القوامة

يلاحظ المتأمل في كتاب الله أنه سبحانه لا يفرق بين الذكر والأنثى، فالمساواة بينهما واضحة صريحة في أكثر من آية، وفي أكثر من مجال. واقتران المؤمنين بالمؤمنات والمسلمين بالمسلمات في التنزيل الحكيم في أكثر من موضع، يؤكد هذه المساواة التي نذهب إليها. لا بل إن علماء اللسان العربي يقولون بأن الخطاب الإلهي الموجه إلى الذين آمنوا يشمل الذكور والإناث، رغم صيغة التذكير الغالبة عليه.

وما تلك الدونية التي ألصقها التراث بالمرأة كأنثى، كقولهم إنها ناقصة العقل ناقصة الدين، إلا رؤية مشوهة فرضها المجتمع الذكوري السائد. وكان من الطبيعي أن تطال هذه الرؤية المشوهة عدداً من المواضيع والآيات في التنزيل الحكيم، فيأتي فهمها وتفسيرها خاضعاً لهذه الرؤية الذكورية السائدة، وفي مقدمتها مسألة الإرث والقوامة.

ولقد نظرنا في آيات الإرث فرأينا ما لم يره فقهاء السلف وأصحاب التفاسير التراثية. لا لقلة معرفة منهم وعبقرية منا، ولا لنقص التقوى عندهم واكتمالها عندنا كما يزعم البعض ويتوهم. بل لأننا نظرنا فيها بعين اليوم والحاضر المعاصر، ووظفنا فيها كل المعارف التي توصلت إليها الإنسانية على مدى قرون وقرون.

نظرنا فرأينا أن أساس قوانين الإرث وحدوده – كما نص عليها سبحانه في كتابه المبين – هو الأنثى، وأن الذكر تابع لها يدور معها أينما دارت، وأن الرحم هو الأصل في توزيع الإرث، فتذكرنا قوله تعالى {.. واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} النساء1.

ونظرنا في الواقع المعاش من حولنا، فرأينا أن المرأة تقلصت حاجتها إلى ذكر تتبعه في كل حركاتها وسكناتها (أب / أخ / عم / ابن عم) وانكمشت الروح الذكورية والعلاقات الأسرية العشائرية التي حكمت وضع المرأة في المجتمع وسيطرت على فهم الفقهاء والمفسرين لآيات الإرث والقوامة.

ورأينا أن العلم الحديث في مجال الاستنساخ يثبت أن الأنثى يمكنها أن تعيد إنتاج نفسها دون ذكر، وأن الذكر لا يمكنه إنتاج نفسه دون أنثى. ورأينا أن المرأة في نهايات القرن العشرين أصبح لها على نطاق العالم مهن ومناصب في الطب والفضاء والجامعات والعلوم، مما أثبت أن المرأة – إضافة إلى أنها ليست دون الرجل في الخلق – ليست دون الرجل أيضاً في القدرات العقلية.

فكان لابد، بعد أن رأينا هذا كله، من إعادة قراءة آيات الإرث وآيات القوامة، طبقاً للسيرورة التاريخية (نهاية القرن العشرين)، والصيرورة الاجتماعية الإنسانية، وانطلاقاً من عالمية الرسالة المحمدية، ومن أن الواقع الموضوعي الخاضع للتغير في الصيرورة خلال سيرورته التاريخية هو صاحب الحق الوحيد في إظهار مصداقية كلام الله. ومن هنا فقد قلنا إن مصداقية التنزيل الحكيم تظهر من خلال دراسة كلمات الله (الواقع الموضوعي الكوني والاجتماعي).

ومع تغير الواقع الموضوعي الاجتماعي تظهر الإشكالات في الدراسات والقراءات القديمة لآيات الأحكام كالإرث والتعددية والقوامة، فتخلق الحاجة لنفي هذه الإشكالات بنفي الدراسات والقراءات القديمة بدراسات وقراءات جديدة ضمن نظم وأدوات معرفية جديدة، ثم يتغير الواقع الموضوعي الاجتماعي فلا يعود هذا النفي قادراً على التجاوب مع الواقع الموضوعي بعد تغيره، مما يخلق حاجة جديدة لقراءة ودراسة جديدة تنفي النفي الذي سبقها.. وهكذا.

ولا شك أن التنزيل الحكيم قد أعطى المجتمع، أفراداً ومجموعات، وأعطى الأسرة، زوجاً وزوجة ثم أماً وأباً وأولاداً، وأعطى الإنسان، ذكراً وأنثى، اهتماماً كبيراً. فجاءت آياته ترسم الخطوط العريضة لما يجب أن تكون عليه العلاقات بين هؤلاء جميعاً.

