وتقهقر العقل ليحل النقل بدلاً منه، لكن العودة للتنزيل الحكيم كفيلة بأن تبين ماهية الإسلام، وإثبات مصداقية هذا الكتاب وجدارته لأن يكون معجزة خالدة على مر العصور، بما يليق بالرسالة الخاتم وبعالميتها.

ونحن اليوم كمسلمين منتشرين في أصقاع العالم حري بنا أن نتمسك بالإسلام كما جاء في كتابنا، رحمة للعالمين، القيم الإنسانية فيه هي الأساس، والناس متساوون يميزهم العمل الصالح، أما الشعائر فهي علاقة شخصية بين الإنسان لا يقيّم على أساسها ولا يتدخل فيها المجتمع، وسنجد أن كثيرًا من شعوب العالم مسلمة حتى لو لم تعلم ذلك، لا سيما إذا كانت تقترب من الله وتتقرب إليه، وربما نصاب بالعدوى فننهض كأمة قبل أن نندثر.

الرابط على موقع مجلة فن

اترك تعليقاً