تنويه

أود أن ألفت نظر القارئ الكريم إلى أن كل ما ورد في كتبنا الثلاثة السابقة (الكتاب والقرآن – قراءة معاصرة) و (دراسات إسلامية معاصرة في الدولة والمجتمع) و (الإسلام والإيمان – منظومة القيم) في بعض المواضيع، مخالف لما ورد في هذا الكتاب قد تم تصويبه، حيث أن منهجنا يكشف مواطن الخلل في ذاته، بدون محاباة وبدون عواطف حتى هذا التاريخ.

المؤلف

مقدمة

أربعة عشر قرناً قمرياً ونيف مرت على البعثة المحمدية، فالنبي (ص) ولد عام 570 م وتوفي عام 632 م / 10هـ، ونحن الآن نخطو آخر خطوة نحو بداية القرن الواحد والعشرين الميلادي، بعد أن بدأ العالم يتحول فعلاً إلى قرية صغيرة. أفلا يحق لنا أن نسأل: ” أين مصداقية هذه الرسالة بعد أربعة عشر قرناً”، خصوصاً ونحن نتمتم عقب كل قراءة في التنزيل الحكيم “صدق الله العظيم، وصدق رسوله الكريم، ونحن على ذلك من الشاهدين”؟

نحن نؤمن حقاً وفعلاً بأن:

1 – الرسالة المحمدية هي الرسالة الخاتم للإسلام الذي بدأ بنوح (ع) وانتهى بمحمد (ص) مروراً بكل الأنبياء والرسل، الذين لا نفرق بين أحد منهم.

2 – الرسالة المحمدية هي الرسالة الخاتم، وأن محمداً عبد الله ونبيه ورسوله، وأن لا نبي ولا رسول بعده (ص).

3 – الرسالة المحمدية رسالة إلى كل أهل الأرض قاطبة في البر والبحر والسهل والجبل والغابات والصحارى، أبيضهم وأسمرهم وأسودهم وأحمرهم و أشقرهم وأصفرهم.

4 – الرسالة المحمدية رسالة لكل الأقوام على ظهر هذه البسيطة من عرب وعجم وترك وكرد وروم وصقالبة، و ليست خاصة بقوم دون قوم، ولا بأهل لسان أو عرق، دون لسان آخر أو عرق آخر.

5 – الرسالة المحمدية، باعتبارها الخاتم، رسالة لكل زمان يلي نزولها، إلى أن تقوم الساعة، وليست خاصة بأهل القرن السابع حصراً، أو بغيره من القرون الأخرى.

وإيماناتنا هذه ترتكز أساساً على إيماننا حقاً وفعلاً بكل آيات التنزيل الحكيم، وبما جاء به الرسول (ص) عن ربه. يقول تعالى:

{ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (الاحزاب40).

ويقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 10). ويأمر تعالى رسوله أن يقول للناس {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا…} (الأعراف 158).

أفلا يحق لنا إنطلاقاً من هذه الإيمانات أن نسأل: أين مصداقية هذه الرسالة، لا في مكة ويثرب فقط، بل في طوكيو وباريس ومونتريال، وليس في القرن السابع فقط، بل في القرن العاشر والقرن العشرين والقرن التسعين؟

ألا يحق لنا أن نسأل: هل ما نسمعه في الإذاعات، ونراه على الشاشات ونقرؤه في الكتب والصحف والخطابات، هو الإسلام في كينونته الذاتية. أم هو الإسلام التاريخي، الذي ساهمت في تكوينه فترات زمانية سابقة، فانطبع بطابعها الاجتماعي تارة والسياسي تارة والمذهبي تارات أخرى؟

فإن قيل (وما اكثر من يقولون هذا) إن الإسلام شيء، وما نراه ونسمعه شيء آخر، أو إن قيل إن الإسلام شيء، والمسلمون شيء آخر، فهذا يعني عندنا أمر واحداً، هو أن الإسلام دين نظري يعيش في فراغ، ويتجسد فقط على صفحات الكتب، كتب القرون الذهبية الأولى، وكتب التفسير والصحاح والمسانيد والسنن، رغم ما فيها من اختلافات وخلافات، وما فيها من غوامض وإشكالات.