ولا شك أيضاً في أن كتب الفقه السلفية، والأدبيات الإسلامية التراثية، قد أعطت في زمنها اهتماماً كبيراً لهذه المواضيع، فأكملت رسم تفاصيل الصورة، منطلقة من رؤيتها للخطوط العريضة التي رسمها التنزيل الحكيم، ومن خلال فهم أصحابها لآياته. وجاءت التفاصيل كما رسمها الفقه الموروث والأدبيات التراثية منسجمة مع التنزيل من جهة، ومنسجمة مع الواقع السائد آنذاك من جهة أخرى من خلال الإشكاليات القائمة أثناء تأسيس هذا الفقه ومن خلال نظام وأداة معرفية سائدة في ذاك الوقت.

إلا أن الذي يحصل اليوم، هو أن الفقهاء، وكتّاب الأدبيات الإسلامية يصرون على التمسك بالصورة التي تم رسمها في القرنين الثاني والثالث الهجريين، حين كانت العلاقات الأسرية والاجتماعية والإنسانية علاقات قبلية عشائرية تقوم على الرق والسبي والتفوق الذكوري. الأمر الذي اضطروا معه، لتحقيق مقولة صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، إلى إلغاء التطور، وإلى تجميد متغيرات الزمان والمكان. ففقدت صورة الأسرة والمجتمع والإنسان عندهم انسجامها مع الواقع، لتبدو اليوم وكأنها رسمت لعوالم أخرى لا علاقة لها بعالم الأرض، بعد أن فقدت علاقتها بالواقع المعاش.

كان لابد من هذه الإشارة في هذه المقدمة، لأخلص إلى القول بأنني حين أكتب في الإرث والقوامة والتعددية الزوجية والحجاب، كما وردت خطوطها العريضة في التنزيل الحكيم، أفعل ذلك من فهمي اليوم لآيات التنزيل الحكيم في ضوء الأرضية المعرفية، وفي ضوء ما تراكم من معارف وعلوم حضارية وإنسانية حتى نهاية القرن العشرين، منسجماً في ذلك كله مع واقعي الموضوعي السائد اليوم، غير ملتزم بفقه أو تفسير وضعه صاحبه منذ اثني عشر قرناً، وإن كان ينسجم وقتها مع واقعه، فهو لا ينسجم ضرورة مع واقع اليوم. ولعل في المثالين التاليين ما يوضح القصد:

1 – يفسر الزمخشري قوله تعالى: {والأرض بعد ذلك دحاها} النازعات 30، فيقول: دحاها أي بسطها. ثم أثبت هذا المعنى في معجمه “أساس البلاغة” فقال: دحاها أي بسطها ومدّها ووسّعها. ولم يكن الزمخشري هو الوحيد الذي ذهب هذا المذهب في القرن السادس الهجري بل سبقه إليه ابن الرومي يصف خبازاً: يدحو الرقاقة مثل اللمح بالبصر. وسبقهما جميعاً إليه ابن عباس في القرن الأول الهجري.

وهذا لا يطعن في تقوى ابن عباس ولا في مقدرة الزمخشري اللغوية ولا في شاعرية ابن الرومي، فقد كانوا منسجمين تماماً مع أرضيتهم العلمية المعرفية التي تقول إن الأرض مسطحة. والسؤال الآن: هل أبقى ملتزماً بهذا التفسير اليوم بعد أن ثبتت كروية الأرض؟

2 – يعتبر السيوطي في تفسيره أن مصطلح العبد أينما وقع في التنزيل الحكيم فهو يعني الرق والعبودية، كما في قوله تعالى: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً} النساء 172.

وغفل عن أن العبد من العبادة بدلالة قوله تعالى في الآية ذاتها {ومن يستنكف عن عبادته} ولم يكتف بهذا بل ذهب في تفسير العبد والأَمَة المذهب نفسه في قوله تعالى {.. ولأَمَةٌ مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم..} وقوله تعالى {.. ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} البقرة221، وأضاف من عنده تأييداً لمذهبه لفظاً مضمراً في الآية، ليصبح المعنى عنده: الأَمَة المملوكة المؤمنة خير من الحرة المشركة ولو أعجبتكم، والعبد الرق المؤمن خير من الحر المشرك ولو أعجبكم. ولم يكن السيوطي هو الوحيد الذي فهم هذا المعنى وخلط بين عبد العبادة وجمعه عباد، وبين عبد العبودية وجمعه عبيد، فقد سبقه إلى ذلك أغلب المفسرين المشاهير.

