الفصل الثاني: الشهادة والشهيد

1 – تمهيد

(جاء / أتى / نظر / أبصر / رأى / شهد)

لقد استوقفنا ورود فعل جاء، مع مشتقاته، 278 مرة، واستوقفنا ورود فعل أتى، مع مشتقاته، 549 مرة في التنزيل الحكيم. أي في أكثر من 13% من آياته.

ورأينا أن فهمهما يعني فهم 828 آية من آيات التنزيل الحكيم، وسألنا أنفسنا: لماذا يستعمل تعالى فعل جاء في آية كقوله: {فلما جاء آل لوط المرسلين * قال إنكم قوم منكرون * قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون} الحجر 61-63، ثم يستعمل فعل أتى في آية أخرى كقوله: {هل أتى على الإنسان حين ن الدهر لم يكن شيئاً مذكورا} الإنسان 1.

ثم ذهبنا إلى أكثر من ذلك، فسألنا أنفسنا: لماذا يستعمل سبحانه فعل جاء وأتى في آية واحدة كقوله: {يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سوياً} مريم 43. أو في آيتين متتاليتين كقوله تعالى: {قال أو لو جئتك بشيء مبين * قال فأت به إن كنت من الصادقين} الشعراء 30، 31.

ولماذا لم نجد فيما بين أيدينا من معاجم، قديمها وحديثها، ما يهدينا إلى بغيتنا، ولما كنا نرى أن القول بترادف الفعلين يصرفنا عن التفريق الدقيق بينهما في المعنى، ويبعدنا عن الفهم الدقيق للتنزيل قرآناً وأحكاماً، فقد استعنا بالله، ورتلنا آيات التنزيل التي ورد فيها الفعل جاء، أو أحد مشتقاته، وآيات التنزيل التي ورد فيها الفعل أتى، أو أحد مشتقاته، فاتضح أمامنا ما يلي:

1 – يعبر الفعلان كلاهما، عن حالة بين متكلم ومخاطب. يكون الله سبحانه هو المتكلم أحياناً، والمخاطب غيره، كقوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم} الحجر 87. والمخاطب هنا هو محمد (ص)، وقوله تعالى: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه..} النحل 1. والمخاطب هنا هو الناس. أو يكون المتكلم طرفاً آخر غير الله، والمخاطب غيره أيضاً.

كقوله تعالى: {فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين} النمل 22. والمتكلم هنا هو الهدهد، أما المخاطب فسليمان (ع)، أو يكون المتكلم طرفاً النمل 22. والمتكلم هنا هو الهدهد، أما المخاطب فسليمان (ع)، أو يكون المتكلم طرفاً غير الله والمخاطب هو سبحانه، كقوله تعالى: {.. فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق} البقرة 200.

2 – لكل من الفعلين دائرة يستعمل الفعل ضمنها، وتتحدد هذه الدائرة، أولاً، بتعيين الطرف المتكلم والطرف المخاطب. وتتحدد ثانياً، بكون المتكلم والمخاطب من دائرة واحدة، أو من دائرتين مختلفتين.

وسواء أكان المتكلم هو الله والمخاطب غيره، أم كان المتكلم غير الله والمخاطب أيضاً غيره، أم كان المتكلم غير الله والمخاطب هو الله سبحانه، فالعبرة بالدائرة التي تأتي أو تجيء منها المعلومات. وانظر إلى قوله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} النصر 1،2. ترى أن المتكلم هو الله سبحانه، وأن المخاطب هو ورسوله الكريم، وأن الذي جاء هو النصر.

لكن النصر أمر من خارج دائرة المخاطب، بل هو من دائرة المتكلم، بدلالة قوله تعالى: {.. وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم} آل عمران 126.

وننظر إلى قوله تعالى: {.. فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين} النمل 22. فنرى أن المتكلم هو الهدهد، والمخاطب سليمان (ع)، والنبأ اليقين أمر خارج دائرة معلومات سليمان، ولهذا قال الهدهد جئتك.

أما إذا نظرنا في قوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم} الحجر 87، نجد أن المتكلم هو الله، والمخاطب هو الرسول، والسبع المثاني أمر من دائرة معارف الله، ولهذا قال تعالى آتيناك، نسبة إلى دائرة معارفه هو كمتكلم. أما حين يتكلم الله نسبة إلى دائرة معارف المخاطب، فنجده يستعمل فعل جاء كما في قوله تعالى: {فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين} يونس 76. والمتكلم هنا هو الله، والمخاطب هو الرسول، والحق وصل إلى الناس من خارج دائرة معارفهم، ولهذا قال تعالى جاءهم.

ولعل المثال التالي يوضح المقصود: فإذا كان المتكلم والمخاطب ضمن دائرة واحدة هي البيت، يقول المتكلم للمخاطب: إئتنا بخبز، وهو يتصور أن الخبز موجود في البيت، فإن أجابه المخاطب: لا خبز لدينا، قال له: فجئنا به إذن من السوق.

من هنا ننتهي إلى القول بأن الدائرة التي يحددها فعل جاء، وفعل أتى، دائرة غير ثابتة، يتم تعيينها وتحديدها بمعرفة:

أ- من هو المتكلم، وما هي دائرة معلوماته وإمكانياته.

ب- من هو المخاطب، وما هي دائرة معلوماته وإمكانياته.

جـ- موضوع الخطاب، ونسبته لدائرة المتكلم أو لدائرة المخاطب.

1 – يقول تعالى (فلما جاء آل لوط المرسلون * قال إنكم قوم منكرون * قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون * وآتيناك بالحق وإنا لصادقون} الحجر 61-

64.

لقد جاء المرسلون إلى لوط من خارج دائرته ودائرة آله، ولهذا استنكرهم، فقالوا لقد جئناك من خارج دائرتك ودوائرهم بأمر الله فيهم. وأتيناك من دائرتنا بعذاب الله، بعد أن كلفنا الله به بأمره الحق. وكان في قولهم بالآية الأخيرة تعقيب مماثل لجواب قوم لوط في قوله تعالى: {.. فما كان جواب قومه إلا أن قالوا إئتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين} العنكبوت 29.

إئتنا ← بعذاب الله ← إن كنت من الصادقين

وآتيناك ← بالحق ← وإنا لصادقون

ولا يفوتنا أن نلاحظ في قول قوم لوط “إئتنا بعذاب الله” أنهم يطلبون منه الآيتان بأمر يعرفونه في دائرتهم ليصدقوه.

2 – ويقول تعالى {واذكر في الكتاب إبراهيم، إنه كان صديقاً نبيا * إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً * يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سويا} مريم 41، 42، 43. ونفهم أن إبراهيم يوحى إليه كصديق وكنبي، وأن الوحي جاءه بمعلومات من خارج دائرته، ونفهم أن المتكلم هو إبراهيم وأن المخاطب هو أبوه، كما نفهم أن إبراهيم وأباه من دائرة واحدة، وأن الوحي جاء من دائرة أخرى هي دائرة الله، وهذا سبب قول إبراهيم {قد جاءني من العلم}.

ونفهم أخيراً أنه لو كان أبو إبراهيم صديقاً ونبياً كابنه، أي يصدق بوجود إله معبود، لأكمل إبراهيم كلامه قائلاً (ما لم يجئك). لكن أبا إبراهيم هنا يحصر نفسه في دائرة ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني، ولهذا قال إبراهيم {ما لم يأتك} مشيراً إلى أن الذي جاءه، إنما جاء من خارج دائرة إبراهيم وأبيه من جهة، ومن خارج دائرة إيمان أبي إبراهيم وتصديقه من جهة أخرى.

3 – ويقول تعالى:

  • {وإذا نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين} الشعراء 10.
  • {قوم فرعون، ألا يتقون} الشعراء 11.
  • {فائتيا فرعون فقولا إن رسول رب العالمين} الشعراء 16.
  • {قال أولو جئتك بشيء مبين} الشعراء 30.
  • {قال فأت به إن كنت من الصادقين} الشعراء 31.