أين مصداقية الرسالة المحمدية؟ وأين هو الإسلام الذي نزل وحياً على قلب رسول الله (ص) منذ أربعة عشر قرناً؟ وأين نجده الآن؟”.

الجواب على هذه الأسئلة مشكلة كبيرة جداً، والتصدي لها مشكلة أكبر. فإن قلنا (كما يقولون) إن الإسلام هو واقع المسلمين (الأمة المؤمنة بالرسالة المحمدية)، صدمنا هذا الواقع، إذ لن تجد على ظهر هذه البسيطة أمة مهانة متخلفة كهذه الأمة، واقعها خير مثال للوجه النقيض الآخر لقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ…} (آل عمران 110).

وإن قلنا ابحثوا عن الإسلام في العالم كله، ابحثوا عن مثله العليا وعن أخلاقه عند جميع أمم الأرض. قامت الدنيا ولم تقعد. إذ كيف نبحث عن الإسلام عند أمم لا تؤمن أصلاً بأن محمداً رسول الله.

وإذا كان الأمر لا هذا ولا ذاك.. فأين نبحث إذن، وكيف نبحث؟ في الأزهر والزيتونة والنجف الأشرف.. أم في مكة وقم وبغداد والقدس؟ وهل نبحث عن الإسلام بعيون الشافعي ومالك والصادق.. أم بعيوننا نحن اليوم؟ وهل نتلمس الإسلام في الكتب أم في الواقع؟ فإن قلنا في الواقع، ففي أي واقع نعني؟ واقع القرن السابع الميلادي، أم واقع القرن العشرين؟

حتى حين نصل أخيراً إلى القول بأن البحث يجب أن يبدأ وأن ينطلق في ضوء فهم كتاب الله وتنزيله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ترانا أمام إشكاليات جديدة، وأمام أسئلة جديدة، وأمام حواجز جديدة تمنعنا من محاولة البحث عن الإسلام في آيات التنزيل الحكيم.

للحق نقول إن الجميع يؤمن كما نؤمن نحن بالمقولات التي سبق تفصيلها، ويعتقد بصدق قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107) وبصدق رسوله وهو يبين للناس أنه رسول الله إليهم جميعاً. ويصدق بأن الرسالة المحمدية هي الخاتم الصالحة لكل زمان ومكان إلى أن تقوم الساعة. ومع ذلك لا يجيزون أي قول لم يقله السلف، ولا يسمحون بأي فهم لكتاب الله خارج عما فهمه الطبري وابن كثير والسيوطي، ولا يقرون بأي رأي أو اجتهاد لم يرد في كتب التراث.

إنهم نظرياً يؤمنون بصدق قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ …} (آل عمران 110) لا بل يؤمنون بمنتهى الدقة بشمولية فعل كنتم للماضي والحاضر والمستقبل، لكنهم عملياً يطبقون قوله تعالى، كما لو أن فعل كنتم يشمل الماضي فقط، وأن خير أمة أخرجت للناس هي أمة القرون الذهبية الأولى، وليس لأمة بعدها أن ترى أو أن تفهم أو أن تجتهد وتحلل.

إنهم يمضون إلى أبعد من ذلك، فيكفرون التطور والمتطورين، ويطالبون لتحقيق صلاحية الرسالة، بإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، وبعودة الناس في القرن العشرين – ولو بالقوة – إلى صورتهم التي كانوا عليها في القرن السابع والثامن. ناسين أن سيرورة التاريخ متطورة لا تتوقف، فما بالهم بإعادتها إلى الخلف، وهذا من سنن الله تعالى الكونية ولن تجد لسنة الله تحويلا.

لقد قلنا إن الإجابة على ما طرحناه من أسئلة مشكلة كبيرة جداً، وإن التصدي لها مشكلة أكبر. والتصدي لا يكون إلا بعد وضع اليد على مفاتيح هذه المشكلة. ولعل أبرز هذه المفاتيح هو مسألة الكينونة والسيرورة والصيرورة.

اترك تعليقاً