وهذا لا يطعن في تقواهم وإخلاصهم أو في مقدرتهم اللغوية والفقهية، فقد كانوا منسجمين مع واقعهم الاجتماعي السائد، حيث كان الرق والعبودية نظاماً قائماً موجوداً. والسؤال الآن: هل أبقى ملتزماً بهذا الفهم اليوم، بعد أن ألغي نظام الرق في العالم وطواه التاريخ؟

أبدأ أولاً بعرض خاصة من خصائص الأحكام في التشريع الإسلامي، كما وردت في التنزيل الحكيم، هذه الخصائص التي جعلت من التنزيل الحكيم صالحاً لكل زمان ومكان، ومَرِناً يتكيف مع تطور معارف الإنسان. فإذا نظرنا إلى شريعة موسى في العهد القديم، وجدناها تتكون من 613 بنداً تشريعياً، بينما لا تتجاوز آيات الأحكام في التنزيل الحكيم عُشر هذا المقدار. فالأحكام جاءت لموسى عينية، تحكم حالات بعينها، أما أحكام التنزيل فعامّة شاملة. هذا العموم والشمول نتج عن خاصية هي الحدود.

فكما أن لكل شيء في الوجود حقلاً، ولكل حقل حدوداً تحصر بين أدناها وأعلاها مجال هذا الحقل، كذلك للحرام حدود وللحلال حدود. ولعل ملعب كرة القدم مثال يناسب ما نقول. فحدود التماس على جانبيه وحدود المرميين على أدناه وأعلاه تعين بينها حقلاً يجري اللعب فيه ضمن ملايين الاحتمالات. فإذا أخرج اللاعب الكرة عن حدود الملعب، عوقب بإعطاء الكرة لخصمه ليعود اللعب داخل حدود حقل الملعب.

جاءت آيات الأحكام والتشريع في التنزيل الحكيم لتبين الحدود الإلهية، التي ترسم للإنسان حقلاً يتحرك فيه، حدوداً ليس له أن يلمس خطها أو يقترب منها حيناً كقوله تعالى عن حدود الصوم {تلك حدود الله فلا تقربوها} البقرة187، وله أن يقف عليها فلا يتعداها حيناً آخر. يقول تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين..} النساء 11. ثم يمضي تعالى في بيان أمثلة من حالات الإرث في الآيتين 11 و 12، ويخلص في الآية 13و14 إلى القول {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}.

أما قواعد التحرك ضمن هذا الحقل فهي:

  1. قياس الشاهد على الشاهد. أي البينات المادية الإحصائية حول توزيع الثروة، ومشاركة المرأة في العمل (المصداقية الخارجية).
  2. اللسان العربي المبين على أساس خلو التنزيل من الترادف والحشوية.
  3. إزالة التناقض في آيات التنزيل الحكيم ذات الموضوع الواحد (المصداقية الداخلية).

وبما أن هذه القواعد هي مجال اهتمام الإنسان، فإن فيها مجالاً للخطأ والصواب. وتظهر حنيفية الإسلام في الحركة ضمن الحدود بتغير الأحكام بتغير الأزمان وبتغير الأمكنة ولكنها ضمن حدود الله مما يعطي المجال للتعددية في الإسلام.

القوامة:

لقد جاء تعريف القوامة بشكل عام في التنزيل الحكيم بسورة النساء، وجاء فيها أيضاً مجال قوامة الرجل وقوامة المرأة بقوله تعالى:

{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} النساء 34.

تبدأ الآية بتعريف القوامة. يقال قام على الأمر أي أحسنه. فالرجال في الآية قوامون على النساء. وقد ذهب البعض إلى أنها قوامة فطرية بالخلق، أي أن جنس الرجال قوام على جنس النساء بالفطرة. وهؤلاء يفهمون قوله تعالى {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي بما فضل الله الرجال على النساء بالعلم والدين والعقل والولاية. وهذا ليس عندنا بشيء. فلو عنى الله ذلك لقال: الذكور قوامون على الإناث. لكنه تعالى قال {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}.

والرجال جمع رجل والنساء جمع امرأة. ونحن نعلم أن كل رجل ذكر وكل امرأة أنثى، لكن العكس غير صحيح. فكأنه تعالى يربط القوامة هنا بالقدرات على اختلاف أنواعها، التي تكتمل عند سن الرشد ويصبح الذكر رجلاً والأنثى امرأة. وهناك قول بأن الرجال قوامون على النساء هنا جاءت قوامون بمعنى الخدم أي الرجال خدم النساء أو قائمون على خدمتهم، ولكن قوله بما فضل الله بعضهم على بعض تنفي هذا المعنى وتجعل القوامة للرجال والنساء معاً.

