الكينونة والسيرورة والصيرورة

كان – سار – صار

كانت هذه الأفعال الثلاثة، ومازالت، محور الفلسفة، والعمود الفقري لكل الأبحاث الإلهية والطبيعية والإنسانية، باعتبار أن الكينونة هي بدء الوجود، والسيرورة هي حركة سير الزمن، والصيرورة هي ما انتهت إليه الكينونة الأولى بعد مرورها بمرحلة السيرورة.

فمن “كان” جاء اسم الكينونة والوجود (Da – sein , being). ومن سار جاء اسم السيرورة (Process). وهي حركة سير الزمن (t) الخارجة عن سلطان الفعل الإنساني. ومن “صار” جاء اسم الصيرورة (werden – becoming).

هنا نلاحظ أمراً هاماً، هو التلازم والترابط بين هذه المحاور الثلاثة، بحيث لا وجود لأحدها بعيداً عن الآخر. فالسيرورة من حيث هي حركة زمن تبقى في فراغ إن لم تقع على شيء كائن متحرك يخضع لها، ثم ينتهي ليصير بتأثيرها إلى صيرورة أخرى. والصيرورة لا تكون أبداً مع عدم وجود شيء وقعت عليه السيرورة. وهذا كله يقودنا إلى الجزم بأنه لا وجود بلا تطور، ولا تطور بلا وجود.

انظر معي إلى هذا الشكل الذي تمت صياغته فراغياً للتعبير عن هذه المحاور الثلاثة ضمن نموذج قابل للفهم والتعميم.

p4-27

من خلال هذه المحاور (الإحداثيات) يمكن مناقشة وفهم الوجود الطبيعي (الكوني)، ويمكن مناقشة وفهم حركات المجتمعات الإنسانية. فالكينونة في الوجود الكوني، هي الوجود المادي الذي يشغل حيزاً من الفراغ، وهي الوجود المادي خارج الوعي الإنساني. والسيرورة هي الزمن (الحركة)، المرتبط بالمادة ارتباطاً لا انفصام فيه، وباعتبار هذا الارتباط بين المادة والزمن، فنحن نقول إن الحركة هي شكل الوجود المادي. إنما يظل هذا الفهم ذا بعدين، مقتصراً على محورين، إن لم نأخذ محور الصيرورة بعين الاعتبار.

وإذا استطعنا نظرياً لتسهيل الدراسة والبحث، الكلام عن محوري المادة والزمن (الكينونة والسيرورة)، فنحن قطعاً لا نستطيع ذلك عملياً وفعلياً. إذ ثمة بعد ثالث ينتج عن الارتباط اللامنفصم بين المادة والزمن، هو التطور والتحول من “كان” في حالة أولى، إلى “صار” في حالة ثانية. ولو أن الوجود اقتصر على محوري الكينونة والسيرورة دون تطور وصيرورة لثبت الوجود على شكل واحد جامد لا تنوع فيه، ولانتفت ظاهرة الموت. لأن الموت صيرورة تنتج عن تغير في كينونة الكائن الحي، تغيراً يطال طبيعة وجوده المادي، أما الكائنات غير الحية فالتغير فيها يقتصر على الشكل. وهذا ما عبر عنه تعالى بقوله عز من قائل {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ.. } القصص 88. مؤيداً بقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} (آل عمران 185 والأنبياء 35 والعنكبوت 57). فقانون الهلاك الذي يطال كل شيء عدا الله تعالى الباقي، هو ما ينتج من محوري السيرورة والصيرورة معاً(1).

ونخلص إلى القول بأن محوري الكينونة والسيرورة كشكل مستوٍ يمثلان الوجود بمركباته، أما محور الصيرورة فيمثل التطور والتحول في هذا الوجود، وهذا ما نراه واضحاً جلياً منذ لحظة الانفجار الكوني الأول، حيث ظهرت الفوتونات فقط، ثم تحول قسم منها إلى هيدروجين، ثم إلى هيليوم، ثم إلى عناصر رئيسية، تجمعت لتنتج مركبات غير عضوية، ثم مركبات عضوية، ثم كائنات حية بأبسط صورها (واحدات الخلية).. إلى أن ظهر البشر على الأرض، ثم الإنسان، وما زال هذا الكون بكينونته وسيرورته في مرحلة صيرورة مستمرة لا تتوقف.

فإذا أخذنا محوري الكينونة والصيرورة، نتج لدينا مستوي لا سيرورة فيه، تندمج فيه كينونة المادة بصيرورتها دون سيرورة، أي دون حركة وزمن، ويفقد الزمن تأثيره ومعناه المعروف، ليصبح الوجود أشكالاً وقوانين ثابتة لا تتغير ولا تتطور ولا يطالها الهلاك. وهذا ما عبر عنه تعالى في التنزيل الحكيم بمفهومي الجنة والنار، حيث الثبات والخلود، وحيث للزمن معنى آخر غير معناه الذي نعرفه به. وذلك واضح في كثير من آيات الذكر المبين أبرزها قوله تعالى:

{فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} هود (106، 107}(2)

وإذا ما نظرنا في وصف الجنة والنار كما وردت في التنزيل الحكيم، رأينا فيه معنى الثبات والديمومة واضحاً، أي أن هناك كينونة وصيرورة بلا سيرورة:

وجود – ثبات الموجود………. ظاهرة – ثبات الظاهرة

لكن هذا يتطلب علاقة جديدة بين المادة والزمن، وشكلاً جديداً من أشكال الوجود المادي، نجدهما في التنزيل الحكيم تحت عنوانين هما قيام الساعة ونفخة الصور.

فنفخة الصور تسريع في سيرورة كينونة هذا الوجود باتجاه صيرورة ينشأ على أنقاضها كينونة جديدة لا سيرورة لها، وهذا هو الهلاك الذي حكت عنه آية القصص 88، فالهلاك هنا لا يعني العدم، وإنما يعني هلاك صيرورة الأشياء السابقة ونشوء صيرورة جديدة ثابتة.

هنا يمكننا أن نخلص إلى القول بأن محور الصيرورة يمثل المفهوم الأساسي للوجود وهو الغائية. ونفهم أن الغاية من الانفجار الكوني الأول (big bang) في صيرورته النهائية هي الانفجار الثاني المتمثل بنفخة الصور الأولى.

ونفهم أخيراً أن أي كينونة بلا صيرورة هي وجود بلا غاية ولا حكمة ولا هدف.

p4-29

أما إذا أخذنا محوري السيرورة والصيرورة نظرياً فقط مع ثبات الكينونة (ولنقل النقطة A على محور الكينونة) بدا لنا وبكل وضوح استحالة ذلك عملياً. فالسيرورة حركة وزمن، ومحورها يفقد معناه في حالة ثبات المتحرك (أي النقطة A تبقى A) والصيرورة غاية ومنتهى، أي النقطة A تصبح A` وهنا يكمن قانون الجدل الأساسي وهو قانون النفي ونفي النفي أي أن A هي A وهي ليست A وهذا هو قانون صراع المتناقضات الداخلي لذا لا يمكن الحديث عن الصيرورة والسيرورة إلا بشيء (كينونة) تتلبس به الصيرورة.

فاللون الأحمر يوجد في شيء يتلبس به، طربوش/ حذاء/ وردة… الخ.

والتنزيل الحكيم لم يفصل البتة بين هذه المحاور الثلاثة، لا بل لعله أثبت تلازمها اللا منفصم، كما في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ} الحج 5. وكما في قوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ} الرعد 4.

فالكينونة في آية الحج 5 واضحة في قوله تعالى: {خلقناكم من تراب).

والسيرورة واضحة أيضاً في انتقال وتحول التراب إلى ماء (نطفة). والصيرورة واضحة بدورها في انتهاء التراب ليصير ماء، لتبدأ بعدها سلسلة أخرى تصبح فيها النطفة كينونة تتحرك بها سيرورتها لتصير علقة، لتبدأ بعدها سلسلة ثالثة تتحول العلقة فيها إلى مضغة.. وهكذا.

نخلص بعد هذا كله، إلى أننا أمام الحالات التالية لهذه المستويات الثلاثة:

1 – الكينونة (الوجود) والسيرورة (الزمن) بلا صيرورة: وهو وجود ساكن بلا غائية، وإن وجد فيه الزمن فله معنى آخر، خالٍ من التحول والتبدل عارٍ عن التطور والاصطفاء، إذ هذه كلها تقع على محور الصيرورة. ولوكان الكون كذلك لانتفى اليوم الآخر وقيام الساعة ونفخة الصور. ولهذا جاء البرهان على البعث (اليوم الآخر) في الحج 5 من محور الصيرورة عندما أضيف إلى محوري الكينونة والسيرورة. ولهذا أيضاً نجد أن قانون صراع المتناقضات الداخلي في الشيء ذاته، ونعني به قانون النفي ونفي النفي، هو القانون الوحيد الذي يبرهن على وجود اليوم الآخر(3). وأن من آمن بوجود اليوم الآخر، فإيمانه بوجود الله حاصل من باب أولى. ومن هنا رأينا أن الإيمان بالله واليوم الآخر هو الحد الأدنى للإسلام (4).

لقد نصت آيات القرآن الكريم على أن من لا يؤمن ببعد الصيرورة فقد كفر بالله، منها ما نجده في قوله تعالى: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} الكهف (36-39).