ونفهم من الآية الأولى أن القوم الظالمين (قوم فرعون كما تحددهم الآية الثانية) معروفون عند موسى ومن دائرته، ولهذا قال تعالى {إئت}. ولما سأل موسى ربه أن يشد أزره بأخيه هارون وأجابه ربه لما سأل، نفهم مرة أخرى أن فرعون معروف عند موسى وهارون ومن دائرتهما، ولهذا قال تعالى {فأتيا}.

أما عندما ذهب موسى إلى فرعون حاملاً معه آيتين هما العصا واليد، وقال له {أولو جئتك بشيء مبين} فذلك لأن الآيات جاءت إلى موسى من دائرة الله، أي من خارج دائرة موسى وفرعون معاً. إلا أن فرعون الذي لا يؤمن أساساً بوجود الله، تماماً كأبي إبراهيم، ظن أن هذا الشيء المبين من ضمن دائرته ومعارفه، ومن ضمن دائرة موسى ومعارفه، فقال: {فأت به إن كنت من الصادقين}.

4 – وننظر في آياته تعالى:

  • {فما كان دعواهم إذا جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين} الأعراف 5.
  • {فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين} يونس 76.
  • {ثم بعثنا من بعده رسلاً إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات..} يونس 74.
  • {.. ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم..} يونس 74.
  • {.. ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم..} يونس 93.
  • {وما منع الناس أن يؤمنوا إذا جاءهم الهدى..} الكهف 55.
  • {فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى..} القصص 48.
  • {فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى..} القصص 36.
  • {ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات..} الروم 47.
  • {.. ولقد جاءهم من ربهم الهدى} النجم 23.
  • {ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر} القمر 4.

ويتضح لنا من هذه الآيات، بلا لبس ولا غموض، أن المتكلم هو الله، وأن المعني هم الناس، وأن الكلام يدور من زاوية نظر الناس ودائرة معارفهم، ولو كان يدور من زاوية المتكلم ودائرة معارفه لقال آتينا، كما في الآيات التالية:

  • {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل..} البقرة 87.
  • {.. وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس..} البقرة 87.
  • {.. فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً..} النساء 54.
  • {وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها..} الإسراء 59.
  • {ولقد آتينا داوود وسليمان علما..} النمل 15.

فالحق والهدى والملك والرسالات السماوية تجيء إلى الناس من خارج دائرتهم، إذا انطلقنا من زاوية الناس في تصوير الأمر، والحق والهدى والملك والرسالات السماوية يؤتيها الله الناس من ضمن دائرته، إذا انطلقنا من زاوية الله المتكلم في تصوير الأمر.

وإذا آتينا موسى الكتاب والفرقان ← وما منع الناس أن يؤمنوا إذا جاءهم الهدى

ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ← إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز

بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون ← وقل جاء الحق وزهق الباطل

وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ← فإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة

أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ← وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً

قال إني عبد الله آتاني الكتاب ← جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير

5 – وننظر في قوله تعالى:

  • {.. فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم} الأعراف 116.
  • {وجاؤوا أباهم عشاء يبكون} يوسف 16.
  • {وجاؤوا على قميصه بدم كذب..} يوسف 18.
  • {إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم..} النور 11.
  • {لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء، فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} النور 13.

فنجد أن السحرة سحروا أعين الناس واسترهبوهم، باستعمالهم معارف من خارج دائرة الناس، ولو كانت م دائرتهم ومعروفة عندهم، لما فعلت فعلها السحري فيهم، فالسحرة من وجهة نظر الناس {جاؤوا بسحر عظيم}.

ونجد أن أبناء يعقوب كانوا خارج دائرة الحياة اليومية ليعقوب ويوسف، بدليل قولهم لأبيهم {أرسله معنا غداً يرتع ويلعب}، مما يعني أن يوسف ليس ضمن دائرة حياتهم اليومية، ولهذا قال تعالى {جاؤو أباهم عشاء يبكون}.

ونجد أن الدم على القميص ليس من دائرة دم يوسف، أي أنه (دم كذب) ولهذا قال تعالى {وجاؤوا على قميصه}.

أما قوله تعالى: {إن الذين جاؤوا بالإفك} فيعني أن أصحاب الإفك لم يكونوا ن حاضري الحادثة ومن شهودها، وأن الحادثة وقعت خارج دائرة معارفهم، ولهذا فهو تعالى يطالبهم بأن (يجيئوا) على إفكهم بأربعة شهداء، ولما لم يستطيعوا أن يأتوا بشهداء للحادثة من دائرة معارفهم، فقد حق عليهم الوصف بالكذب. ونفهم أن المطالبة هنا هي مطالبة بشهداء رأوا الحادثة حقاً، لا تخمينا واتهاما.

6 – ونقرأ قوله تعالى:

  • {قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين} يوسف 73.
  • {.. قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة..} يوسف 88.

وواضح من الآيات أن إخوة يوسف انتقلوا من دائرة البدو إلى دائرة الحضر، فكان طبيعياً أن يقولوا عندما اتهموا بالسرقة {ما جئنا لنفسد في الأرض}. وواضح أيضاً أن البضاعة الرديئة غير المرغوبة التي أحضروها، هي من دائرتهم الأولى التي كانوا فيها، ومن الطبيعي أن يقولوا {وجئنا ببضاعة مزجاة}.

7 – ونتأمل قوله تعالى:

  • {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} الفرقان 33.
  • {قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا، فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} الأعراف 70.
  • {قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم..} الأعراف 129.
  • {قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين} الأعراف 106.

نرى في هذه الآيات ورود فعلي جاء وأتى في آية واحدة. ونجد في الأولى أن المتكلم هو الله، والمخاطب هو محمد (ص) والحديث يدور عن الذين كفروا. ونجد أن محمد (ص) هو وحده النبي الذي يوحى إليه، وأن قومه حين يوردون له الأمثال، وهم لا يوحى إليهم، فهم إنما {يأتون} بها من دائرة معلوماتهم. ولهذا قال تعالى {ولا يأتونك}. ولما كان ما ينزل على محمد (ص) من الحق، هو من خارج دائرة معلوماته، فإن الطبيعي أن يقول تعالى {إلا جئناك}.

أما في الأعراف 70، فالحوار بين هود (ع) وقومه. ونجدهم يسألونه مستنكرين {أجئتنا} بما ليس معروفاً عندنا، ولا يدخل في دائرة معارفنا من عبادة الله وحده؟ إن كنت صادقاً {فأتنا} بما تزعم من العذاب الذي نعرفه، وتعرضت له قبلنا أمم سمعنا بها. ويتضح جلياً أن فعلي جاء وأتى نزلاً في مكانهما بالضبط.

وأما في الأعراف 106، 129. فالحوار بين موسى (ع) وقومه. فالقوم يطلبون من موسى، إذ كان قد أحضر لهم آية لا يعرفونها وليست من دائرتهم، أن يأتيهم بها ضمن معارفهم ودائرتهم، والقصد هنا هو العصا واليد في قوله تعالى: {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده فإذ هي بيضاء للناظرين} الأعراف 107، 108. ثم يتابعون القول لموسى: لقد لحقنا الأذى قبل أن تدخل دائرتنا وتعيش حياتنا اليومية، اسرائيلياً مثلنا هارباً من جريمة قتل ارتكبتها، ثم لحقنا الأذى بعد أن جئتنا بما جئتنا به، مما لم يكن لنا به عهد ولا معرفة. ونلاحظ كيف تتغير الدائرة مع فعلي جاء وأتى، بحسب السياق، وبحسب المتكلم، وبحسب المخاطب.

8 – ونقف عند قوله تعالى:

  • {إذا جاء نصر الله والفتح} النصر 1.
  • {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا، ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين} الأنعام 34.