ونذهب نحن إلى أن معنى قوله تعالى {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} يشمل الرجال والنساء معاً. إذ لو كانت بَعْضَهُمْ تعني الرجال فقط لدخل فيها قسم من الرجال وليس كلهم، ولوجب أن يتابع فيقول (على بعضهن) ليدخل فيها قسم من النساء وليس كلهن، مما ينتج عنه أن الله فضل قسماً من الرجال على قسم من النساء، فما بال الأقسام الباقية؟ وهل هي متساوية في الفضل؟ وأين النساء اللاتي يفضلن الرجال ولا يخلو منهن مجال أو عصر؟ من هنا نرجح أن بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ تشمل كل الرجال والنساء ليصبح المعنى: بما فضل الله بعض الرجال والنساء على بعض آخر من الرجال والنساء. وهذا واضح في قوله تعالى {أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} الإسراء 17.

وهذا ينفي تماماً الأفضلية بالخلق، وتبقى الأفضلية بحسن الإدارة والحكمة ودرجة الثقافة والوعي، التي تتفاوت بين الناس، فمن الرجال من هو أفضل فيها من النساء والعكس صحيح. وننتقل إلى البند الثاني من القوامة وهو البند المالي في قوله تعالى {وبما أنفقوا من أموالهم} فصاحب المال له القوامة بغض النظر عن كفاءته ودرجة وعيه وثقافته، فصاحب المصنع الذي يحمل الإعدادية مثلاً يستطيع أن يعين مديراً يحمل الشهادات العالية لإدارة مصنعه، يخضع لأوامر صاحب المصنع لأن بيده قوامة الإنفاق. وهذه القوامة الاقتصادية واضحة تماماً على صعيد الأفراد والأسر والدول، ولا علاقة لها بمستوى الثقافة أو الكفاءة.

بهذا نفهم أن القوامة لا تنحصر بين الزوج والزوجة في حدود الأسرة كما حصرها الفقهاء والمفسرون، بل تمتد لتشمل العمل والتجارة والصناعة والزراعة والإدارة، ولتشمل التربية والتعليم والطب والصيدلة والرياضة. حتى في مجال الحكم والمناصب العليا، فإن أمامنا أمثلة كثيرة من التاريخ القديم في تدمر وروسيا القيصرية، ومن التاريخ الحديث في سوريا وبريطانيا وتركيا والهند وباكستان.

أما من يرى قوامة الرجل على المرأة بالخلق، ومنهم الإمام السيوطي، وينسب للنبي الكريم قوله: “ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” (مسند أحمد 19603). وقوله: “النساء ناقصات عقل ودين” (البخاري 293)، شهادة إحداهن نصف شهادة وهذا هو نقص العقل، ولأنهن يحضن فلا يصلين وهذا هو نقص الدين. وقوله: “يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود” (الترمذي 310). فهذا كله ليس عندنا بشيء بعد أن أنكره كثير من الأئمة وساقوا أدلة بطلانه في كتبهم مما لا نحتاج معه إلى تكرار.

ثمة قصتان في التنزيل الحكيم، قصة امرأة عمران أم مريم عليهما السلام، وقصة ملكة سبأ. يقول تعالى {.. فلما وضعتها قال رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم} آل عمران 36. فذهب بعض المفسرين إلى أن جملة والله أعلم بما وضعت جملة اعتراضية ليست من قول امرأة عمران، وذهب البعض الآخر إلى أن الجملة الاعتراضية هي والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى. ونحن نقول إن المشكلة ليست في قائل عبارة وليس الذكر كالأنثى، فالحوار في الآية قائم بين امرأة عمران المؤمنة وربها، فإن كانت هي القائلة فهو قول قوي صادر عن امرأة ضربها الله مثلاً للذين آمنوا، وإن كان الله هو القائل فهذا أقوى.

المشكلة هي أن جميع المفسرين اعتبروا الذكر في الآية أفضل من الأنثى، بينما العكس هو الصحيح. والجملة أوضح من أن يختلف فيها اثنان. لأن المشبه به في اللسان العربي أفضل من المشبه في مجال التشبيه وحقله.

ويقول تعالى على لسان هدهد سليمان {إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم} النمل 23. ثم يقول {يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون* قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليكِ فانظري ماذا تأمرين} النمل 32و33. فإذا تأملنا ردة فعل سليمان عليه السلام حين جاءه خبر بلقيس، لا نجده يستنكر كونها ملكة صاحبة قوامة على قومها، بل يستنكر عبادتهم للشمس، خاصة وقد لاحظ كما نلاحظ نحن أنها تطبق في حكمها مبدأ الشورى وهذا عين العقل وتمامه.

أما القوامة في العمل من تجارة وصناعة وزراعة وصناعة وثقافة ورياضة، فهي أوضح من أن تعرض بالتفصيل. صحيح أن الله فضل الرجل على المرأة بالقدرات العضلية في الخلق، وكان هذا الفضل محور الأساس في الرزق بالصيد والزراعة والتجارة، حين كانت هذه تحتاج إلى قدرات عضلية. إلا أن التطور التقني والآلي قضى على هذا الفضل. أو لنقل أنه أنقصه إلى حدوده الدنيا. إضافة إلى أن العلم أثبت فضل المرأة على الرجل في عدد من الوجوه، كمتوسط العمر والتعرض لأمراض القلب.