لقد نفى الرجل الأول محور الصيرورة عن جنته، إذ دخلها وهو ظالم لنفسه قائلاً: لا أظن أن تبيد هذه أبداً، فنفى بذلك قانون {كل شيء هالك إلا وجهه}، ونفى بذلك قيام الساعة فكفر باليوم الآخر، والكفر باليوم الآخر يستلزم الكفر بملك هذا اليوم ومالكه، تماماً كما أن الإيمان به يستلزم الإيمان بهما معاً. ومن هنا جاء رد صاحبه عليه متسائلاً مستنكراً: أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً؟ أأنكرت محور الصيرورة الذي جعلك ما أنت عليه الآن؟ ألم يجعلك الله من تراب.. ثم تحول التراب إلى ماء تحول بدوره إلى صيرورة ثانية فثالثة فرابعة فعاشرة لتنتهي إلى رجل سوي منتصب على قدمين؟ فكيف تنكر محوراً أنت الآن نتيجة من نتائجه وغاية من غاياته، وتنكر أن يطال جنتك هذه التي تتوهمها باقية خالدة؟

p4-312 – الكينونة (الوجود) والصيرورة (التحول) بلا سيرورة (زمن): وهو يعني التحول من الكينونة إلى الصيرورة دون حركة وزمن، ويعني قيام الساعة. ونلاحظ أن مستوي هذين المحورين (الكينونة والصيرورة) دون محور سيرورة، لا وجود له في الطبيعة إلا في الضوء. فالضوء عبارة عن فوتونات وأمواج، وله صفة إيجابية واحدة هي أنه ينير ولا ينار، بمعنى أنه لا يوجد فوتون نسلط عليه الضوء لأنه هو الضوء بذاته. فالفوتون كينونة وصيرورة فقط بلا سيرورة، فهو إما موجود أو غير موجود، لأن الزمن في عالم الضوء يساوي الصفر، ولأن كل جسم يسير بسرعة الضوء يصبح ضوءاً وتنعدم قيمة الزمن بالنسبة لهذا الجسم

(t = 0).

p4-32(مستوي الكينونة والصيرورة بلا زمن موجود في الضوء فقط لأن الضوء هو العنصر الأول الذي تشكل في الكون لحظة الانفجار وبدأت به الصيرورة الكونية حيث تشكل من الفوتونات العنصر الأول في الوجود وهو الهيدروجين وبعد تشكل الهيدروجين ظهر النور لأن الهيدروجين قابل لأن ينار، فالضوء لا يخضع للمتبدل والمتحول فهو إما موجود أو غير موجود، وليس له في وجوده إلإ شكل واحد، سرعته الثابتة هي غائيته. وكل جسم يسير بسرعة الضوء يصبح ضوءاً، واصلا إلى غائيته النهائية. )

3 – السيرورة (الزمن) والصيرورة (التحول والغائية) بلا كينونة: في هذا المستوي يظهر قانون صراع المتناقضات في ذات الشيء، فهو ذاته وغير ذاته في آن معاً، وهذا هو قانون النفي ونفي النفي الكامن وراء الغائية. أي أن الانفجار الكوني نفى ما قبله، عدماً كان أو غير ذلك. وقيام الساعة ونفخة الصور نفي لهذا النفي الأول، واليوم الآخر والبعث نفي لهذا الكون، الذي سينتهي إلى وجود لا صيرورة فيه، هو الغائية في ذاته، فيبطل مفعول قانون صراع المتناقضات هذا بانتهاء محور الصيرورة ووصوله إلى غايته النهائية. أما في هذا الكون فقانون النفي ونفي النفي هو القانون الأساسي الذي تكمن فيه الغائية، الموجود في ذات الكون منذ لحظة الانفجار الأول وحتى الانفجار الكوني الثاني.

p4-33إن من يهمل هذا القانون يقع في مطب السكون والسكونية، أي في الشرك والكفر، لأنه ينكر اليوم الآخر والبعث وقيام الساعة. وقد طرح الفكر الماركسي مفهوم المجتمع الشيوعي كبديل لمفهوم اليوم الآخر وقيام الساعة ونفخة الصور، لكنه غفل عن أن هذا لا يمكن أن يحصل إلا بعملية نفي للوجود المادي ذاته، هذا النفي الموجود في ذات المادة منذ لحظة الانفجار الكوني الأول، ليحل محله وجود مادي جديد بقوانين مادية جديدة يبعث فيه الإنسان، وهذا نفي لهذا النفي. إذ كيف يمكن إيجاد مجتمع إنساني غائي في ذاته، وظاهرة الموت ما زالت موجودة؟

لقد شرحنا آنفاً كيف أن الضوء هو الموجود الوحيد الغائي في ذاته، لذا قال تعالى في هذا المضمون {الله نور السموات والأرض} فكيف نتصور مجتمعاً إنسانياً يتحول إلى مجتمع ضوئي غائي في ذاته، توقف وانتفى عنده محور الصيرورة التاريخية، وما زال مع ذلك يخضع للسيرورة والهلاك والموت؟(5)

لقد تصور الإنسان سابقاً مجتمعاً ضوئياً، أفراده كائنات نورانية غائية في ذاتها هي الملائكة، ثم جاءت الماركسية لترسم مجتمعاً الغائية فيه دنيوية ملائكية، لا جدل فيه ولا تناقضات، وغفلت عن أن هذا الكون نفسه قائم على الجدل والتناقض، وعن أن عمل الفكر هو إزالة التناقض. مما ينتج عنه أن المجتمع الشيوعي كما رسمه ماركس وأصحابه، مجتمع تصوري طوباوي بحت غير قابل للتحقيق.

إن غاية التاريخ الإنساني عند الماركسية هي الصيرورة الإنسانية، كنهاية التاريخ في المجتمع الشيوعي. والفكر الشيوعي بدلاً من أن ينفي التاريخ ذاته، نفى الإنسان ذاته، رغم أنه موجود فعلاً، ونفى الحرية بدلاً من أن ينفي التاريخ، فسقطت الحرية الإنسانية بشكل لا مثيل له.

أما التنزيل الحكيم فكان في هذا منسجماً مع نفسه تماماً، ومع الوجود المادي، لكونه وحياً من خالق الوجود وخالق الجدل وخالق الغائية، وهو الدليل النظري الوحيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

فحياة الإنسان وحريته ورفاهيته غاية دنيوية، والجنة غاية أخروية، والخير والشر مرتبطان بشكل لا انفصام فيه، لا ينفي أحدهما الآخر بل يتصارع معه، وهذا مربوط بظاهرة الموت. أي أن وجود جدل الإنسان ووجود الكون مرتبط بوجود ظاهرة اسمها الموت، واقرأ معي قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (الأنبياء 35). ونفهم أن الغائية التي يرسمها التنزيل الحكيم للوجود الكوني المادي هي الساعة والصور والبعث، وأن الغائية الدنيوية للإنسان هي الحياة والحرية، وأن الغائية الأخروية له هي الجنة.

فإن قال قائل: إن قانون النفي ونفي النفي لا ينسجم مع ما يقرره المنطق من أن A هي A وأن B هي B وأن الشيء لا يمكن أن يكون A و B في آن معاً، بينما نراك تقول أن A هي A وغير A في آن معاً، فكيف ذلك؟

نقول إننا عندما شرحنا الاحتمالات الثلاثة:

  1. الكينونة + السيرورة بلا صيرورة.
  2. الكينونة + الصيرورة بلا سيرورة.
  3. السيرورة + الصيرروة بلا كينونة.

بدأنا القول بتلازم المحاور الثلاثة تلازماً لا انفصام فيه، وافترضنا أن ثمة من يخالفنا في هذا التلازم، الأمر الذي يقتضي منه الأخذ بأحد احتمالات ثلاثة لا رابع لها، حاولنا أن نشرح استحالة الأخذ بها والركون إليها.

فحين أخذنا الاحتمال الثالث مثلاً، القائل بوجود مستوٍ من محوري السيرورة والصيرورة بلا كينونة، أخذناه من باب الفرض النظري، وألمحنا إلى استحالة وجود مستوٍ من هذا النوع في حيز الواقع.

لقد عزلنا محور الكينونة لنبين أن قانون النفي ونفي النفي، وهو الأساس في قانون الجدل، قانون صاعد إلى الأعلى، وهذا لا يتضاد مع منطق الهوية والماهية، باعتبار أن المنطق هو قوانين العقل الإنساني، إذ يبحث في ماهيات الأشياء والظواهر وعلاقات العناصر بعضها ببعض. فهو يبحث في قانون السببية، وعلاقة المقدمة بالنتيجة، وعلاقة النتيجة بالمقدمة.

ومن هنا فالنتائج المنطقية قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة، والمعيار الكاشف لها هو الكون والوجود والواقع.

ولما كان المنطق كما قلنا، يبحث في ماهيات الأشياء والظواهر، فإن محور الكينونة فيه محور أساسي لا يعمل المنطق في حال عدم وجوده. لا بل من الصواب أن نقول إن المنطق لا يعمل إلا بوجود المحاور الثلاثة مجتمعة. ولابد ليعمل المنطق بقوانينه من وجود كائن ما على محور السيرورة (t) في إحداثية محددة، وفي وضعية معينة (نقطة واحدة) من محور الصيرورة. ومن هنا نخلص إلى القول بأن قوانين المنطق لا يمكن لها أن تحل محل قوانين الجدل. لأن قوانين المنطق هي قوانين العقل، أما قوانين الجدل فهي قوانين الوجود الموضوعي.

وقوانين العقل تقوم على مبادئ الهوية والماهية وعدم التناقض وتنتهي إلى أن A هي A و B هي B، لأنها أخذت نقطة واحدة كائنة على نقطة بعينها من محور السيرورة في نقطة بعينها من محور الصيرورة، وهذا كله لا يتناقض مع قوانين الجدل التي يقتصر حقلها في مجال البرهنة على الغائية والتطور والتحول، في حين يقتصر حقل المنطق على تحليل الظواهر بعناصرها المختلفة مستنداً إلى قوانين الهوية والماهية وعدم التناقض.

ولابد أخيراً من توضيح أن القول بالتناقض بين قوانين الجدل وقوانين المنطق، قول خاطئ من أساسه، لأن الجدل قانون، أما المنطق فهو مجموعة قواعد للعقل تعصم عن الخطأ وأولها قانون عدم التناقض.

فإن قال قائل: فأين قانون الزوجية (التأثر والتأثير المتبادل) وقانون الأضداد؟ نقول: هو في الفراغ. فعندما نأخذ ظاهرة ما على محاور الكينونة والسيرورة والصيرورة، تظهر قوانين الأضداد في الظواهر، وقوانين الأزواج في العلاقات بين الأشياء بعضها مع بعض. أي أن قانون النفي ونفي النفي موجود في ذات الوجود، أما قوانين الأزواج والأضداد ففي الأشياء المختلفة والظواهر المتباينة.