ونجد أنفسنا هنا أيضاً، إما أمام الانطلاق من زاوية المتكلم ودائرة معارفه، ويكون الله هو المتكلم، فينسجم مع هذه الحالة فعل أتى. أو أمام الانطلاق من زاوية المخاطب، وينسجم مع هذه الحالة فعل جاء:

9 – كما نقف عند قوله تعالى:

  • {آتوني زبر الحديد، حتى إذا ساوى بين الصدفين قالوا انفخوا، حتى إذا جعله ناراً قال آتوني أفرغ عليه فطرا} الكهف 96.

لنجد أن فعل أتى يرد مرتين في الآية. فذو القرنين يطلب من قومه أن يؤتوه بقطع الحديد الضخمة، وأن يؤتوه بالنحاس والحديد الذائب ليصبه عليه. ونفهم أن الحديد بشكليه الجامد والمصهور معروف عند القوم، وداخل ضمن دائرة معارفهم.

10 – وعند قوله تعالى:

  • {قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} الإسراء 88.
  • {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله..} البقرة 23.
  • {أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون * فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} 33، 34.
  • {أم يقولون افتراه، قل فأتوا بسورة مثله..} يونس 38.
  • {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله..} يونس 39.
  • {أم يقولون افتراه، قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات..} هود 13.

ونجد أن المتكلم في الآيات هو الله، وأن المخاطب هو محمد (ص)، وأن الحديث يدور عن التنزيل الحكيم، ونفهم الموضوع بالبساطة التالية:

يقول المكذبون إن محمداً (ص) أتى بآيات من عنده، ويقول الرسول الأعظم إنه جاء بها وحيا من الله، ويقول المكذبون إن محمداً (ص) افترى التنزيل، فهو من تأليفه ومن دائرة معارفه، ويقول الرسول الأعظم إنه ليس أكثر من رسول مبلغ، يؤدي إليهم ما جاءه من دائرة معارف ربه، مما لا علم له به من قبل. ويحسم الحق تعالى الموضوع قائلاً للمكذبين:

أ – إن كنتم في ريب من دعواه، وتزعمون أنه أتى بالتنزيل من عنده، فأتوا أنتم بسورة مثله تفترونها من عندكم، كما فعل هو بزعمكم.

ب – لكنكم لن تستطيعوا الاتيان بمثله ولو استعنتم بالجنس البشري كله، يدعمه جنس الجن كله.

ج – لسبب منطقي بسيط، هو أن هذا التنزيل جاء من دائرة الله، ولم يأت من دائرة البشر، ولأن فيه أموراً لم تحيطوا بها علماً، ولم تنته إلى دائرة معارفكم تأويلا.

11 – وننتقل إلى قوله تعالى:

  • {وهل آتاك حديث موسى} طه 9.
  • {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} ص21.
  • {هل آتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين} الذاريات 24.
  • {هل أتاك حديث الجنود} البروج 17.
  • {هل أتاك حديث الغاشية} الغاشية 1.

لنجد أن الله يسأل رسوله الكريم سؤال العارف، هل هذه الأحاديث والأخبار من ضمن دائرة معارفك قبل أ نذكرها لك هنا؟

12 – ونأخذ قوله تعالى:

  • {.. أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً، إن الله على كل شيء قدير} البقرة 148.
  • {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين، وكان الله على ذلك قديرا} النساء 133.
  • {.. إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جدد * وما ذلك على الله بعزيز} إبراهيم 19، 20.
  • {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز} فاطر 16، 17.
  • {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله، إن الله لطيف خبير} لقمان 16.

لنجد أن الحديث في الآيات يدور حول قدرة الله وعزته ولطفه وخبرته، ولما كانت كل الموجودات من داخل دائرة هذه القدرة العزيز اللطيفة الخبيرة، فقد ورد فعل أتى للتعبير عن ذلك.

أما قوله تعالى:

  • {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة، قل بلى وربي لتأتينكم..} سبأ 3.
  • {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك، يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها..} الأنعام 158.
  • – أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون} يوسف 107.
  • {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين} الأنعام 4.
  • {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لاتأتيهم..} الأعراف 163.

ففيه عرض للمواضيع التي يشك بها الكافرون ويكذبها الفاسقون كالساعة والملائكة واليوم الآخر، لأنها ليست ضمن دائرة معارفهم، رغم أن دلائلها وبيناتها واضحة في الآيات التي يعرضون عنها، وفيه تأكيد على أن هذه المواضيع ستدخل دائرة وعيهم ومعارفهم حين تصبح واقعاً قائماً أمام أعينهم.

  • {.. ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلوة وآتى الزكاة..} البقرة 177.
  • {وأقيموا الصلوة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين} البقرة 43.
  • {.. والمقيمين الصلوة، والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجراً عظيما} النساء 162.
  • {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلوة وإيتاء الزكاة، وكانوا لنا عابدين} الأنبياء 73.
  • {.. ويقيمون الصلوة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله..} التوبة 71.

فهو عن الصدقات والزكاة، التي لا يصح نصابها ولا يقع التكليف بها إلا إذا توفر المال في دائرة المكلف ومتناوله، لهذا قال تعالى إن المؤمن هو الذي يأتي ويؤتي الزكاة، ولم يقل يجيء بها، فالمرء يأتي بالشيء من دائرته، ويجيء به من دائرة أخرى. والذي يدفع المال يجب أن يحوزه أولاً ويملكه، ويؤكد قولنا أن التنزيل الحكيم لا يستعمل في مواضيع الصدقات والزكاة سوى فعل أتى.

تماماً كما يستعمل سبحانه فعل أتى في معرض الحديث عن الفاحشة، وانظر قوله تعالى:

  • {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم..} النساء 15.
  • {.. إلا أن يأتين بفاحشة مبينة..} النساء 19.
  • {.. فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات..} النساء 25.
  • {.. أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} الأعراف 80.
  • {ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون} النمل 54.

فالفاحشة تأتي من عند الإنسان ودائرته ولا تجيء من دائرة أخرى.

ونقف أخيراً عند قوله تعالى:

  • {وجاء ربك والملك صفاً صفا} الفجر 22.
  • {وإن من شيعته لإبراهيم * إذ جاء ربه بقلب سليم} الصافات 83، 84.
  • {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم} الشعراء 88، 89.
  • {.. إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا} طه 74.
  • {ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى} طه 75.

لقد ورد فعل جاء في الآية الأولى، للدلالة على أن (أمر ربك) من دائرة أخرى غير دائرة الملائكة الواقفين صفاً صفاً.

أما في الآية الثانية، الصافات 84، فيجدر الوقوف المتأمل، والمقارنة الدقيقة. فالسباق يتحدث عن نوح (ع) وأهله، وعن إنقاذهم وإغراق الآخرين من، ليصل في الصافات 83 إلى القول (وإن من شيعته) ونفهم أن الهاء هنا تعود على نوح، أي أن إبراهيم من شيعة نوح بالتأكيد. ثم تليها الآية 84 لتقول {إذ جاء ربه بقلب سليم}. لقد ذهب بعض المفسرين في فهم هذه الآية (الدر المنثور للسيوطي) إلى نفس المذهب الذي فهموا به آية الشعراء 89:

1 – ربه : خالقه وبارئه.

2 – سليم: بريء من الشك والريبة والوسواس.

3 – جاء: أتى.

ونحن نقول، بناء على كل ما تقدم من شواهد في الصفحات السابقة، إن العبد يمثل أمام الله ربه بقلب بريء من الشك عام بالإيمان، إما من دائرة معارف العبد، ويتوجب هنا فعل أتى، أو من دائرة معارف الله، ويتوجب هنا فعل أتى، وتؤكد آية الشعراء 89 قولنا هذا.

أما أن يجيء إبراهيم إلى الله ربه بقلب مؤمن بريء من الشك، من خارج دائرة معارفه هو، أو من خارج دائرة معارف الله، فهذا مستحيل!!

ونصل بعد التأمل إلى القول بأن:

1 – ربه: أزر الرجل الذي رباه.

2 – سليم: مملوء بالشك والريبة.