ونأتي إلى أهم مجال تتجسد فيه القوامة وهو الأسرة، التي تقوم على زوجين، الرجل والمرأة، ينظم علاقاتهما الأسرية أمور هي المودة والرحمة والتعاون على البر والتقوى. فالأسرة كنواة للمجتمع تحتاج إلى قَيِّمٍ يدير أمورها ويسوس أفرادها ويقود مركبها بين أمواج الحياة. والرجال درجات في الغنى والثقافة وحسن الخلق والقدرة على القيادة، والنساء أيضاً درجات في ذلك كله، ولاريب في أن مصلحة الأسرة والمجتمع تكمن بأن تكون القيادة في يد صاحب الفضل رجلاً كان أم امرأة.

وهذا ما ذهبت إليه الآية حين بدأت بقوامة الرجال على النساء الرجال قوامون على النساء.. ثم انتقلت إلى الإشارة إلى اشتراك الرجال والنساء فيما فضل الله بعضهم على بعض، ثم انتهت لتستعرض قوامة النساء على الرجال فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله.. ولفظ فالصالحات هنا يعني الصالحات للقوامة، إذ القوامة هي المدار الذي تدور حوله الآية.

أما ما ذهب إليه البعض فزعموا أن الصالحات تعني الصائمات ومقيمات الصلاة فليس عندنا بشيء، لأن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لا علاقة لها بالصلاح والعمل الصالح، ودليلنا على ذلك قوله تعالى {وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين* فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه..} الأنبياء 89و90. فهل أصلح الله زوجة زكريا بأن جعلها صالحة تصوم وتصلي، أم أنه جعلها صالحة للإنجاب الذي تدور حوله الآية؟.

الآية إذن تعدد الصفات التي يجب أن تتصف بها المرأة الصالحة للقوامة، بما فضلها الله من ثروة أو ثقافة أو قدرة فكرية قيادية، وهذه الصفات هي القنوت وحفظ الغيب، فإذا اتصفت بها كانت صالحة للقوامة. ولكن ماذا إذا لم تتصف بها؟ في هذه الحالة تكون قد خرجت عن خط القوامة ليصبح اسمها في الآية ناشزاً واللاتي تخافون نشوزهن.. أي خروجهن عن صفات القنوت وحفظ الغيب. ثم تتابع الآية لترشدنا إلى ما يجب عمله في حالة النشوز هذه والخروج عن صفات القوامة لتقول .. فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن… وأما ما ذهب إليه البعض من أن النشوز هنا هو الخروج عن طاعة الزوج وعصيانه حصراً، فهذا ليس عندنا بشيء، أولاً لأن مدار الآية لا يدور عليه، ثانياً لأن النشوز في اللسان هو الخروج والتفرق عموماً، كما ورد في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا لكم انشزوا فانشزوا..} المجادلة 11.

ونخلص إلى القول بأن النشوز هنا لا علاقة له لا بالصلاح بمعنى إقامة الصلاة والصوم ولا علاقة له بالنشوز الأخلاقي والتمرد الذي يستوجب التأديب والأخذ على اليد كما ذهب فهم السيوطي وغيره، بل هو الخروج عن خط القوامة بالمودة والرحمة، وهو التسلط والاستبداد بالرأي، وعكسه القنوت. فالقنوت هو الأناة والصبر وسعة الصدر. وننتهي إلى ما انتهت إليه الآية، مما يجب عمله في حالة ظهور بوادر النشوز عند المرأة صاحبة القوامة، زوجة كانت أم أختاً أم بنتاً أم أماً.

فقد تكون صاحبة القوامة أماً تمارس التسلط والاستبداد وقلة الصبر وضيق الأناة والصدر في بيتها وعلى أولادها، أو أختاً تمارس ذلك كله على إخوتها وأخواتها، أو جدة تمارسه على أولادها وأحفادها. في هذه الحالة يكون الحل بالعظة والنصيحة والقول الكريم فعظوهن. أما إذا لم ينفع الحل الأول بالعظة والثاني بالهجر بالنسبة للزوجة فيأتي حل اضربوهن أي فاضربوا على أيديهن بسحب القوامة منهن. وتبقى هذه الحلول منطقية وطبيعية بوجود القوامة في يد المرأة، لكنها تصبح لامعنى لها مطلقاً، لو أن القوامة للرجل خلقاً وعقلاً وديناً وولايةً.