فإن قال قائل: إذا كان قانون النفي ونفي النفي هو حقل الصيرورة والغائية، وإذا كان الكون قد بدأ، بحسب قولك، من الفوتونات ثم من عنصر الهيدروجين، الذي تغيرت صيرورته إلى عناصر أخرى، فكيف تفسر وجود الهيدروجين الآن؟ ولماذا لم تتغير صيرورته؟ ولماذا لم يتحول كل الهيدروجين الموجود إلى عناصر أخرى؟ أليس الأصح أن نجد الكون اليوم كله أورانيوم لو كان ما تقوله صحيحاً؟

أقول: الصيرورة زمرتان، صيرورة تراكمية وصيرورة تطورية. ومن هاتين الزمرتين نشأ التدرج ثم التنوع الدرجي ضمن النوع الواحد، إذ لولا هذا التدرج لأصبح العالم أحادياً ساكناً، ولاختفت منه الصيرورة ذاتها. لأن محور الصيرورة هو محور الدرجية. والأمر كما نراه أشبه ما يكون بالألوان، فللأحمر عشرات الدرجات في الكون، وللأصفر عشرات، وللأزرق عشرات، وكذلك بالنسبة للإنسان والبشر. فلو اختفت كل مراحل السيرورة والصيرورة بزمرتيها التراكمية والتطورية في الكائنات الحية، لأصبح الإنسان هو الكائن الوحيد الحي الموجود على ظهر الأرض، تندمج فيه الصيرورة بالسيرورة والكينونة، ولصار الإنسان إلهاً.

إن في هذا رداً على كل من يتساءل جاداً أو هازلاً، لماذا لم تتطور كل المخلوقات بنفس الدرجة؟ ونضيف: إن الصيرورة سلم تراكمي من المستويات، وليست مستوي واحداً متحركاً، ولو كانت كذلك لنفت ذاتها، ولانتفت الغائية من الوجود كله، ولانتفى الإله نفسه. وهذا ينقلنا إلى البحث في مفهوم الإله من خلال محاور الكينونة والسيرورة والصيرورة.

الله والكينونة والسيرورة والصيرورة

الله – الرب – الإله

إذا استطعنا تطبيق مفاهيم الكينونة والسيرورة والصيرورة على الوجود، فهل نستطيع تطبيقها على خالق الوجود؟ غير ناسين أبداً أن اسم “الموجود” هو أحد أسمائه الحسنى التي وصف بها نفسه، تعالى عن كل وصف.

ما هو الله؟ وكيف نفهمه؟ وكيف نؤمن بأنه رب واله؟ البحث عن الله، بحث خاص بالموجود العاقل. وهي مرتبة مرتفعة في الدرجة عن معارف الموجود غير العاقل. فالنحل مثلاً كموجود غير عاقل يعلم كيف يصنع العسل، ولكنه لا يعلم بأنه يعلم كيف يصنع العسل، ولو علم ذلك لغّير في صناعة العسل وطورها. فمن هو الكائن الذي يعلم بأنه يعلم كل شيء، وبيده صيرورة الأشياء كلها، مسيطر عليها ومتحكم فيها؟ إنه الله وليس غيره. ولكن، من هو الله في ماهيته؟

إننا حين نبحث عن الله ونحن كائنات حية عاقلة، لا يمكن أبداً أن نفهم الله إلا من خلال الكينونة والسيرورة والصيرورة في هذا الوجود، وفي أنفسنا. ولما كنا محدودين حكماً بهذه المحاور الثلاثة من جهة، وبمستوي المعرفة الذي وصلناه بفضلها، فنحن مضطرون إلى البحث في حقلين معرفيين هما:

  1. الله في ذاته. وفي هذا الحقل، فالله كوجود مستقل بذاته هو الله.
  2. الله لنا. وفي هذا الحقل، فالله كوجود يدرك من خلال الموجودات الخاضعة للكينونة والسيرورة والصيرورة هو الرب وهو الإله.

أما الله في ذاته فكينونة فقط. أي أنه وجود قائم بذاته لا يخضع لسيرورة ولا لصيرورة، أزلي أبدي سرمدي، وكل أسمائه الحسنى في ذاته الإلهية واحدة لا تمايز بينها ولا تفاضل، لأننا لا نستطيع أبداً أن نقول إن الله يعي ذاته، وإلا لزم أن يصبح وعيه أرقى من ذاته ومسيطراً عليها، ولزم أن يصبح وعيه شيئاً وذاته شيئاً آخر، ولأصبحت ذاته كينونة ووعيه كينونة وسيرورة، ولأصبح قابلاً للتجزئة. فإن قلنا إن الله عقل محض (وعي محض)، وقعنا في المطب نفسه، وأصبح الله عدماً في ذاته، إذ لا محل لهذا الوعي المحض. وهذا بالضبط ما وقع فيه المعتزلة حين قالوا إن الله عقل محض، وأنه بالتالي لا يعي ذاته، فقسموا الله بذلك إلى وعي وذات، وانقسموا بدورهم إلى قسمين، قسم نفى الوعي وأبقى الذات، وقسم نفى الذات وأبقى الوعي، ومع نفي الذات تم نفي الصفات.

ولكنهم جميعاً انطلقوا من قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الشورى 11). ومن قوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} (المؤمنون 91). وافترضوا أنك لتفهم الله وتدركه عليك أن تتصوره أولاً، والتصور ممنوع بحقه وإلا انقلب تشبيهاً وتجسيماً، فوصلوا إلى نفي الصفات باعتبارها باب التصور والتشبيه والتجسيم، ومن هنا أطلق التاريخ عليهم لقب أهل التنزيه، إشارة إلى قوله تعالى: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}.

في الطرف المقابل هناك من فهم التنزيل الحكيم على ظاهره، فالعرش هو العرش والاستواء عليه هو الاستواء، واليد هي اليد والعين هي العين، والله عندهم يَرى ويُرى، ويسمع ويغضب، ويحب ويكره، منطلقين في هذا كله من قوله تعالى: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (غافر 56). ومن قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ…} (الفتح 10). وهناك من أجاز التشبيه على الله ولم يعتبره تجسيماً، محتجين بأن الله نفسه وصف الإنسان بما وصف به ذاته فقال: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} (الإنسان 2). ومحتجين بأن الإنسان بحكم خلقه لا يستطيع أن يفهم ويعرف شيئاً دون أن يدركه، ولا أن يدرك شيئاً دون أن يتصوره ولا أن يتصور شيئاً عارياً عن الصفات. لكنهم في المحصلة جعلوا الله مركباً من أجزاء، فنفوا بذلك واحدية الله وأحديته.

والواقع هو أننا حين نعتبر الله كينونة فقط، نعتبر أن الصيرورة والسيرورة صادرة عنه، وليست جزءاً منه. وهذا ما ينفي الحلول ووحدة الوجود ولما كانت السيرورة والصيرورة لا تكون دون كينونة، فنحن لا نفهم ولا نستطيع أن نفهم أي شيء عن الله إلا من خلال هذا الوجود. وقد أوضح التنزيل الحكيم هذه النقطة بالذات في العديد من الآيات، كقوله تعالى:

وكان الله سميعاً بصيراً – إن الله هو السميع البصير.

وكان الله غفوراً رحيماً – إن الله غفور رحيم.

فاثبت بأن الله كينونة فقط وأنه سميع بصير غفور رحيم بذاته خارج محور السيرورة والصيرورة، وخارج عوامل الزمن والغائية، فكينونة الله عند الله هي الله، أما كينونته عندنا وبالنسبة لنا فهي الأسماء الحسنى. ولهذا لا نجد لفظ الجلالة في التنزيل الحكيم مفرداً أبداً، بل مقترناً بصفة من صفاته تعالى، وفي هذه الصفات تظهر الألوهية والربوبية.

فالله لذاته هو الله (لفظ الجلالة) والله لنا هو الغفور وهو الرحيم وهو الرزاق وهو الرب وهو الإله(6). والله في ذاته لا تدركه الأبصار، لأن الأبصار صيرورة، بينما الله في ذاته ليس كمثله شيء. ولأنه كينونة فقط في ذاته، بينما كل ما عداه كينونة وصيرورة وسيرورة. ولأن الله موجود بذاته، بينما كل ما عداه موجود بغيره، وله بداية وغاية، ويخضع للزمن والتحول.

ثمة سائل يسأل: ماذا كان قبل هذا الوجود الكوني الحالي.. أهو العدم.. أم هو الله؟ أقول هو الاثنان معاً. فيعود السائل إلى التساؤل: أليست هذه ثنائية؟ أقول هي ثنائية كلامية، لكنها أحادية وجودية (كينونة فقط). وعلينا أن نعرِّف العدم من خلال مدركاتنا لا في ذاته، لأن العدم لا ذات ولا كينونة له. فإن كانت الكينونة في ذاتها هي الله، فالعدم هو علم الله بالموجودات قبل وجودها. فكل الموجودات بظواهرها وقوانينها وعلاقاتها كانت في علم الله دالات دون مدلولات؛ وعند الخلق وبعده بدأت الدالات تأخذ مدلولاتها الوجودية.

لدينا المعادلة: 2+2 = 4. إذا أخرجنا منها العدد 2، وجردناه عن كل صفاته وعلاقاته، صار عدماً، عدداً بلا كينونة، وتحولت المعادلة 2+2 = 4 إلى حالة عدمية (حالة عقلية ومعرفية بحتة) مجردة عن كل كينونة. ومن هنا قلنا سابقاً إن علم الله علم بحت مجرد {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} (الجن 28). وقلنا إن الرياضيات هي أرقى العلوم قاطبة، لأنها علاقات مجردة بحتة، ودالات بلا مدلولات. فعلماء الرياضيات يبحثون في العلاقات المجردة البحتة، وعلماء الطبيعة بمختلف فروعها يبحثون عن كينونة هذه العلاقات في الوجود، ويحولون الدال البحت المجرد إلى دال ومدلول.

إن الإشارة الرياضية المجردة إشارة اعتباطية، لا تنتفي اعتباطيتها إلا عندما تتلبس في كينونة ما. ومن هنا نقول إن الله لا لغةَ له. فهو لا عربي ولا إنكليزي ولا تركي. لأن الإشارة اللغوية إشارة اعتباطية دالة فقط، لا تأخذ معناها إلإ عندما تتلبس في مدلول ما. ومن اللغة التي هي تجريد ومن الرياضيات التي هي تجريد أيضاً، يظهر لنا دور الكلمة في تطابق الدال والمدلول، ويتضح لنا معنى أن يقول الله للشيء المراد كن فيكون، وينجلي لنا معنى أن كلمات الله هي الحق وهي الوجود المعين والمحدد، أي أنها انتقال الدال من إشارة اعتباطية إلى إشارة صارمة محددة المدلول هي “الكلمة”.