ونتذكر ونحن نرجح هذا الفهم قوله تعالى: {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك، قال معاذ الله، إنه ربي أحسن مثواي..} يوسف 23. هنا يطلق يوسف لقب (ربي) على العزيز الذي اتخذه ولداً ورباه وأكرم مثواه.

ونتذكر أيضاً الخلاف بين جمهور أهل النسب، ومنهم ابن عباس، والمفسرين ومنهم الطبري وابن كثير، في اسم والد إبراهيم.

أما المفسرون فقد اعتمدوا آزر والداً لإبراهيم، محتجين بالتنزيل الحكيم، وأما ابن عباس والنسابون فاعتمدوا تارح والداً لإبراهيم، دون أن يتكلف أي من الطرفين مشقة استقصاء هذا الخلاف، وهذا ما دعا بعض أهل الكتاب من اليهود إلى الطعن بالتنزيل الحكيم والقول بخطئه في هذه المسألة، حين اعتبر-في زعم المفسرين-أن والد إبراهيم هو آزر.

ونحن نقول، لقد وقع التضاد من الخلط بين الأب والوالد، ومن اعتبارهما شيئاً واحداً، رغم دقة التنزيل الحكيم في التفريق بينهما. فالأب قد يكون والداً وقد لا يكون، فإن لم يكن والداً كان أباً، رباً، صاحباً، مريبا. ومن هنا جاءت كنية إبراهيم (ع) أبو الضيفان، ومن هنا جاءت تسميات رب البيت ورب العمل ورب الأسرة ورب الخورنق والسدير. وإلا فمن المستحيل أن يكون إبراهيم والداً للضيفان، وأن يكون رب العمل هو إله العمل وخالقه.. وهذه إحدى كوارث الترادف(1).

أما قولنا إن القلب السليم هنا، هو المملوء بالشك، وليس البريء من الريبة، فلأن السليم من الأضداد كما عند الأنباري. والعرب تسمى الملدوغ سليماً لأنه مسلم لما به، وتسمى الصحراء المهلكة مفازة تفاؤلاً بالفوز.

نفهم مما تقدم، أن إبراهيم إذ كان من شيعة نوح المؤمنة، فقد جاء إلى أبيه آزر، بقلب فيه ما فيه من النقمة على الأصنام، وفيه ما فيه من الايمان بالواحد الأحد، الذي وصله من دائرة أخرى غير دائرة آزر وقومه، وهنا يرد فعل جاء في مكانه الصحيح ودلالته الصحيحة، وبخاصة إذا تابعنا سياق ما بعد هذه الآية، حيث نجد إبراهيم حانقاً على الأصنام وعبادتها، ينهال عليها ضرباً وتكسيراً، وهذا كله لا ينسجم مع ما فهمه المفسرون في تفسيرهم للآية 84.

ونأتي أخيراً إلى قوله تعالى في طه 74 و75، لنفهم دلالة التنزيل القطعية بأن الايمان والإجرام من دائرة خيار الإنسان واختياره، وليس من خارجها، ولا يفرضان عليه فرضاً مسبقاً، ونفهم بأن الجبرية لا مكان لها البتة في التنزيل الحكيم.(2)

ورد فعل نظر ومشتقاته 129 مرة في 115 آية من التنزيل الحكيم، تبدأ بالبقرة 50 وتنتهي بالغاشية 17. كما ورد فعل بصر ومشتقاته 148 مرة في 139 آية من التنزيل الحكيم، تبدأ بالبقرة 7 وتنتهي بالانشقاق 15. وورد فعل رأي ومشتقاته 328 مرة في التنزيل الحكيم، في 293 آية تبدأ بالبقرة 55 وتنتهي بالنصر 2. وأخيراً ورد فعل شهد ومشتقاته 160 مرة في 83 آية من التنزيل الحكيم. أي بمجموع قدره 765 مرة في 630 آية للأفعال الأربعة، ما يعادل 10% من التنزيل.

ومرة أخرى تجدنا أمام مجموعة ألفاظ، لو اعتبرناها دالات مترادفة متماثلة لمدلول واحدة، لتعذر علينا فهم قسم من آيات التنزيل وأحكامه بالدقة المطلوبة. وتصوروا معنا ونحن نعتبر أن (شهد = رأي) في قوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه..} البقرة 185. لانطبق التكليف بالصيام على اثنين أو ثلاثة فقط من الأمة، بدلالة قوله: (ص)، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. ولكن الأمر ليس كذلك.

ولقد أصاب الإمام السيوطي في دره، حين اعتبر (شهد) في الآية بمعنى (حضر). فأنت تشهد المعركة، مثلاً، بمعنى أنك تحضرها، وليس بمعنى أنك تراها، فقد تحضرها في مستودع الذخيرة، أو في خيمة لإسعاف الجرحى. وتصوروا معنا ونحن نعتبر أن (رأى = أبصر) في قوله تعالى: {.. يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى..} الصافات 102. سينطبق ذلك على {أرى} في أول الآية، أما {ترى} الثانية فهي من الرأي وليس من الرؤية، أو قل هي من الرؤية الفؤادية وليس من الرؤية البصرية. ولو كان معنى ترى في الآية بمعنى تبصر، لوجب أن يكون جواب اسماعيل: إني أراك تحمل سكيناً!!

النظر: هو عملية توجيه العين لإبصار شيء أو لرؤية حدث. فنحن ننظر لنرى ونبصر. ونقرأ بهذا المعنى قوله تعالى:

  • {وإذا فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون} البقرة 50.
  • {.. فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه، وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس، وانظر إلى العظام كيف ننشرها ثم نكسوها لحماً..} البقرة 259.
  • {.. انظروا إلى ثمرة إذا أثمر وينعه، إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} الأنعام 99.
  • {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمة ربه قال رب أرني أنظر إليك، قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني..} الأعراف 143.
  • {ومنهم من ينظر إليك، أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون} يونس 43.

وقد تدخل تاء الجهد على فعل نظر، فيصبح انتظر، وهو النظر المديد الطويل في ترقب رؤية الشيء وإبصار الحدث. وبهذا المعنى نقرأ قوله تعالى:

  • {فهل ينظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم، قبل فانتظروا إني معكم من المنتظرين} يونس 102.
  • {ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه، فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين} يونس 102.
  • {ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه، فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين} يونس 20.
  • {وانتظروا إنا منتظرون} هود 122.

وقد تدخل ألف التعدية على نظر، فيصبح أنظر، بمعنى أمهل وأجل. ونقرأ بهذا المعنى قوله تعالى:

  • {وإن كان كذو عسرة فنظرة إلى ميسرة..} البقرة 280.
  • {خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} آل عمران 88.
  • {قال أنظرني إلى يوم يبعثون * قال إنك من المنظرين} الأعراف 14، 15.
  • {بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون} الأنبياء 40.

أما البصر، فعملية الرؤية ذاتها في حاسة الابصار وهي العين. تماماً كما أن حاسة السمع في الأذن. ونقرأ قوله تعالى:

  • {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة..} البقرة 7.
  • {.. قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون} الأنعام 50.
  • {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير} الأنعام 103.

وقد لا يقتصر الابصار على الجانب المادي للرؤية، فينسحب جوازاً على الإدراك الراسخ والوعي المحقق الذي لا يقل عن الابصار المادي. ومن هنا جاءت البصيرة والتبصرة، أو لينسحب جوازاً على ما هو واضح جلي كالصورة في العين، كما في قوله تعالى:

  • {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} ق 8.
  • {لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} ق 22.
  • {بل الإنسان على نفسه بصيرة} القيامة 14.
  • {هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون} الجاثية 20.
  • {الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً..} غافر 61.
  • {فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين} النمل 13.