ونقف هنا عند قول الآية اضربوهن. فقد ذهب البعض إلى أن الضرب هنا يعني الصفع واللكم والرفس. وفاتهم أن الضرب في اللسان العربي يعني ضرب الأمثال، ويعني الضرب في الأرض، ويعني التدابير الصارمة كقولنا: ضربت الدولة بيد من حديد على المتلاعبين بالأسعار، ويعني ضرب النقود ويعني أخيراً الصفع واللكم والرفس.

ولعلنا لا نجد مبرراً أبداً للسيوطي وغيره بانتقاء هذا المعنى لنصبح بذلك من الذين يستمعون القول فيتبعون أسوأه. ومن المناسب أن نستأنس بما أورده أبو داوود في سنته حول هذه الآية، فقال إن بعض الصحابة فهم من واضربوهن هذا المعنى المباشر، لكن الرسول الأعظم خرج إليهم قائلاً: لا تضربوا إماء الله، فهل يعتقد القائلون بالضرب أن النبي (ص)، لو صح خبر أبي داوود، كان ينهى عما أمر الله به؟!

ولما كانت الآية تتحدث عن قوامة المرأة بما فضلها الله من مال أو فكر أو حسن قيادة، وعن نشوزها وتعسفها في ممارسة هذا القوامة، وترسم ثلاث معالجات لهذا النشوز، فقد لا تنفع هذه العلاجات. هنا تأتي الآية بعدها لتنصح بالتحكيم لحل هذا الخلاف الذي يخشى أن يتحول إلى شقاق. وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا النساء 35.

هذا عن النشوز والخلاف في حالة أن القوامة بيد المرأة، فماذا لو كانت القوامة بيد الرجل واستبد بها وتعسف ونشز؟ نقول لقد جاءت الآية 128 لتتحدث عن هذه الحالة وتضع حلاً لها. يقول تعالى {وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتْ الْأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} النساء 128.

ونقف عند قوله تعالى {وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا} ونتساءل: لماذا قال {وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا} ولم يقل (من زوجها)؟ وهل هناك فرق بين البعل والزوج؟ نقول: نعم هناك فرق واضح بينهما. فالبعل في اللسان العربي هو المعيل والمؤاكل والمشارب والملاعب. فإذا جمع إلى كل ذلك النكاح والجنس صار زوجاً. والزوج يكون بعلاً أما البعل فلا يكون زوجاً.

وحين نتوخى الدقة نقول أن الزوج في المجالات الاجتماعية كالسهرات والنزهات بعل، إذ لا مكان في هذه المجالات للجنس، وإن الزوج في سن الشيخوخة بعد توقفه عن ممارسة الجنس يصبح بعلاً. ونرى دقة التنزيل الحكيم حين يتحدث عن الفروج ويذكر الأزواج والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم.. المؤمنون 5و6. أما حين يتحدث عن الزينة فيذكر البعول ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن.. النور 31.

فالزينة حالة اجتماعية تكون فيها المرأة مع آخرين: أخوها، أبوها، ابنها، أبو زوجها.. إلخ، ففي هذه الحالة سمي الزوج بعلاً، ولم يدخله فيهم لأنه أصلاً يحق له أن يرى زوجته عارية. وننظر إلى قوله تعالى على لسان زوجة إبراهيم حين بشرت بإسحاق: {قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً..} هود 72، إشارة إلى أنه تحول إلى بعل بعد أن صار شيخاً ولم يعد يمارس الجنس. وانظر قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} البقرة 228.

فقد قال {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} لأنه لو قال: {وأزواجهن) لتناقض ذلك مع قوله وَالْمُطَلَّقَاتُ في مطلع الآية، إذ مع وقوع الطلاق لا يبقى الزوج زوجاً، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الرجل الذي أوقع الطلاق على زوجته سيبقى ينفق عليها ويعولها خلال أيام عدتها ويعيش معها إنما دون نكاح وجنس، ومن هنا فالاسم الوحيد الذي يمكن إطلاقه عليه في هذا الوضع هو البعـل. وهذا هو الفرق بين الزوج والبعل كما رأيناه في التنزيل(1).

هنا يتضح أمامنا بكل جلاء أن آية النساء 128 هي آية قوامة الرجل، وأن ذكر البعل فيها يدفعنا إلى ترجيح أن التنزيل يتحدث عن حالة أسرية اجتماعية إنسانية لا علاقة لها بالجنس من قريب ولا من بعيد، تخاف الزوجة فيها من بعلها المنفق صاحب القوامة عليها أمرين:

أ ـ النشوز، بأن يصبح متكبراً متعالياً، وديكتاتوراً يجمع السلطات كلها في يده، بشكل لا تستطيع معه امرأته أن تقوم بأي عمل، صغيراً كان أم كبيراً إلا بموافقة صريحة مسبقة.