فالوجود الذي هو كلمات الله وجود صارم غير اعتباطي، وهذا يلغي القول بالصدفة والاعتباطية في الوجود، إذ الاعتباطية تكون في المجردات فقط وليس في الموجودات. وهذا ما نلاحظه في الإنسان. فعندما تفقد الكلمات مدلولاتها ولا يبقى ما يقابلها على أرض الواقع تصبح عدماً، أي مجرد أفكار اعتباطية. ولعل المهرجانات الخطابية وبعض خطب الجمعة في الجوامع خير مثال يوضّح ما نقول.

وقولنا إن الله حق وكينونة بذاته وموجود في ذاته، خلق الموجودات بالحق. يعني أن الله حقيقة موضوعية مطلقة موجودة في ذاتها، وأن الموجودات حقيقة موضوعية مطلقة موجودة بغيرها ومتعلقة به، وأن علاقة الموجودات بالله الحق الخالق علاقة الكلام بالمتكلم فهي صادرة عنه وليست جزءاً منه، ويعني أن محاور الكينونة والسيرورة والصيرورة هي من طبيعة الموجودات وهي كلمات الله الحق.

وتبقى مشكلتنا في هذا الوجود هي مشكلة وعي الموجودات والتعرف على أسماء الله الحسنى فيها ومن خلالها. ورغم أن الوعي الإنساني للوجود خضع للتطور على محور الصيرورة وما زال، إلا أن المشكلة تبقى مشكلة معرفة.

إن معرفة الله من خلال الذات مستحيلة. فلا يمكن معرفته إلا من خلال أسمائه الحسنى. وبما أن الإنسان لا يمكن أن يتعلم إلا بالقلم (التمييز)، فقد ميز تعالى أسماءه الحسنى لنا لا لذاته، لكي نعرفه من خلالها. وميز الأشياء بعضها عن بعض بالصيرورة، إذ لولا سلّم الصيرورة لما كان تمييز ولما كانت معرفة، ومن هنا نقول بأن صيرورة الأشياء هي في ذاتها، فالأشياء تسبح الله (تنزّهه) عن أن يكون مثلها خاضعاً للصيرورة، أي للتطور والتبدل والتحول، وهذ هو تسبيح الوجود. فقانون الصيرورة (النفي ونفي النفي) هو تسبيح الوجود، أما تسبيح العاقل فهو نفي عاقل أن يكون لله شريك أو ولد أو مثل.

لقد خضع تصور الإنسان لله إلى الصيرورة. فالإنسان البدائي تصور الله مشخصاً في النجوم وظواهر الطبيعة، ونظراً لتعدد المشخصات، فقد افترض تعدد الآلهة والأرباب، أي أن تصور الإنسان لله انطلق من مفهوم الربوبية ومفهوم الألوهية، وهذان المفهومان بالذات خضعا للصيرورة مع سير التاريخ، فقد ظن الإنسان أن ظواهر الطبيعة المشخصة أمامه في وعيه هي صاحبة القرار في سعادته وشقائه فاعتبرها ربَّاً، وقدم القرابين ليسترضيها فاعتبرها إلهاً، حتى وصل إلى التوحيد. وما سر دعوات الأنبياء والرسل إلا لتصحيح مفهومي الربوبية والألوهية، فالتوحيد هو جوهر دعوات الرسل والأنبياء جميعاً {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ} (الزمر 65).

كان الإنسان بشراً على سلم الصيرورة في الوجود، فماذا أعطاه الله ليصير إنساناً؟ الجواب: أعطاه القانون الأساسي للفكر الإنساني، قانون عدم التناقض. أي أعطاه بداية العلاقة الاصطلاحية (الاعتباطية) بين الدال والمدلول، لينتقل من عالم التشخيص، عالم العلاقة الطبيعية بين الدالَّ والمدلول إلى عالم التجريد، عالم العلاقة الاصطلاحية بينهما. وما زال الإنسان إلى يومنا هذا يتلقى اللغة تلقياً لا وراثياً، فالجهاز الصوتي عنده وراثي.

من هنا كانت بداية الأنسنة.. مع بداية العلاقة الاصطلاحية بين الصوت والمدلول.. ومع بداية التجريد انطلاقاً من قانون عدم التناقض. ومن هنا قلنا إن آدم أبو الإنسان وليس والد البشر(7). بكلمة موجزة أخرى، لقد أعطى الله آدم أداة التفكير، وأداة الاتصال في اللغة، وقانون عدم التناقض في الفكر، وهذا معنى قوله تعالى للملائكة: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة 30). وتابع الإنسان بعد ذلك مسيرته الجبارة حتى وصل إلى ما هو عليه.

إن قانون عدم التناقض هو أساس المنطق الذي ينظم الفكر، ومنه وصل الإنسان إلى قانون السببية، وتطورت أداة الاتصال بتطور أداة الفكر باعتبارهما خاضعين للصيرورة كغيرهما من الكائنات، فتطورت اللغات، منها مات ومنها ما زال حياً ومنها ولد حديثاً، أي أننا نرى مستويات الصيرورة واضحة تماماً في اللغات كما هي في الكائنات الحية الأخرى، ولو كانت اللغة واحدة عند أهل الأرض لانتفت الغائية في اللغات، ولو كان ثمة مخلوق واحد على ظهر الأرض، وزالت بقية المخلوقات، لانتفت الغائية في وجود الإنسان.

نصل بعد هذا كله إلى السؤال التالي: ما هي الكينونة – السيرورة – الصيرورة عند الإنسان العاقل الواعي الذي يعلم بأنه يعلم؟ بكلمات أخرى: ما هي الكينونة – السيرورة – الصيرورة عند هذا الكائن الاجتماعي الحامل لأداة التفكير وأداة الإتصال؟

الكينونة والسيرورة والصيرورة في المجتمعات الإنسانية

مجتمعات الكائن العاقل

المجتمعات الإنسانية مجتمعات عاقلة تربط أفرادها علاقات واعية، وبالتالي فإن هذه المجتمعات تعي “الزمن” فالكينونة في هذه المجتمعات هي الإنسان ذاته، والسيرورة فيها هي التاريخ، والصيرورة هي التطور. ومن هنا نقول إن نقطة البداية في المحاور الثلاثة في حقل الوجود الإنساني هي آدم أبو الإنسان وأبو التاريخ، به بدأ التاريخ الإنساني وبه بدأت الكينونة والسيرورة والصيرورة وعلاقات واحدتها مع الأخرى.

p4-43فإذا نفينا محور الكينونة، انتفى الإنسان ذاته، وانتفى التاريخ (وليس الزمن)، وتحول الإنسان إلى بشر بهيمي، ورجع على سلم التطور (الصيرورة) إلى الوراء، وتحول التاريخ إلى زمن فيزيائي مجرد.. وهذا مستحيل. أما محور السيرورة فلا يمكن نفيه، لأن التاريخ زمن، والزمن موجود موضوعي خارج إرادتنا، أما التاريخ فهو وعي هذا الوجود الموضوعي للزمن. ويمكن للإنسان أن يرى هذا الوجود في وعيه، أما الكائن غير الواعي فالتاريخ وحركته لا قيمة لهما ولا معنى لهما عنده.

أما محور الصيرورة ففيه تكمن المشكلة الكبرى. إنه بُعد تحكُّمِ الإنسان والإرادة الإنسانية، وهو البعد الثالث الذي نرى من خلاله درجات التطور التي تعيشها مجموعة إنسانية ما في زمن واحد وفي أمكنة مختلفة. كما نرى من خلاله درجات التطور المختلفة لمجموعة إنسانية ما في مكان واحد وفي أزمنة مختلفة (وهذا ما نسميه حركة التطور التاريخي). فالبعد الثاني (السيرورة) مضافاً إليه البعد الثالث (الصيرورة) هو ما نسميه حركة التطور التاريخي أو الصيرورة التاريخية، التي يلعب الإنسان دوراً أساسياً فاعلاً في تسريعها وإبطائها.

ومحور الصيرورة أو البعد الثالث كما نسميه، بعد بالغ الأهمية لأنه مناط التكليف الإنساني والدراسة الإنسانية، ولا عجب أن نجد كل القصص القرآني يتمحور حوله باعتباره حقل الفعل الإنساني. فالفعل الإنساني قبل وقوعه يكون في عالم الممكنات، أما بعد وقوعه فيصبح في عالم الحتميات، لأن الزمن لا يرجع أبداً إلى الوراء. إضافة إلى أنه حقل الخيار الإنساني وحقل الغائية من هذا الخيار وحقل الثواب والعقاب.

ولقد أكد التنزيل الحكيم على ضرورة دراسة هذا البعد في قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ} (يوسف 111). وفي قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} الأنعام 11.

إن هذا المستوي هو مستوي قانون النفي ونفي النفي، لأنه يحتوي على بعدي الزمن والتطور (الصيرورة التاريخية). وقد وضع التنزيل الحكيم مواضيع مختلفة في هذا المستوي أهمها:

  1. موضوع التوحيد: لقد خضع التوحيد للتطور المعرفي، فتطور من المشخص إلى المجرد، ومن التعددية إلى الوحدانية، فنرى في هذا المستوي مختلف الدرجات الموجودة موضوعياً، من وثنية طبيعية (ظواهر الطبيعة والنجوم والكواكب) إلى وثنية صنمية، إلى وثنية أسلاف وأولياء تتجسد بزيارة الأضرحة القبور. ونلاحظ في هذا التدرج ارتفاع المستوى، حيث نرى في كل درجة بقايا من الدرجة التي سبقتها. من هنا نجد أن شعار التوحيد “لا إله إلا الله” هو أبسط الشعارات وأهمها عند كل الناس، الفيلسوف والبسيط والعالم والجاهل، وهو رأس الإسلام كله.
  2. موضوع المثل العليا: هذا الموضوع خضع للتطور التراكمي، فقد أخذت المثل العليا الصبغة التراكمية. فمن بر الوالدين إلى الوصايا العشر إلى مثل أخرى أضيفت في الرسالة المحمدية إلى ما سبقتها.
  3. موضوع التشريع: الذي خضع للتطور بالنسخ والإضافة بين الشرائع السماوية المتعددة.