وأما الرؤية في فعل رأى، فهي ما ينتج عن عمليتي النظر والبصر. ولكن لما كان النظر والبصر مادياً حقيقياً من جانب، مجازياً معنوياً من جانب، فقد جاءت الرؤية ذات وجهين: عينية، وفؤادية. ونلاحظ أن الرؤية العينية تقتضي وجود الناظر المبصر خارج الشيء أو الحدث المرئي، أما الرؤية الفؤادية فتستوجب وجوده داخله. فأما في الرؤية العينية، فنقرأ قوله تعالى:

  • {وإذا قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة..} البقرة 55.
  • {قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولينك قبلة ترضاها..} البقرة 144.
  • {وإذا قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى..} البقرة 260.
  • {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} آل عمران 143.
  • {فلما جن عليه الليل رأى كوكباً، قال هذا ربي..} الأنعام 76.

وأما في الرؤية الفؤادية فنقرأ قوله تعالى:

  • {وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه، قد شغفها حباً، إنا لنراها في ضلال مبين} يوسف 30.
  • {ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض..} الحج 18.
  • {وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها..} النمل 93.
  • {ما كذب الفؤاد ما رأى} النجم 11.
  • {.. ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم..} الأنعام 93.

وقد تجتمع الرؤية العينية والرؤية الفؤادية في آية واحدة كما في قوله تعالى:

  • {.. ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعاً..} البقرة 165.
  • {ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من قرن..} الأنعام 6.
  • {ثم لترونها عين اليقين} التكاثر 7.
  • {حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصراً وأقل عددا} الجن 24.
  • {الذي خلق سبع سموات طباقاً، ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت..} الملك 3.

“انتهى الاقتباس”

2 – الشهيد والشهادة الحضورية

كان يجب أن نختم قولنا السابق بفعل شهد، وكان يجب أن نقارن بينه وبين نظر وأبصر ورأى، لكننا رأينا أن ندخل في مقصدنا، تحاشياً للإطالة ولتكرار الشواهد من الآيات. والمقصد الذي نقف أمامه، هو قوله تعالى:

{وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون * وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً، حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا، قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين * قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها، فبئس مثوى المتكبرين * وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً، حتى جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} الزمر 69-73.

ونلخص التسلسل الوارد في الآيات أعلاه، ونحدد العناصر فيها، لنستخلص بعد ذلك معنى مصطلح الشهداء الوارد في الآية 69.

  1. أشرقت الأرض بنور ربها.
  2. وضع الكتاب
  3. وضع الكتاب جيء بالنبيين والشهداء.
  4. قضي بينهم بالحق.
  5. وفيت كل نفس ما عملت.
  6. سيق الذين كفروا إلى جهنم.
  7. سيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة.

لنتوسع في هذه العناصر:

  1. أضاءت الأرض بنور ربها بعد أن لفتها ظلمات الساعة والصور والصعقة.
  2. وضع كتاب الكون بأعمال مخلوقاته وأحداث تاريخه، والكتاب هنا هو الإمام المبين الذي يحفظ سجلات الأعمال والأحداث.
  3. تم إحضار النبيين والشهداء من دائرة غير الدائرة التي حشر فيها الخلق، بدلالة فعل جاء، ودمجهم الله في زمرة واحدة مختلفة عن بقية الناس، إشارة إلى أنهم لا يحشرون يوم يحشر الناس.
  4. وكان إحضار النبيين والشهداء ضرورياً لاكتمال مجلس الحكم، والقضاء بين الناس بالحق، إذ لا يستقيم قضاء بدون شهود وشهادة.
  5. ثم يأتي التسديد بعد الحساب، فتوفى كل نفس ما عملت.
  6. ويساق الكفار إلى دائرة أخرى غير دائرة مجلس الحكم، هي جهنم، بدلالة فعل {جاؤوها}.
  7. ويساق المتقون إلى دائرة ثالثة هي الجنة، بدلالة فعل {جاؤوها}.

وهنا نقف أمام عنصر هام من عناصر يوم الحساب، هو عنصر الشهادة. ومن هنا ندخل لنفهم اسم الله الشهيد، ومعنى وصفه لذاته العلية بأنه عالم الغيب والشهادة، ولنفهم أخيراً الفرق بين الشاهد والشهيد، سواء بالنسبة لله تعالى، أو بالنسبة للأنبياء والناس.

فالشهيد هو الحاضر العارف وعكسه الغائب. والمعرفة عند الشهيد، بالشيء أو بالحدث الذي شهده، معرفة حضورية سمعية بصرية. وهو يفسر أن علم الله الشهيد بكل الأشياء والأحداث، علم حضوري سمعي بصري. ولهذا نرى أن أسماء السميع البصير هي من أسمائه الحسنى.

السميع البصير ← الشهيد

ولما كان الله كامل المعرفة بكل شيء، سمعياً وبصرياً وحضورياً (دون تجسيد) فقد كان الشهيد على كل شيء دون حضور ذاتي، ودون حلول في الكون. ولذا قال سبحانه {.. يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو معكم أينما كنتم، والله بما تعملون بصير} الحديد 4.

فهو يعلم ما يحصل في الطبيعة، ويبصر الناس، لأنه معهم دون تجسيد أينما كانوا. وهذا هو تعريف الشهيد، ويقول سبحانه {ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة، إن الله بكل شيء عليم} المجادلة 7.

ومرة أخرى تشرح الآية علم الله بما يحصل في الطبيعة، وتشرح حضور الله سبحانه مع الناس أينما كانوا، ومهما بلغ عددهم، ومهما بالغوا في التستر والتخفي، وهذا هو جوهر اسم الشهيد.

لذا، فشهادة الشهيد، شهادة حضورية سمعية بصرية، وشهادة الله الشهيد كسميع بصير، ترتبط لزوماً بكمال معرفته وتمام علمه كعليم، وتربط معها عدداً من الأسماء الأخرى بوشائج واضحة، كالمحيط والخبير والقيوم.

فإذا رتلنا آيات الذكر الحكيم، التي ورد فيها فعل شهد، أو أحد مشتقاته (شاهد / شهيد / شهداء / شاهدين / شهود / أشهاد / شهادة / وغيرها..)

رأينا أن الشهادة تنقسم من حيث الطرف الذي يؤديها إلى قسمين:

  1. شهادة يؤديها شاهد.
  2. شهادة يؤديها شهيد.

والشهيد والشاهد، اسمان مفردان مختلفان في الاشتقاق من أصل واحد هو شهد. ورد جمعها عند الزمخشري وغيره: /أشهاد / شهود / شهداء. لكن اسم الشهيد إن كانت نسبته لله فلا جمع له، وإن كانت نسبته لمخلوق فجمعه شهداء وأشهاد، وقد يجمع على شهود. أما الشاهد فيجمع على شاهدين فإذا كان هناك شهداء وشاهدين معاً جمعناهم على شهود وأشهاد. ونسأل بعد هذا التنويه اللغوي: هل هناك فارق بين شهادة الشهيد وشهادة الشاهد؟ ونجيب: نعم.

1 – فشهادة الشهيد، كما أسلفنا، شهادة حضورية، وعلم الشهيد بموضع الشهادة علم حضوري، حصل عن طريق السمع والبصر. والشهيد هو العارف بالشيء أو بالحدث الذي أدى شهادته للآخرين، أو هو على الأقل مستعد لأدائها أمامهم. أي أن للشهيد، ليكون شهيداً، شرطين:

أ‌ – الحضور السمع والبصر.

ب‌ – أداء الشهادة، أو الاستعداد لأدائها حين يطلب منه ذلك.

ونجد ذلك واضحاً في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه، وليكتب بينكم كاتب بالعدل، ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله، فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً، فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل، واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا، ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله، ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا، إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها، وأشهدوا إذا تبايعتم، ولا يضار كاتب ولا شهيد، وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم، واتقوا الله، ويعلمكم الله، والله بكل شيء عليم} البقرة 282.