ب ـ الإعراض، بأن يهمل شؤون بيته وأولاده، ولا يسأل عن شيء، ويدير ظهره لكل شيء، تاركاً مركب الأسرة تتقاذفه رياح الأيام، شاغلاً نفسه برفاقه مثلاً أو بسهراته أو بمطالعته أو غير ذلك.

فإن وقع ما تخاف المرأة من بعلها نشوزاً أو إعراضاً، فليس أمامها إلا أحد أمرين:

  1. القبول بهذا الواقع. وهو ما تفعله معظم النساء في بلادنا، تحت تسميات ومبررات وعناوين مختلفة. لكن لها ألا تقبل بهذا الواقع انطلاقاً من قوله تعالى {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير} وهذا يقودنا إلى الأمر الثاني.
  2. رفض هذا الواقع. وهو ما يحصل حين تتعب المرأة من تسلط بعلها ونشوزه، أو من إهماله لها ولأسرته وإعراضه. وفي هذه الحالة تحدد لها الآية ما يجب عليها فعله، وهو إصلاح البين أي التقارب في وجهات النظر، بالحوار الهادئ السلمي، وفي هذا الإصلاح خير.

وتشير الآية بعد ذلك إلى عارض قد يقع خلال محاولة الإصلاح عبّر عنه تعالى بقوله {وأحضرت الأنفس الشح}. والشح غير البخل وغير الطمع. فالشح هو أن يستأثر الإنسان بكل الخير، وينسب كل الإيجابيات لنفسه، وينفيها عن الآخرين. ونحن نرى بالفعل في محاولات إصلاح البين، أن كل طرف يضع المسؤولية على الطرف الآخر، ويبرئ نفسه من كل عيب وتقصير، ويلقي باللائمة على الآخر وينسب العيوب إليه، ويجرده من كل الإيجابيات، وهذا كله يجعل تحقيق الصلح عسيراً إن لم نقل مستحيلاً، ولابد من مفهوم الحل الوسط.

ثم يختم تعالى الآية بقوله {وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً} ولكن ماذا لو كان الإعراض بسبب التعددية الزوجية؟ هنا يأتي قوله تعالى في الآية التالية مباشرة: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً} النساء 129.

لقد قلنا إن الله سبحانه أباح التعددية الزوجية ضمن شروط شرحناها في مكانها من هذا البحث، وهذا يعني أن الإعراض قد يقع بسبب الزوجة الثانية. لكنه ليس إعراضاً يختص بالعلاقات الجنسية حصراً، بل يشمل في رأينا كل جوانب الحياة الأسرية من إنفاق ورعاية أولاد واتخاذ كل القرارات الكفيلة بسعادة الأسرة كلها زوجات وأولاداً.

كما نرى أن ارتباط هذه الآية بسابقتها ضمن حدود قوامة الرجل نشوزاً أو إعراضاً، يتجسد واضحاً في قوله تعالى {وإن تصلحوا وتتقوا}، كإشارة جلية إلى قوله في الآية السابقة {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً}. ونفهم من استعماله (إن) هنا، التي تفيد الاحتمال ولا تفيد الحتم، أن ثمة احتمالاً بألا يحصل الصلح وبألا يتحقق. فإن حصل الصلح مع التقوى فإن الله كان وما زال غفوراً رحيما، يغفر للمقصر تقصيره وللمفرط تفريطه، أما إن لم يحصل الصلح ويتحقق، فالفراق واقع لا محالة.

وهذا تماماً ما نفهمه من قوله تعالى {وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته وكان الله واسعاً عليما} النساء 130. ففي حال عدم تحقق الصلح يحق للزوجة التي وقع عليها النشوز أو الإعراض أن تطلب التفريق، وأن تحصل على نصف مال الزوج كمتعة الطلاق لا كمؤخر الصداق باعتبارها شريكته.

والطريف أن السادة العلماء والفقهاء، يتشدقون في المجالس والمناسبات بأن المرأة شريكة الرجل، وأنه ميسر للعمل خارج البيت، بينما هي ميسرة للعمل داخله، من رعاية الأولاد وغير ذلك، وأنها في حقيقة الأمر تعمل أكثر منه. وبخاصة إن كانت من النساء العاملات في المجتمع بمهنة أو بوظيفة. لكنهم ما أن يصلوا إلى مسألة طلب المرأة للتفريق، حتى ينسوا أنها شريكة النصف، فلا يعطوها إلا مؤخر الصداق، وقد تتعرض المرأة إلى أسوأ من هذا، حين يساومونها على التنازل عن كامل حقوقها مقابل الطلاق أو ما يسمى ظلماً بالمخالعة، وهذا اختراع فقهي تاريخي ظالم.