إذا أخذنا مستوي الكينونة (المجتمعات الإنسانية) – السيرورة (التاريخ) بدون بعد الصيرورة، نتج لدينا أن المجتمع الإنساني مجتمع سكوني ثابت، يمر عليه الزمن بلا تغير أو تحول. ويصبح غاية في التخلف، أي مجتمع مسطح ذو بعدين لا غائية له، بعد أن فقد بعده الثالث، بعد الصيرورة (التطور). ونلاحظ هذا موضوعياً في المجتمعات الإنسانية. فالمجتمع المتطور مجتمع ذو أبعاد ثلاثة، أما المجتمع السكوني فهو مجتمع مسطح ذو بعدين.

وأية مواجهة أو احتكاك بين مجتمعين من هذا النوع، ستنتهي بسيطرة المجتمع ذي الأبعاد الثلاثة وبقهره المجتمع المسطح ذي البعدين.

ولكي يريحنا التنزيل الحكيم من هذا الأمر، فقد بيّن لنا أن المجتمع السكوني ذا البعدين لا يكون إلا في الجنة فقط حيث هو الغائية النهائية بذاته، أما ما عدا ذلك من مجتمعات دنيوية، فيجب أن تكون ثلاثية الأبعاد، والويل لها إن أهملت أحد هذه الأبعاد، فلا يبقى لها مكان تحت الشمس، وتفقد الغائية الدنيوية كل معناها.

هنا نصل إلى سؤال: فما هو وضع المجتمعات العربية حالياً؟ والجواب، إنها مجتمعات مسطحة ذات بعدين، بعد الكينونة لأنها موجودة فعلاً، وبعد السيرورة لأنها ما زالت موجودة تاريخياً. أما بعد الصيرورة عندها فمفقود، فقدت معه الغائية في الحياة الدنيا، وأصبحت مجتمعات ضعيفة ذليلة، تستمد قواها من نقاط تطور لحضارات أخرى تسير على محور البعد الثالث.

كيف أخذت الثقافة العربية (الإسلامية والقومية والماركسية والليبرالية) البعد الثالث بكامله من الثقافات الأخرى؟

1 – الصيرورة العلمية: كل الاكتشافات العلمية منذ قرون في الطب والهندسة والفيزياء والكيمياء والرياضيات هي من نتاج الآخرين. نحن لسنا منتجين للمعرفة بل مستهلكين لها، طالما أننا نأخذ معارفنا من ثقافات أخرى غير ثقافتنا، ولا يغرنك عدد الجامعات وأعداد الخريجين، فجامعاتنا تلقن المعرفة لطلابها تلقيناً لكنها لا تعلمهم كيف ينتجونها.

2 – الصيرورة التكنولوجية: في هذه الصيرورة حّدث ولا حرج. فهي عندنا تكاد تكون صفراً، فنحن غير منتجين لها البتة، لأننا لم ننتج – وحتى لم نساهم في إنتاج – معارفها بالأصل. لقد غزتنا الصيرورة التكنولوجية حتى غرف نومنا وحماماتنا. فالكمبيوتر والطائرة والسيارة والكهرباء وتنقية المياه والطرق والجسور والأبنية الحديثة والتلسكوب والأجهزة الطبية المعقدة والعتاد العسكري كلها ليست من نتاجنا، لأن الصيرورة العلمية مفقودة عندنا بالأصل، وبالتالي فإن الصيرورة التكنولوجية مفقودة أيضاً.

هذه المستويات من الصيرورة جاءتنا كما هي من الثقافات الأخرى، وعلينا أن نأخذها سواء برضائنا أم رغم أنوفنا، لأن الحياة أصبحت بدونها مستحيلة. لقد أخذنا بعدنا الثالث وصيرورتنا من ثقافات أخرى، وما زلنا نعيش عالة على هذه الثقافات.

3 – الصيرورة في العلوم الإنسانية: وهنا ثالثة الأثافي وآفة الآفات. لأن هذه العلوم تبحث في الإنسان ذاته، في دوره التطبيقي وسلوكه، ونحن ما زلنا في هذا كله ذوي ثقافة مسطحة.

يقسم الدارسون العلوم إلى قسمين: طبيعية وإنسانية. ثم يقسمون العلوم الطبيعية إلى قسمين: أساسية بحتة وتطبيقية. لكن هذا كله في رأينا تقسيم اصطلاحي لتسهيل الدراسة والتصنيف ووضع التعاريف. إذ لكل علم وجهان، وجه أساسي بحت يبحث في ماهيته، ووجه تطبيقي يبحث في آثاره وتأثيره. ومن هنا نرى أن الرياضيات والفلسفة هما العلمان الأساسيان الوحيدان حيث الفلسفة تبحث في المفاهيم والرياضيات تبحث في الأدوات، وكل ما عداهما من علم نفس ومنطق واجتماع واقتصاد وتشريع وسياسة وعلم زمان ومكان (تاريخ وجغرافيا)، إنما هي علوم تطبيقية.

فلننظر ماذا حدث ويحدث فعلاً في أقسام واتجاهات المجتمع العربي، على ضوء ما حدث ويحدث فعلاً في الصيرورة بالعلوم الإنسانية:

القسم الأول: وهو الذي يحمل ثقافة إسلامية في العلوم الإنسانية، ويدعو في طروحاته إلى أن هذه الثقافة التي تشكلت معارفها خلال سيرورة وصيرورة القرون الهجرية الأولى هي الأساسية والثابتة، والتي لا يجوز عند أهل هذا القسم إخضاعها لقوانين السيرورة والصيرورة، ومن هنا نجدهم يقيمون ويقيسون السياسة والاجتماع والقانون والحلال والحرام بمقاييس تلك الثقافة – الأساس، لتصبح ثقافتهم في نهاية القرن العشرين ثقافة مسطحة ذات بعدين، ثبت فيها التاريخ وألغيت الصيرورة، وليقيموا طرحهم السياسي على أساس حاكمية الله، ثم يعتبرون أنهم يمثلون الله في حاكميته، رغم أن الله كينونة مطلقة، بينما هم كينونة وسيرورة وصيرورة.

لقد انطلق الطرح التراثي من مبدأ ” الحفاظ على التراث” و”الحفاظ على الهوية” فأهمل العلوم الإنسانية ولم يعبأ بالفلسفة وعلومها التطبيقية، ورفع شعار من تمنطق فقد تزندق، واستحكم العداء وتأصل بين الفلسفة والطروحات الإسلامية، حتى صار التفلسف إسفافاً، رغم أن الفلسفة الإسلامية لم تزدهر إلا في العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية.

ونحن نرى بوضوح فقدان البعد الثقافي الإنساني المعاصر في هذه الطروحات، يتجلى، كمثال، عِداءً بين الفقه الإسلامي والقانون المدني، مما جعل علوم النفس والإحصاء والاجتماع والاقتصاد لا تعني شيئاً عند أصحاب الطرح الإسلامي، الذين انعدم عندهم البعد الثالث، ويحاولون مع ذلك لاهثين الحفاظ على كينونة وسيرورة بلا صيرورة، بعد أن أوقفوا التاريخ وصيرورته عند لحظة معينة هي القرون الثلاثة الأولى، التي جعلوها أساساً يقيسون عليه كل ما بعدها. فغدت الثقافة العربية الإسلامية هشة ضعيفة يستحيل صمودها أمام ثقافات الأبعاد الثلاثة.

كما نرى بوضوح أيضاً كيف يتخبطون محاولين الحفاظ على هذه الثقافة:

أ ـ بالتركيز وبشدة على الشعائر (إقامة الصلاة / الصيام / الحج)، علماً أن هذه الشعائر ثابتة لا تدخل في الثقافة وإنمَّا تحدد هوية الانتماء إلى الرسالة المحمدية، وأن ما يدخل في الثقافة هو التشريع وحقوق الإنسان.

ب ـ بإضافة أمور على الشعائر بدعوى أنها ثابتة كالحجاب الشرعي، علماً أن الحجاب أعراف وتقاليد لا علاقة له لا بالإسلام ولا بالإيمان، ومع ذلك فقد جعلوا منه شعاراً سياسياً.

ج ـ بتغييب الحرية الإنسانية وحقوق الإنسان في طروحاتهم، وبتجاهل وتغييب النظريات الاقتصادية بكل فروعها وتفريعاتها.

د ـ بطرح شعار حاكمية الله، الذي ألغى بدوره كل مفهوم للخيار الإنساني.

هذا كله نفى الغائية بشكل كامل، وألغى بعد الصيرورة التاريخية بنفيه التاريخ، سواء في ذلك الحركات الإسلامية السياسية والمؤسسات الدينية. فالفرق الوحيد بين هذه وتلك هو شعار حاكمية الله، فالمؤسسات الدينية تخضع للسلطة السياسية تحت شعار طاعة أولي الأمر، والحركات السياسية تريد السلطة تحت شعار حاكمية الله.

وإذا سألتهم عن الغاية من هذا كله، والغائية عندهم منفية أصلاً، فالجواب هو: الآخرة. وكأن الغائية الدنيوية لا محل لها في طروحاتهم. لكن أطرف ما في الموضوع هو موقفهم من الصيرورة الغربية في العلوم التكنولوجية، التي قبلوها على مضض، بعد أن أمضوا قرناً كاملاً يناقشون خلاله مشكلة كبيرة عندهم هي: هل هذه التقنيات (كالبنطلون والراديو والتلفون والتلفزيون) حلال أم حرام.

إن الدنيا مزرعة الآخرة، وكما أننا نؤمن بالثواب والعقاب ويوم الحساب في الآخرة، ونؤمن بأنه لا دنيا بلا آخرة، كذلك نؤمن بأنه لا آخرة بلا دنيا. وكما نقول بأن الآخرة هي غاية الصيرورة الكونية، كذلك نقول بأن الغاية الدنيوية في الحياة الدنيا هي أساس الآخرة. لكن ما هي هذه الغاية الدنيوية؟

الغاية الدنيوية هي عبادة الله، التي يحكمها قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، الذاريات 56(8). وحرية الناس في عباديتهم لله يطيعونه بملء إرادتهم، ويعصونه بملء إرادتهم، وهي أخيراً التحرر من القسر والجبر والإكراه.