ونلاحظ أن الآية أطلقت اسم الشهيد على الإنسان الذي شهد البيع والعقد سمعياً وبصرياً وأدى شهادته بما شهد، ثم حظرت الأضرار به. كما نلاحظ أن الآية اشترطت دعوة {شهيدين من رجالكم} حين الحاجة، أي رجلين ممن حضروا الواقعة. ونجد فائدة في الإشارة إلى قوله تعالى: {من رجالكم} فهو سبحانه قال ذلك لأن الشهيد لا مؤنث له، فالرجل شهيد، والمرأة شهيد. ولو كان مؤنث الشهيد شهيدة لما أتبعها بقوله: {من رجالكم}، ولكان قوله هذا حشواً، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ومن هنا نتبين أن شهادة المرأة مقبولة وتعادل شهادة الرجل في كل شيء ما عدا عقود البيع فقط.

2 – أما شهادة الشاهد فهي شهادة معرفة وخبرة مكتسبة، وليست شهادة حضورية سمعية وبصرية. نقول هذا، وأمامنا قوله تعالى واضحاً مؤيداً ما ذهبنا إليه: {قال هي راودتني عن نفسي، وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين * فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن، إن كيدكن عظيم} يوسف 26، 27، 28.

نحن هنا أمام حادثة حصلت خلف أبواب مغلقة، في غرفة ليس فيها سوى يوسف وامرأة العزيز، ولم يكن ثمة من حضرها ليكون شهيداً عليها. لكن الشاهد الذي شهد من أهلها، إنما شهد من واقع خبرته بالأدلة، وبكيفية سير الأمور ومنطقية الأحداث بنتائجها. فالرجل الذي يهاجم امرأة ليعتدي عليها، يهاجمها بصدره، بحيث لو قاومته، فإن آثار مقاومتها ستنطبع على وجهه وصدره وثيابه من أمام.

أما حين تطارد المرأة رجلاً هارباً منها، وتحاول الامساك به، فستنطبع آثار ذلك على ظهره وثيابه من خلف. وكانت النتيجة أن ظهر كذب امرأة العزيز، وصدق يوسف، بدلالة الآثار. لكن هذا يدل، وبشكل قطعي لا لبس فيه، على أن الشاهد لم يكن حاضراً. وهذا هو المعنى الثاني للشهادة عندما تكون من شاهد.

فالذي يؤدي شهادة، انطلاقاً من خبرة أو دراية أو أرضية معرفية، هو شاهد وليس شهيداً. والذي شهد حضورياً رأي العين انهيار بناء، ثم أدى شهادته بما رأى فهو شهيد. أما الذي رأى البناء منهاراً، وأخذ عينات منه، وقام بتحليل وفحص المخططات والأساسات، ثم أدى شهادة على شكل تقرير فني، يشرح أسباب الانهيار الذي لم يكن حاضراً ساعة حدوثه، فهو شاهد وليس بشهيد.

وهنا ندرك أن شهادة الشهيد أقوى من شهادة الشاهد. فقد يتوفر لدينا عدد كبير من الشاهدين والخبراء، يدلون بشهادات الخبرة المعرفية، لكن يكفي شهيد واحد ليطيح بكل شهاداتهم وبكل خبراتهم، وهو ما يطلق عليه خطأ اسم شاهد النفي أو شاهد الاثبات، في حين هو شهيد وليس بشاهد. وهنا أيضاً نتبين مدى خطورة أداء الشهادة الصادقة عند الشهيد، ومدى خطورة أداء شهادة الخبرة الكاذبة عند الشاهد، ونتبين أهمية أن نفهم عائدية فعل شهد، هل هي على الشاهد أم على الشهيد.

ثمة فارق آخر بين شهادة الشاهدة وشهادة الشهيد، فالذي يقدم معلومات عن نفسه شاهد وليس بشهيد، لأنه يعرف نفسه، وليس لأنه يسمع ويبصر نفسه، فهو يصف نفسه للآخرين من خلال معرفته بها، وليس من خلال رؤيته لها، ولذا:

3- الشاهد والشاهدة المعرفية

  • يقول تعالى في معرض تعريف الآخرين على نفسه {شهد الله أن لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم} آل عمران 18.
  • ويقول تعالى {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر، أولئك حبطت أعمالهم..} التوبة 17.

هنا يعرف الله بنفسه بأنه لا إله إلا هو، لكن هذه شهادة لا شهادة شهيد، لأن الشهيد يشهد الحدث والشيء من خارجه، أما الشاهد فيشهده من داخله. وكذلك شهادة الملائكة وأولي العلم، هي شهادة شاهد وليست شهادة شهيد. بمعنى أنهم لم يروا رأي العين أنه لا إله إلا هو. وبمعنى أن لا أحد رأى الذات الإلهية، ثم قدم شهادته بما رأى حضورياً.

ونفهم بعد ذلك كله، طلب موسى مشاهدة الله حضورياً فقال: {.. ربي أرني أنظر إليك..}، لينتقل من مقام الشاهد الذي شهد الله معرفياً، إلى مقام الشهيد الذي يريد أن يرى واحدية الله حضورياً. كما نفهم بعد ذلك كله أن الله شاهد على نفسه، شهيد عليم بصير سميع محيط خبير بكل ما هو غيره. ونفهم أخيراً، أن أول مهمة من مهمات الرسل هي أن يشهدوا بأن لا إله إلا الله، شهادة معرفية لا شهادة حضورية، إذ لا أحد منهم رأى الله، ثم شهد بوحدانيته.

لقد بدأت الرسالة المحمدية بالدعوة إلى التوحيد (الشهادة بالوحدانية) وبهذا كان محمد (ص) شاهداً وليس شهيداً، بدلالة قوله: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً} الأحزاب 45. إلا أن شهادة التوحيد المعرفية هذه لم تجيء إلى محمد (ص) ليبقيها لنفسه، بل لينقلها إلى الناس مع ما ينقل من رسالات ربه، ثم ليكون شاهداً معرفياً على شهادة الناس المعرفية بوحدانية الله. وفي هذا يقول تعالى {إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا} المزمل 15. فإذا شهد الناس شهادة شاهد لا شهادة شهيد بأن لا إله إلا الله، أتبعوا ذلك بشهادة معرفية ثانية، هي أن محمداً رسول الله، أي:

ولهذا، فنحن شاهدون بأن لا إله إلا الله شهادة شاهد معرفية، لأننا لم نر ونسمع ونحضر واحدية الله ووحدانيته، وشاهدون بأن محمداً رسول الله شهادة شاهد معرفية، لأننا لم نحضر قرار الله ببعث محمد رسولاً.

لقد كان طلب الشهادة بوحدانية الله من الناس، هو القاسم المشترك بين الأنبياء والرسل جميعاً، بدلالة قوله تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئاً..} الأنعام 151. وقوله تعالى: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} الزمر 65.

لقد قلنا إن الذين آمنوا بوحدانية الله وشهدوا بها، وآمنوا برسالة محمد (ص) وشهدوا بها، هم مع الشاهدين وليس مع الشهداء. ولهذا، فنحن نستغرب أن يفسر الامام السيوطي في الدر المنثور قوله تعالى: {.. جيء بالنبيين والشهداء..} بقوله: أي بمحمد وأمته يشهدون للرسل بالبلاغ !! يقول هذا وأمامه قوله تعالى:

  • {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين} آل عمران 53.
  • {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض بالدمع مما عرفوا من الحق، يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} المائدة 83.
  • {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر..} التوبة 17.
  • {.. قال أقررتم وأخذتم على ذلكم إصري، قالوا أقررنا، قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} آل عمران 113.
  • {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين} القصص 44.
  • {قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين} الأنبياء 56.

فشهادة الشاهدين (ج شاهد) في الآيات كلها شهادة معرفية وليس شهادة شهيد حضورية، و (الشاهدين) في الآيات كلها ليسوا الشهداء، والشهداء في الزمر 69 ليسوا الشاهدين.