نحن نرى أن للزوجة التي ثبت نشوز بعلها أو إعراضه الحق في طلب التفريق، ونرى أن لها الحق في مقاسمة زوجها أمواله كمتعة الطلاق وهذا هو التسريح بإحسان كمفهوم معاصر الآن يجب أن نتبناه، بما فيها البيت الذي يعيشان فيه، منطلقين من أن المرأة لا تطرد من بيت الزوجية إلا في حالة واحدة هي حالة الفاحشة المبينة. يقول تعالى:

{يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، وتلك حدود الله..} الطلاق1.

ولننظر كيف أنه سبحانه قال في هذا الآية (بيوتهن) ولم يقل (بيوتكم) رغم أن الخطاب في الآية للذكور.

ثمة أمر أخير نقف عنده في خاتمة بحثنا بمسألة القوامة، هو الفرق بين الشقاق والفراق، فقد جاء اللفظان في آيات القوامة، حيث ورد الشقاق في قوله تعالى:

{وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليماً خبيرا} النساء 35.

فالشقق والشقاق هو المخالفة مع جهد ومجاهدة، وورد بهذا المعنى في قوله تعالى {ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب} الأنفال 13. والشق هو النصف، والانشقاق هو الانشطار إلى نصفين، كما في قوله تعالى {اقتربت الساعة وانشق القمر} القمر1. وقوله تعالى {إذا السماء انشقت} الانشقاق 1. والشقيق هو الأخ من أم وأب (ونرى أنه الأخ التوأم في بطن واحد).

ونلاحظ أن هذه الآية جاءت بعد آية قوامة المرأة مباشرة. فالشقاق هنا يقع في حال نشوز المرأة تسلطاً وديكتاتورية بوجود القوامة لها، والآية تدلنا على ما يجب فعله. كما نلاحظ أنه تعالى يختمها بقوله {إن الله كان عليماً خبيراً}، تماماً كما ختم آية النساء 128 بقوله {.. فإن الله كان بما تعملون خبيراً}. ونلاحظ أخيراً ورود لفظ الإصلاح في الآيتين.

أما الفراق فقد ورد في قوله تعالى: {وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته} النساء 130.

والفراق هو الطلاق، فقد يكون الزوجان غير مؤهلين للقوامة، فتصبح العلاقة بينهما علاقة شقاق دائم، وهي علاقة ما قبل الفراق. أما في حالة قوامة الرجل، فقد تكون المرأة صالحة للقوامة إن نشز زوجها أو أعرض، فإما أن تطلب القوامة أو يحق لها الفراق، فيمضي كل في سبيله، ويغني الله كلاً من سعته مع أخذ كامل حقوقها بنصف مال الزوج ويبقى البيت لها.

(3) تعليقات
  1. الله اكبر والعزة لله وحده لاشريك له والحمدلله
    بوركت يا دكتور محمد شحرور اطال الله وامد بعمرك وجعلك بصحة وعافية لكي تنفعنا بعلمك واشكرك من كل قلبي وسلامي لك

  2. انا شايفه ان تعميم الايه وجعلها قوامة في العمل والزراعه والصناعه ده خطأ لان الكلام كله كان في سياق زوج وزوجة مافيش معنى للتعميم
    مافيش اى اشارة في الآيات ان المراة ليها نصف مايملك الزوج من فين جه الحكم ؟؟
    حضرتك ناكر للسنة كلها …فكيف تستدل على تفسير واضربوهن بحديث النبي لا تضربو اماء الله !!! اعتقد محتاجة تفصيل اكتر ارجو الرد دكتور ولتعلم انى استفهم لأتعلم لا لشيء آخر

  3. ثمة فرق شاسع بين أن تطلب نصف المال مع الاحتفاظ بالبيت، أو أن تطلب نصف دمه أو نصف الباقي من عمره قبل أن يموت، وبين أن يكون لها الحق في أي من ذلك. القول بالحق لها في الأموال أو ما جاوز بقاءها في البيت بعد العدة أو نصف ماله أو دمه أو باقي عمره لا مجرد الحق لها في طلب كل ذلك أو بعضه أو ما زاد عليه كلام مرسل. إن عبارة “بيت الزوجية” تتعارض مع صيرورة الزوج بعد الطلاق بعلا في أحسن الحالات. والمعلوم أنه “بيت الزوجية” غير “بيت البعلية”. ومعلوم أيضا أن “بيت البعلية” لا يوجد ولا يستحيل بيتُ الزوجية بيتا للبعلية قط بعد الزواج. ثم: إذا كانت ترث الربع أو الثمن فقط في حالة وفاته (اعتمادا على إن كان له ولد من عدمه)، فأي وجه لتقبض النصف في حالة التفريق؟!

اترك تعليقاً