ولاشك بأن مستويات الطاعة والمعصية متفاوتة بين العباد بحسب تفاوت هامش الحرية عندهم، مما يخلق تنوعاً نلحظه بوضوح، كما لاشك بأن للتكنولوجيا وتقدمها أثراً واضحاً في توسيع هامش الحرية والاختيار الإنساني، كالتقدم في حقل المواصلات الذي زاد في حرية الانتقال عند العباد، فزاد بالتالي هذا التنوع بينهم، تأكيداً لقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} هود 118. ولقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} الأنعام 165. ولقوله تعالى: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ…} النمل 71. وصدق الله العظيم.

إن الثقافة ذات البعدين، التي لا تحوي بعد الصيرورة الثالث، هي ثقافة مغلقة بالضرورة، لأنها تتبنى وتعيش ثقافة أشخاص عاشوا في التاريخ، فتتجسد فيها عبادة الفرد وتختزل الإنسانية في شخص أو في جماعة أو في جيل. والإنسان الذي يحمل مثل هذه الثقافة، إنسان مستبد بالضرورة. إذ لا يمكن لثقافة من هذا النوع أن تستمر إلا بالقوة وبالعنف وبالإكراه، لأنها تنفي الصيرورة التاريخية وتغيب العقل وتصادره. وما الكتب التي نقرؤها عن منكر ونكير وعذاب القبر وأهوال الساعة إلا وسيلة إرهاب ومصادرة للعقل، ولم نر شعباً يخضع لممارسات الإرهاب بنوعيه الفكري والمادي، كالشعب العربي الإسلامي، الذي غاب تحت وطأة هذا الإرهاب عن ساحة الفعل الإنساني وما زال.

ولا يغرنك ما نراه ونسمعه اليوم، ويطلقون عليه شعار الصحوة الإسلامية، فهو مؤشر صريح على استمرار الغفوة. لأن أي صحوة وأي ثورة ثقافية لابد أن تبدأ بصحوة وثورة في الفكر، تغير المفاهيم وتعيد صياغتها، وتدعو إلى ترك المفاهيم التي عاشت ضمن خبرات زائلة.

كما لا يغرنك أيضاً أن ترى كتب التراث تعاد طباعتها بأغلفة براقة أنيقة، ولا تغرنك أعداد خريجي الجامعات الأجنبية في العلوم والتكنولوجيا، لأن البعد الإنساني عندهم غائب، فأنت ترى طبيباً تخرج من بريطانيا مثلاً، لكنه ما زال في الوقت نفسه يحدثك بكل جدية عن أنكر ونكير، وعن الشجاع الأقرع الذي يتكفل في القبر بتمزيق من يبول واقفاً، وعن أن الحكمة الإلهية من خلق المرأة تنحصر في أنها فتنة شيطانية للرجل، وأن معظم أهل النار من النساء، ويحكي لك بكل ثقة عن أن مرتبة الولاية أعلى عند الله من مرتبة النبوة، وأن الولي الفلاني قدس الله سره تحدث مع أساطين البيت الأبيض من تكة سرواله، وأن الديمقراطية فخ من أفخاخ شياطين الإنس والمؤمن بها ضال كافر، وأن حرية الرأي تفتح أبواب الإباحية، وأن احترام الرأي الآخر يفسح المجال للملحدين أن يعبروا عن رأيهم.

القسم الثاني: وهم الليبراليون الذين، على عكس أهل القسم الأول تماماً، نبذوا الثقافة التاريخية للأمة برمتها، وقصوا جذور تراثهم التاريخي، وأخذوا البعد الثالث في العلوم الإنسانية برمته كما هو من الغرب. أي أنهم قاموا بعملية تهجين، فألصقوا دون أي إبداع تطوراً وصيرورة غربية إلى كينونة وسيرورة تاريخية عربيتين، رغم ما سلف وقلناه عن استحالة فصل أحد الأبعاد الثلاثة عن الآخر، ويستوي في هذا القوميون من هذا القسم والوطنيون المحليون منه.

القسم الثالث: وهم الاشتراكيون الماركسيون، الذين أخذوا نظرية ماركس في التاريخ، بعيداً عن جدل الإنسان والفكر الإنساني والمجتمعات الإنسانية، وحاولوا تطبيقها كبعد ثالث للثقافة العربية. وكان أول ما تم تبنيه من هذه النظرية هو الالحاد، وكأن الالحاد غاية في ذاته وصيرورة في ذاته.

القسم الرابع: القوميون الذين أخذوا البعد الثالث من ثقافات غربية وشرقية مختلفة، حيث نجد فيهم الليبرالي والماركسي، لكنهم لم يهتموا بالإسلام أبداً، إذ تركوا هذه المهمة للمؤسسات الدينية.

لقد حقق هؤلاء إنجازات إيجابية فعلاً، كالاستقلال، وكان مصدر قوتهم يكمن في البعد القومي العربي، وهو بعد مادي موجود على أرض الواقع، لكن الصيرورة بقيت غير موجودة. أي بقيت ثقافتهم مسطحة ذات بعدين، فلم يقدموا أي تصور للتشريعات المستقبلية وللعلاقات الإنسانية، وبقي مفهوم الحرية مفهوماً ضبابياً.

ولما كان بعد الصيرورة يحمل مفهوم التطور المتراكم (إلغاء مفاهيم / إضافة مفاهيم / تطوير مفاهيم)، فقد كان لابد من أن تظهر حاجتنا الشديدة إلى فلسفة عربية إسلامية معاصرة، وإلى علم كلام معاصر، لتفعيل هذا البعد الثالث، الذي هو كما سبق وقلنا مناط الفعل الإنساني ومناط الإرادة الإنسانية ومناط الإبداع للعقل الإنساني.

من المعروف أن الفلسفة أم العلوم، وأنها العلم الذي يهتم بالكليات وبالمفاهيم العامة، لكن هذا العلم توقف فتوقفت معه الثقافة العربية منذ ابن رشد، بل قل منذ الغزالي الذي كتب “تهافت الفلاسفة” وسمي بحجة الإسلام. إن في كل حضارة جانباً ذا طابع إنساني عام، لا يكون وقفاً على شعب بعينه أو ثقافة بعينها. فقد كانت الرياضيات مثلاً، تعني العمليات الحسابية الأربع، لكن التطور التاريخي أضاف إليها الهندسة التحليلية والتحليل الرياضي والمصفوفات والمجموعات، ولم تلغ هذه الإضافات العمليات الحسابية الأربع، بل راكمتها وأصبحت أكثر قدرة على فهم أغوار الوجود.

فإذا أخذنا مستوي الكينونة – الصيرورة -، دون بعد السيرورة فهذا يعني أننا نلغي الزمن (التاريخ) ونوقفه، أي أننا أخذنا كان وصار، بدون سار (السيرورة).

مثل هذه الحالة نجدها واضحة في قصة أهل الكهف بقوله تعالى:

{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى، وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا، هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا، وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَتَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا، وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا، إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} (الكهف 13-21).

لقد دعا الفتية المؤمنون بالله قومهم إلى الحق، فاضطهدوهم، فهربوا إلى الكهف حيث ناموا ثلاثمئة عام، أي توقفت السيرورة (الزمن) بالنسبة إليهم، لكنها بقيت سارية على باقي الناس، ولما أفاقوا وجدوا أن ما هربوا به أصبح شائعاً (صيرورة) مع مسيرة الزمن. لكنهم لم يستطيعوا أن يتأقلموا مع الوضع الجديد فماتوا.

إن في هذه القصة القرآنية خير رد على من يقول بأن جيل الصحابة جيل مثالي لا ثاني له. لهؤلاء نقول: إنه جيل مثالي ورائع حقاً بسيرورته وصيرورته التاريخية في زمانه، ولكن لو أن الله تعالى بعث الصحابة اليوم، لما استطاعوا أن يفعلوا لنا شيئاً، إنما نستطيع نحن أن نفعل لأنفسنا، لأننا كأبناء سيرورة وصيرورة القرن العشرين، أقدر على فهم محيطنا ووجودنا منهم. وهذا لا يعني أبداً أننا أفضل منهم إيماناً وتقوى وإنسانية، بل يعني أننا أفضل في معالجة أمورنا بأنفسنا، وأفضل في فهم مشاكلنا وفي معالجتها.

ولعل أوضح مثال عن الكينونة – الصيرورة بعيداً عن السيرورة، هو أفلام الصور المتحركة التي تضحك الكبار والصغار. وقصص الخيال العلمي التي تدهشهم جميعاً على حد سواء.

فالصور المتحركة الهزلية، تفترض الكينونة كما هي واقعاً. لكنها تتلاعب بخط الصيرورة فترسمه بشكل كاريكاتوري يثير الضحك، متجاهلة قوانين الزمان والمكان على محور السيرورة وهي تعرض أحداثاً لا تسمح هذه القوانين لها بأن تحصل في الواقع، كأن يدخل النمر الوردي في آلة لتجفيف الملابس المغسولة، ثم يخرج على شكل كرة من الفرو الناعم، بعد أن تم تجفيفه تماماً.

أما قصص الخيال العلمي، فترسم صيرورات للمخلوقات والمخترعات دون أن تشرح كيف تم ذلك على مدرج السيرورة، كأن تحكي لنا عن إنسان كبر رأسه على حساب جسمه كناية على تضخم دماغه، استغنى عن التخاطب باللسان واللغة، إلى التخاطب بالتخاطر والأفكار، ينتقل بين كواكب الكون ونجومه عبر أنبوب من الأشعة، تحلله في محطة الانطلاق ثم تنقله إلى محطة الوصول لتعيد تركيبه هناك كما كان في أقل من جزء من الثانية. أي قبل أن يرتد إليه طرفه.