لقد قلنا إن الشاهد يجمع على شاهدين وشهود، وسبق لنا أن قلنا(3): إن البنين والبنون جاءت من الأبنية وليس من الأبناء. وقد يقول قائل: فإن قوله تعالى: {وجعلت له مالاً ممدوداً * وبنين شهودا} المدثر 12، 13 ينقض ما قلت في كتابك. أجبنا، قد يقوم البناء شاهداً على مجد أو حضارة، فتكون الأبنية في هذه الحالة شهوداً. وتوهم التناقض جاء من اعتبار أن الشاهد والشهود محصورة بالعاقل، غير أن الأشياء يمكن أن تكون شاهدة على شيء ما، وإلا فما معنى قوله تعالى: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق.

أما قوله تعالى: {قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على يفعلون بالمؤمنين شهود} البروج 4-7. فأصحاب الأخدود الجالسون حول النار يحرقون المؤمنين، شهداء لأنهم حاضرين، وشاهدين في نفس الوقت لأنهم الذين رتبوا بأنفسهم الخنادق والنيران. ومن هنا نفهم أن مصطلح الشهود في التنزيل الحكيم مصطلح خاص. فجمع شهيد شهداء، وجمع شاهد شاهدون، وجع الشاهد الشهيد هو الشهود.


ويوضح ذلك ويؤيده قوله تعالى: {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن أو لا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ يفيضون فيه، وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} يونس 61.

فالحديث هنا عن الكتاب المبين، أرشيف أحداث الطبيعة وأحداث التاريخ الإنساني بأدق تفاصيلها، ولهذا وردت كلمة شهود لتدل على أن الله شهيد لها وشاهد عليها في الوقت نفسه، أي أن معرفته بها:

معرفة حضورية ← سميع بصير ← شهيد

معرفة إخبارية ← عليم خبير ← شاهد

وننتقل بعد ذلك إلى مصطلح قرآني آخر من أصل شهد، هو مصطلح الأشهاد، ونلاحظ أنه يرد حصراً في مقام اليوم الآخر بقوله تعالى:

  • {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأِشهاد} غافر 51.
  • {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً، أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين} هود 18.

ونرى أن الشهود هم جمع الشاهد والشهيد في الحياة الدنيا، وأن الأشهاد هم جمع الشاهد والشهيد والنبي في الآخر. أي أن:

النبيين + الشهداء + الشاهدين = الشهود في الدنيا

النبيين + الشهداء + الشاهدين = الأشهاد في الآخرة

وننظر الآن في مصطلح الشهيد، فالشهيد اسم من أسماء الله الحسنى. ولقد قلنا إن الشهيد يشهد على غيره شهادة حضورية سمعية بصرية، وهو الذي أدى، أو مستعد لأداء الشهادة عند الطلب. ومن هنا نفهم قوله تعالى:

  • {.. والله شهيد على ما تعملون} آل عمران 98.
  • {.. وأنت على كل شيء شهيد} المائدة 117.
  • {.. إن الله على كل شيء شهيد} الحج 17.
  • {.. وهو على كل شيء شهيد} سبأ 47.
  • {.. أولم يكف كبربك أنه على كل شيء شهيد} فصلت 53.

هذا بالنسبة لله كشهيد، أما الرسول كشهيد، فقد ورد في قوله تعالى:

  • {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} النساء 41.
  • {ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم، وجئنا بك شهيداً على هؤلاء، ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} النحل 89.

لقد بدأ الإسلام بنوح (ع)، وتم واكتمل بمحمد (ص)، والرسل التي جاءت إلى الأمم المختلفة، كانت حلقات في سلسلة واحدة هي الإسلام. وهؤلاء الرسل شهداء على أممهم {من أنفسهم}، ولما كان تعالى قد أخذ ميثاق النبيين (آل عمران 81) والميثاق هو التوحيد كقاسم مشترك بين النبوات والرسالات، فإن خاتم الرسل والأنبياء سيكون شهيداً يوم القيامة على كل من سبقه، لأن الأمة سلوك. ولهذا نراه تعالى يقول:

  • {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم، وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد} المائدة 117.
  • – وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته، ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا} النساء 159.

وأما بالنسبة للإنسان العادي كشهيد، فنقرأ قوله تعالى:

  • {إليه يرد علم الساعة، وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه، ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد} فصلت 47.
  • {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} ق 37.
  • {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين} القصص 44.

في الآية الأولى، يعتذر الذين أشركوا بالله، ويضعون الأمر بين يديه تعالى، إذ ليس فيهم من شهد حضورياً انفتاق البراعم عن الثمرات، ولا يعلم أي منهم ما تحمل وما تضع إناث النبات والحيوان والإنسان. ولقد تكرر القول بهذا المعنى مراراً في التنزيل الحكيم (الأنعام 143، 144 والرعد 8 ولقمان 34).

وفي الآية الثانية، يوضح لنا سبحانه الفرق بين الشاهد والشهيد، فالأمور التي عددها سباق الآية فيها ذكرى وعظة وهدى لمن كان له قلب. أي لمن له عقل وإدراك قادر على استنباط النتائج. وهذا هو الشاهد. وفيها أيضاً ذكرى وهدى لمن يستعمل حواسه فيرى ويسمع. وهذا هو الشهيد.

تأتي الآية الثالثة لتؤكد ما ذهبنا إليه في التفريق بين الشاهد والشهيد. فالخطاب موجه إلى الرسول الأعظم (ص) يرد على ما قال من المكذبين بالوحي والرسالة، إن محمداً حاضراً بجانب الجبل حين كلم موسى ربه. وتنفي أن يكون قد اجتمع لديه من المعلومات والأدلة ما يجعله شاهداً، يستنتج ذلك ويستنبطه. وهنا نفهم قول إبراهيم (ع):

  • {قال بل ربكم رب السموات و الأرض الذي فطرهن وأنا على ذلك من الشاهدين} الأنبياء 56.

فإبراهيم هنا شاهد وليس بشهيد، إذ لم يكن ثمة خلق رأى وسمع وحضر عملية انفطار السموات والأرض، لكنه استدل واهتدى بقلبه إلى أن الله رب السموات والأرض هو الذي فعل ذلك.

وننتقل الآن إلى الزنا، وإلى الشهادة على الزنا، في قوله تعالى:

  • {لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء، فإذا لم يأتوا بالشهداء، فأولئك عند الله هم الكاذبون} النور 13.
  • {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم..} النساء 15.
  • {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما، فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما، إن الله كان تواباً رحيما} النساء 16.

ونحن هنا، فيما نرى، أمام ثلاث حالات من الفاحشة: الزنا، والسحاق، واللواط. وما يهمنا منها في هذا الصدد هو موضوع الشهادة، وحدودها، وحكم الله فيها(4).

ففي الآية الأولى، يطلب سبحانه ممن يرمي الناس بالزنا، أن يأتي بأربعة شهداء، والشهداء جمع شهيد ذكوراً وإناثا. ولهذا قلنا بأن شهادة المرأة في مقام شهادة الرجل بكل شيء ما عدا عقود البيع. أي أنه تعالى أمر بأن تكون الشهادة على الزنا شهادة حضورية وليس معرفية، وحدد عدد الشهداء بأربعة.

وفي الآية الثانية، طلب سبحانه لإقامة حد السحاق، شهادة حضورية، من أربعة شهداء، الفاعل أو زوجه ليس من بينهم، بدلالة قوله: {منكم}.

أما في الآية الثالثة، فلم يطلب سبحانه شهادة حضورية إطلاقاً لفاحشة اللواط. مما نفهم منه أن إثبات (إتيانها) والقيام بها، يمكن أن يكون بشهادة شاهد واحد خبير، كالطبيب مثلاً، إذ لم تحدد الآية أي عدد للشاهدين.

وأما حين لا يتوفر الشهداء من حاضري حادثة الزنا، أي ممن رأوا وسمعوا حضورياً، فقد قال تعالى:

  • {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين * والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين} النور 6، 7.

ومرة أخرى نجد أن الحلف بالله في آية الملاعنة المذكورة، يجب أن يتكرر أربع مرات ليغطي شهادة الشهداء الأربعة المطلوبين في إثبات الزنا بآية النور 13.

ونقف، ونحن في جانب الإنسان كشهيد، عند قوله تعالى:

  • {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين، إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا، وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} النساء 135.
  • {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون} المائدة 8.