أخيراً، إذا أخذنا مستوي الصيرورة مع السيرورة، وأهملنا الكينونة، فنحن أمام حالة لا يمكن وجودها على أرض الواقع، ومحاولتنا هذه محاولة تجريدية عقلية بقصد الدراسة لا غير. كأن نقصد دراسة خط سير التاريخ والغائية التاريخية معتبرين أن الكينونة نقطة. أو نقصد دراسة تطور العلوم، فنضع للطب تاريخاً وللفيزياء والمواصلات تاريخاً ولنشوء الدول والفقه تاريخاً.. وهكذا. ومن هنا نفهم لماذا شغل القصص القرآني نصف التنزيل الحكيم، لأن فيها تطور التشريع والأخلاق والتوحيد، وهي أهم نواحٍ تهم الإنسانية الواعية بمختلف أشكالها.

الكينونة والصيرورة في التعامل مع التنزيل الحكيم

جاء التنزيل الحكيم وحياً من الله تعالى على قلب رسوله الأعظم (ص)، وفيه النبوة والرسالة. كما جاء ختماً لرسالات الإسلام التي تراكمت وتطورت عبر أنبياء الله ورسله إلى الناس جميعاً. هذا الإسلام بدأ بنوح وأكمل وختم بمحمد، عليهما صلوات الله، بعد أن نضجت المعارف ونضج التشريع ونضجت البشرية الإنسانية نفسها، فأصبحت تستطيع الاعتماد على نفسها بالعقل والتجربة دونما حاجة بعد النبي الخاتم إلى أي وحي. حيث أصبحت الجامعات ومعاهد البحث العلمي ورثة النبوات (الشهداء) ومجالس التشريع والبرلمانات ورثة الرسالة أي انتهى بختم النبوة عهد الوصاية الخارجية على الإنسانية وعهد وصاية رجال الدين أو الأئمة.

نحن نشهد أن لا اله إلا الله شهادة شاهد لا شهادة شهيد، وهذه هي مسلَّمة الإسلام. ونشهد أن محمداً رسول الله شهادة شاهد لا شهادة شهيد، وهذه هي مسلَّمة الإيمان، ونؤمن بأن التنزيل الحكيم وحي من الله بالنص والمحتوى من أوله إلى أخره. ولهذا وجب أن يحمل خاصية تميزه عن باقي الرسالات والنبوات التي سبقته، خاصية تكون في ذاته لا في غيره، هي أنه الوحي الأخير الخاتم. فإذا وجدنا هذه الخاصية قلنا أنه مقدس. ولكن ما هي القدسية؟

نفتح التنزيل الحكيم فنقرأ أن لله اسماً حسناً هو القدوس أي القادر على الإحياء. ونقرأ قوله تعالى: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ.. } البقرة 87. ولما كان إحياء الموتى بإذن الله هو أحد البينات التي أوتيها عيسى. فنحن نفهم أن المقدس هو الحي، ونفهم أن أي نص حي يحمل صفة الحياة هو نص مقدس. والتنزيل الحكيم نص مقدس لأنه يحمل صفة الحياة، ولأنه جاء لأحياء عاقلين لا لأموات. إذا نظر فيه كائن إنساني يخضع للسيرورة والصيرورة في لحظة زمانية ومكانية ما، رآه كما لو أنه جاء لجيله ولوقته، أي كما لو أنه نزل البارحة.. لماذا؟

لأن التنزيل الحكيم كينونة في ذاته فقط، جاء من عند إله هو كينونة في ذاته، ولا يفهم إلا من خلال الكون بموجوداته وظواهره، ومن خلال أسمائه الحسنى المتجلية في هذه الظواهر وتلك الموجودات. وهذا يعني أن الكون ككل، لا يحيط به الا الله وحده، وأننا نستطيع الإحاطة به تدريجياً من خلال الصيرورة المعرفية النسبية المتحركة.

إن الغاية من المعرفة هي الاقتراب من الله معرفياً، وليس الوصول إليه. ومن أجل هذا الاقتراب نقوم بتسخير كل ظواهر الطبيعة لنا تدريجياً، سواء في الخير أو في الشر. والتنزيل الحكيم بما هو كينونة في ذاته، لا يحيط به كله إلا الله وحده، لأن اعجازه في ذاته.

من هنا نأتي إلى القول بأنه لا يمكن لأحد، بل لا يجوز له، أن يملك الإدراك الكلي للتنزيل الحكيم في كلياته وجزئياته، حتى ولو كان نبياً ورسولاً، لأنه يصبح بذلك شريكاً لله في علمه الكلي، وشريكاً لله في كينونته بذاته، تعالى الله عما يصفون. فإذا كان الرسول يعلم كل التنزيل بكلياته وجزئياته والاحتمالات الكلية لتأويله واجتهادته فهذا يعني أنه شريك لله في المعرفة سبحان الله عما يصفون أو أنه هو المؤلف للتنزيل وهو بريء من هذه التهم التي تلصق به بشكل غير مباشر من قبل العلماء الأفاضل والمؤسسات الدينية حيث وقعوا في المعضلة التالية: يقولون عن التنزيل قال الله ويشرحونه كما لو أن محمداً (ص) هو المؤلف.

ولكن ما هي المؤشرات التي تدلنا على أن التنزيل كينونة في ذاته؟ أقول: ثبات النص.. وبتعبير آخر ثبات الذكر في صيغته اللغوية المنطوقة. فالتنزيل الحكيم بصيغته اللغوية المنطوقة اليوم، هو ذاته التنزيل الحكيم بصيغته اللغوية المنطوقة في القرن السابع، وهو ذاته التنزيل الذي أنزل على قلب الرسول العربي، والذي كان الرسول مبلغاً أميناً ودقيقاً وحريصاً في إيصاله وإبلاغه للناس كما نزل حرفياً. لأن النص اللغوي المنطوق للتنزيل هو الشكل الثابت فيه، الذي لا يخضع لا للصيرورة ولا للسيرورة، ولهذا يقول سبحانه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر 9. ونلاحظ أنه قال “الذكر” ولم يقل الكتاب أو القرآن أو الفرقان(9).

قلنا إن التنزيل الحكيم كينونة في ذاته، فما هو التنزيل الحكيم لنا؟ أي كيف يقرأ الإنسان والمجتمعات الإنسانية التنزيل الحكيم، وهي نفسها أسيرة السيرورة والصيرورة؟ وهل يستطيع القارئ، وهو أسير سيرورته وصيرورته، أن يقرأ ويفهم التنزيل الحكيم إلا من خلال سيرورته وصيرورته المتحركة دائماً والمتغيرة أبداً؟

إن القرن السابع هو غير القرن العاشر وغير القرن العشرين وغير القرن الأربعين، وأهل هذه القرون يختلفون بعضهم عن بعض في مستوى معارفهم وأدواتهم المعرفية ومشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وإشكالياتهم المعرفية، وكلٌ سيقرأ التنزيل ضمن هذه المستويات والمشاكل والإشكاليات التي تخصه، فيجد فيه أشياء لم يجدها غيره، ويفهم منه أشياء لم يفهمها غيره. وهذا يثبت أن التنزيل يحمل صفة الحياة، وانه كينونة في ذاته، وأنه سيرورة وصيرورة لغيره، وهذا ما نعنيه دائماً حين نتحدث عن ثبات النص وحركة المحتوى والجدل بين النص والمحتوى.

إن ما يراه الإنسان وما لا يراه، وما يفهمه وما لا يفهمه في التنزيل الحكيم، تحدده الإشكالية التي هو بصدد حلها، والنظام المعرفي (المستوي المعرفي) المتبع في حل هذه الإشكالية. من هنا فإن التنزيل الحكيم يحمل دائماً صفة القراءة المعاصرة. فأنت حين تقف كقارئ في نقطة معينة من التاريخ، منطلقاً من نظام معرفي معين، حاملاً إشكاليات اجتماعية ومعرفية معينة، ستفهم من التنزيل ذي النص اللغوي الثابت أموراً، سيفهم غيرك غيرها مع تغير إحداثياته ومنطلقاته. هنا فقط نستعمل المنطق (قوانين العقل).

فالذي استعمل العمليات الحسابية الأربع في تطبيق أحكام الإرث مثلاً، استعمل المنطق ضمن هذه الأرضية المعرفية. والذي يحاول اليوم تطبيق أحكام الإرث ذاتها الواردة في آيات التنزيل ذاتها، مضيفاً إلى العمليات الحسابية الأربع التحليل الرياضي والهندسة التحليلية والزمر والمجموعات (الرياضيات الحديثة)، فقد استعمل بدوره المنطق ضمن الأرضية المعرفية الجديدة. وهذا لا يعني أبداً أن الأول بلا عقل والثاني عاقل، ولا يعني أبداً أن الأول غبي والثاني عبقري، أو أن الأول منافق والثاني تقي ورع.

وهذا ينطبق على من نظر إلى الكون بعينه المجردة فرآه مكوناً من أربعة عناصر هي الماء والتراب والهواء والنار، ثم على من نظر إليه بالمجاهر المكبرة ومخابر التحليل، فتجاوز ما رآه الأول، وتوصل إلى أن الكون مؤلف من عناصر أولية من الهيدروجين إلى الأورانيوم، لقد استعمل كلا الرجلين المنطق فيما توصلا إليه، لكنهما بالمحصلة توصلا إلى نتيجتين مختلفتين، لأن المستوي المعرفي عند الأول أضيق وأخفض منه عند الثاني، ولا يضير أحدهما أن نجده يشترك في العديد من جوانب الاستنتاج مع الآخر، لأن المعرفة الإنسانية تحمل صفة التطور والتراكم.

فإذا نحن تعاملنا مع التنزيل الحكيم على هذا الأساس، استطعنا حل المشكلات المعضلة في الإسلام، كإشكالية الفقه في التشريع، والإشكالية الفلسفية في علم الكلام. إننا بحاجة إلى فلسفة إسلامية معاصرة ترقى إلى كل الطروحات الفلسفية المعاصرة أولاً، وبحاجة إلى فقه إسلامي معاصر ثانياً، والى ارتقاء في مجال التشريع لا في مجال الشعائر ثالثاً، وبهذا تنحل إشكالية الحرية والدولة والمجتمع والتقدم والديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني. نحن بحاجة إلى وضع أسس جديدة لعلم الكلام، وأسس جديدة للفقه، ولا يغرنك شعار باب الإجتهاد المفتوح فهو شعار تسويقي بحت، لأننا نتحدث عن إعادة تأصيل الأصول بتقديم مفاهيم جديدة (new concepts) لآيات الأحكام مثل نظرية الحدود في التشريع وفكرة أن السنة القولية ليست وحياً وفكرة أن الإجماع هو إجماع الأحياء لا إجماع الأموات وفكرة أن القياس هو بتقديم البينات المادية الإحصائية لا بقياس شاهد على غائب(10).

ينتج لدينا طبقاً لما طرحناه سابقاً، قاعدة أساسية هي أن الاجتهاد يكون في النص المقدس حصراً(11).

أما القول بقاعدة لا اجتهاد فيما ورد فيه نص، فهو ليس عندنا بشيء. فإن قال قائل: اجتهد خارج النص، أقول: ولماذا أجتهد إن كان لا يوجد نص؟ فمع عدم وجود النص يستطيع المشرع أن يشرع ما شاء.

وبهذا فقط تصبح لدينا فلسفة إسلامية جديدة، وفقه إسلامي جديد، ونضمن الاستمرارية التاريخية وعدم الانقطاع بيننا وبين الأجيال السابقة عبر شعار لا إله إلا الله محمد رسول الله والمثل العليا والشعائر الثابتة كما وردت عن النبي العربي (ص)، أما ماعدا ذلك من معاملات وتشريع، فلا حاجة لأن يكون هناك بالضرورة تطابق بين ما نحتاجه اليوم وما كان سائداً في العصور السالفة. لأن صحة الاجتهاد تحدده المصداقية بين الاجتهاد والواقع، فالاجتهاد صحيح ومقبول بمقدار ما يتجاوب مع الواقع الموضوعي، وبعبارة أخرى، بمقدار فهم قارئ النص المجتهد للواقع الموضوعي في لحظة القراءة التاريخية. ومعيار الفهم والمصداقية هذا هو الذي يحدد صحة القراءة أو خطأها، ودرجتها من الصواب والخطأ.

وهذا أيضاً ما يحدد نجاح أو فشل أي برلمان في تشريعاته فكلما كانت التشريعات متطابقة ومتجاوبة مع الواقع الموضوعي كان البرلمان ناجحاً في تشريعاته انطلاقاً من فهمه الصحيح للواقع المعاش.

فالمنطق وحده لا يكفي، لأن النتيجة المنطقية قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة مع أنها منطقية في الحالتين. وقواعد اللغة بنحوها وصرفها لا تكفي، فقد يستطيع إنسان إعراب آية من التنزيل، ويبقى فهمه لها غير متطابق مع الواقع. وهذا يقودنا إلى عقم منهج تدريس اللغة العربية عندنا، الذي يتم فيه فصل النحو والصرف والإعراب والقواعد عن الدلالة. فالإعراب هو الشكل، أما مضمون ومعنى الخبر الذي يريد المتكلم أن يبلغه للسامع فهو البلاغة. والبلاغة ليست جمالاً بل هي إيصال للمعنى المطلوب بأوجز الطرق وأفصحها، وهو ما سنراه في البحث في آيات الإرث.

بعد هذا التفصيل في القول عن السيرورة والصيرورة الإنسانية، وعن الكينونة في التنزيل الحكيم، نفهم أن صاحب الحق الوحيد في إظهار مصداقية كلام الله هو الخط الكامل للسيرورة والصيرورة الإنسانية كلها، منذ آدم والى أن تقوم الساعة. وهذا ما يعبر عنه قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} آل عمرن 137. وقوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} العنكبوت 20.

ليس التاريخ العربي وحده، ولا الدولة العربية الإسلامية، ولا الفقهاء، ولا الصحابة والتابعون، بقادرين على إظهار مصداقية كلام الله وتنزيله، لأنهم جمعياً مجرد نقاط أو محطات على مسار التاريخ العربي الإسلامي، ومجرد نقاط أو محطات أصغر على مسار التاريخ الإنساني. إن دراسة التاريخ الإنساني، والنظر في خط سيره بمختلف المستويات هي وحدها التي تظهر لنا ولغيرنا مصداقية التنزيل الحكيم.

وهذا يقودنا إلى وجوب التفريق بين (كلام الله) و (كلمات الله). فالتنزيل الحكيم هو كلام الله غير المباشر، الذي نزل به جبريل على قلب الرسول العربي (ص) صوتاً ولفظاً وذكراً ولغة. أما كلمات الله فهي الوجود بفرعيه الكوني والإنساني، وهي القوانين الناظمة لهذا الوجود بفرعيه أيضاً. فمن فهمنا لكلمات الله نفهم كلامه. أي أن مصداقية كلام الله (الرسالات السماوية) لا تظهر إلا في كلماته (الوجود الموضوعي الكوني والإنساني)، وما علينا لنفهم كلامه إلا أن ندرس كلماته في الوجود الكوني والإنساني بسننه وقوانينه. لكن فهمنا لهذه السنن والقوانين يخضع للسيرورة والصيرورة، وعليه نقول إن فهمنا لكلام الله بالتالي فهم متطور غير ثابت، بينما كلام الله ثابت في كينونته كنص.

(1) أنظر ” التفسير الكبير للفخر الرازي” الجزء 25ص 22، 23، 24 فله في تفسير آية القصص 88 قول رائع مفيد.

(2) أنظر ” التفسير الكبير للفخر الرازي” الجزء 18ص 63، 64، 65، فله في تفسير آية هود 107 قول رائع مفيد.

(3) أنظر ” الكتاب والقرآن/ قراءة معاصرة” ص 234 وما بعدها.

(4) أنظر “الإسلام والإيمان /منظومة القيم” ص 113 وما بعدها.

(5) وكذلك أطروحة نهاية التاريخ لفوكوياما الذي أنهى الصيرورة التاريخية واعتبر انتصار النظام الغربي هو نهاية التاريخ.

(6) أنظر ” موسوعة له الأسماء الحسنى ” ج 2 ص 15 للدكتور أحمد الشرباصي، ففيه قول رائع حول اسم ” الله ” واسم ” هو ” الناتج عن إشباع الضم في اسم ” الله “.

(7) لمزيد من التفصيل، أنظر الفصل الثالث من كتابنا “الإسلام والإيمان منظومة القيم ” ص 266 وما بعدها، في الفرق بين الأب والوالد.

(8) لا نعني بالعبادة هنا الصلاة والزكاة والصوم والحج، كما يذهب أصحاب الثقافة ذات البعدين، بل نعني كل فعل وعمل يأتيه الإنسان طائعاً أم عاصياً. لمزيد من التفصيل، انظر “الإسلام والإيمان منظومة القيم” ص 140 وما بعدها.

(9) لمزيد من التمييز بين هذه المصطلحات، أنظر ” الكتاب والقرآن/ قراءة معاصرة” ص 234 وما بعدها.

(10) إن تقدم المعارف الإنسانية أي صيرورة المعرفة خلال السيرورة التاريخية يحصل في اتجاهين اثنين وهما:

  1. تقديم نظام معرفي جديد ضمن حقل معرفي معين وهذا يحصل بتقديم أفكار جديدة (New Concepts) لم تكن في الأصل موجودة في هذا الحقل، ومثال على هذا كوبرنيك الذي قدم فكرة أن الأرض ليست مركز الكون وأنها تدور حول الشمس، فأحدث ثورة في علم الفلك. وباستور الذي قدم نظرية الكائنات المجهرية الدقيقة وأنها سبب كثير من الأمراض، واسحق نيوتن الذي قدم مفهوم الجاذبية الأرضية والكون الميكانيكي. وتشارلز داروين الذي قدم نظرية التطور والتكيف والانتقاء، وألبرت أنشتاين الذي قدم النظرية النسبية العامة والخاصة. ومندليف الذي قدم جدول العناصر في الطبيعة.
  2. تقديم أداة معرفية جديدة (New Tools) واستعمالها لتكشف لنا أموراً جديدة تحتاج إلى شرح وتعليل. وهذا ما فعله جاليلو عندما استعمل التلسكوب ونظر إلى السماء. فإذا ما قيس اكتشاف أدوات المعرفة واستعمالاتها واكتشاف أشياء جديدة بهذه الأدوات يظهر لنا أن تطور أدوات المعرفة من الناحية الكمية اكبر بكثير من تطور النظم والأفكار الجديدة. فإذا ما قيس تقديم أفكار جديدة خلال 500 سنة الأخيرة فعددهم لا يتجاوز أصابع اليد. أما إذا قيس عدد الأدوات الجديدة فعددها لا يعد، وبالنسبة للعلوم النظرية، فإن الرياضيات هي علم الأداة، والفلسفة هي علم المفاهيم، فلا عجب أن يكون ترابط بينهما. وهذا هو الفرق تماماً بين كوبرنيك الذي قدم نظرية جديدة في الفلك (Concept) وبين جاليلو الذي استعمل أداة جديدة في الفلك. ومن الجدير بالذكر أن الرياضيات عبارة عن أداة معرفية مجردة تعتمد على المنطق وعدم التناقض. وإن أهم أداة معرفية اكتشفت في القرن العشرين هي الحاسوب الإلكتروني (الكومبيوتر) الذي سمح لنا بحل مشكلات لم يكن من الممكن حلها بدونه.

(11) حتى لو كان هذا النص {للذكر مثل حظ الأنثيين} فهو قطعي الدلالة في ذاته وغير قطعي الدلالة لغيره وسيلاحظ القارئ في هذا الكتاب كيف برهنا على ذلك باستعمال أداة معرفية جديدة.

(3) تعليقات
  1. وانا اضيف مع كل ما كتبت انهو مخاض الكون وصيرورته كمخاض المراة لفترة الحمل لان الكون الواسع نحن جزء مشابه للكون في كل طبائعه وحالته الخلقيه والخلقيه ونهاية الكون هي انشقاق زوج الاكسجين عن الهيدروجين بداية انهاره ورجوعه لبداية الخلق اول مره بكيفية معاكسه وشكرا لعقلك الجبار والدوام لك بالاستمرار بالنجاح…..واله اعلم

  2. الدكتور المهندس / محمد شحرور
    شكرا لكم على تناول هذا الموضوع الهام ( الكينونة … السيرورة … الصيرورة ) والرد على الفلاسفة بآيات قرآنية تزيل كل شكوك قد تشوش العقل . أنار الله لك وفتح عليك بكل ما هو جديد.
    مع تحياتي / محمد حسن

اترك تعليقاً