ونلاحظ لأول وهلة أن البداية والخاتمة في الآيتين واحدة:

يا أيها الذين آمنوا.. ← يا أيها الذين آمنوا….فإن الله كان بما تعملون خبيرا ←.. إن الله خبير بما تعملون

لكن الملفت للنظر أن آية النساء جعلت القوامية بالقسط مقدمة على الشهادة لله، بينما جعلت آية المائدة القوامية لله مقدمة على الشهادة بالقسط. وأول ما نفهم من الآيتين أن الشهادة والقوامية لله، وأن الذين آمنوا مأمورون بالقوامية وبالشهادة وبالقسط. وما علينا لنفهم هذا التبديل إلا أن نرجع لموضوع الآية الأولى، ولموضوع الآية الثانية.

فآية النساء تتحدث عن الشهادة على النفس والوالدين والأقربين. والإنسان ميال بطبعه إلى حب نفسه، وإلى الانحياز لوالديه وأقاربه، ولأنه كذلك، وجب أن يتقدم عنده حس العدالة والضمير على الشهادة التي يؤديها لله، والتي يجب أن تكون صادقة، يتغلب فيها الإنسان على أنانيته (حبه لنفسه) وتعصبه (انحيازه لوالديه وأقربائه). فإذا تحقق له هذا الحس بالعدل (القوامة بالقسط)، تقدم لتقديم الشهادة.

أما آية المائدة، فتتحدث عن الشهادة على أناس آخرين، لا تربطه بهم رابطة تعصب أو قرى، ولكن يوجد بينه وبينهم كره أو بغضاء تميل به إلى الجانب الآخر. فإذا وجد ذلك، وجب ألا يحمله على ألا يعدل. وهنا تأتي الشهادة الصادقة أولاً، التي يأمر بها الله، عند الإنسان المتقدم للشهادة، والذي يبتغي وجه الله بشهادته، مع غياب ما يؤثر على هذه الشهادة من تعصب وميل، أو من نفور وكره.

أي أن على الإنسان في الحالة الأولى (آية النساء) أن يكبح عواطف حب الذات والأقارب، ثم يؤدي الشهادة. وعليه في الحالة الثانية (آية المائدة) أن تؤدي الشهادة كابحاً عواطف بغض وكره الآخرين إن وجدت.

ونرى في الآيتين قمة من قمم الحضارة الانسانية، وحجر أساس في الإجراءات القضائية بالعالم المتحضر، يجب ألا يخلو منها أي دستور، لأي دولة متحضرة.

ونرى في الآيتين قمة من قمم الحضارة الإنسانية، وحجر أساس في الإجراءات القضائية بالعالم المتحضر، يجب ألا يخلو منها أي دستور، لأي دولة متحضرة.

فعندما يقرر الإنسان أداء الشهادة على نفسه، أو على والديه وأقاربه، فهذا دليل على نمو حس العدالة والصدق لديه. وعليه ألا يسأل عن النتائج، وألا يتبع الهوى، فتعرقل شفقته وهواه شهادته {إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما ولا تتبعوا الهوى}.

فإذا خاف من النتائج، فقد أعطاه الله الحق بالإعراض وعدم الشهادة، ولم يتوعده على إعراضه هذا {وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا}.

إن للإنسان مطلق الحرية بأن يشهد ضد نفسه، انطلاقاً من حس العدالة لديه، وله أن يشهد ضد والديه أو أقاربه، لكن له أيضاً أن يعرض عن ذلك ويرفضه(5).

وننتقل إلى قوله تعالى:

  • {.. أم كنتم شهداء إذ أوصاكم الله بهذا، فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين} الأنعام 144.
  • {قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرام هذا، فإن شهدوا فلا تشهد معهم، ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون} الأنعام 150.

تتحدث الآيتان عن أمر شائع في هذه الأيام، هو تحريم بعض الأشياء على الناس، ونسبته إلى الله تعالى، آخذين ذلك من كتب غير كتاب الله، ثم الحكم على الناس طبقاً لهذا التحريم، فنرسل فريقاً إلى الجنة وفريقاً إلى النار.

ونحن نرى أن الله وحده هو الأصل في التحليل والتحريم، وأنه وحده الذي يحلل ويحرم، أما الناس فيسمحون ويمنعون. ونرى أن الخلط بين العيب والحرام قد فشا، حتى أصبحنا لا نفرق بينهما. ونراه سبحانه يحذرنا في الآيتين أن نأخذ الحرام والتحريم من مصادر غير كتابه حصراً. أما سماح الناس والمجتمع بأمور، ومنعهم لأمور، حتى لو جاء هذا المنع والسماح من النبي أو الصحابة (كما يزعم البعض) فهذا لا علاقة له بالتحريم.

وعلى هذا، فنحن نفهم أن نطلب الشهادة من كل من يحرم أمراً لم يرد تحريمه في كتاب الله، وهو غير قادر عليها بدليل قوله تعالى: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم}. وهؤلاء الذين يضلون الناس بغير علم، وما أكثرهم في يومنا هذا، ويفتحون أبواب التحريم على مصراعيها بدعوى سد الذرائع حيناً، وبدعوى التقوى والحذر حيناً، وبدعوى المزاودة على الله حيناً، وينذرون من لا يطيعهم بالنار وعذاب القبر، وكأن جهنم ملك لهم، هؤلاء هم المفترون الظالمون الذين خاطبهم سبحانه بقوله:

  • {أفنجعل المسلمين كالمجرمين * مالكم كيف تحكمون * أم لكم كتاب فيه تدرسون * إن لكم فيه لما تخيرون * أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون * سلهم أيهم بذلك زعيم} القلم 35-40.

كيف نفهم فعل شهد عند وروده في التنزيل الحكيم، وكيف نميز فاعله، هل هو شاهد أم شهيد؟

إن ذلك يتم من فهم سياق الآية. فقد ورد فعل شهد ومشتقاته في آيات، نجد لدى تأملها أن فاعل الفعل يمكن أن يكون شاهداً، ويمكن أن يكون شهيداً، وكأنه يحمل المعنيين معاً. وأبرز مثال على هذا النموذج هو قوله تعالى:

  • {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه..} البقرة 185.

فمن شهد هلال رمضان، بمعنى أنه رآه مشاهدة، فهو شهيد على ولادة الشهر. ومن أخبر بذلك معتمداً على شهادة الشهيد، أو معتمداً على علم وخبرة (حسابات فلكية) فهو شاهد على ولادة الشهر. وكلا الشهيد والشاهد في هلال رمضان مقبول.

أما الإصرار على فهم ظاهر اللفظ في التكليف، والإصرار على حصر فعل شهد في الآية بحدود الدلالة الحضورية، وأما اعتبار قدرة العلوم الفلكية على معرفة لحظة ولادة الهلال، تخريصاً لا يخرج عن دائرة كذب المنجمين، وأما اعتبار القائل بكروية الأرض كافراً، فهذا جهل يتناقض مع روح التنزيل، ويتعارض مع جوهر الإسلام.

لقد نزلت الآية في زمن، كان الاحتمال الوحيد القائم فيه لإثبات ولادة هلال شهر الصوم، هو المشاهدة رأي العين. ولهذا فقد أتبع سبحانه ذلك بأحكام تضبط التكليف ضمن الأطر المعرفية لزمن النزول. فجاءت أحكام {غم عليكم} وجاءت أحكام (يوم الشك) وغيرها. لكن الدقة العلمية في مجال الفلك وصلت إلى مرحلة لا محل فيها لأن يغم علينا بضباب أو بغيره، ولا مجال معها للشك في بدء الصوم وانتهائه، ولا علاقة لها بالتخريص والتنجيم واستنطاق الرمل وطاسات الزيت.

ثمة أمر آخر، هو أننا لو طبقنا قضية المشاهدة العينية الحضورية بحرفيتها الظاهرية، لما سرى التكليف بالصوم إلا على مشاهدي الهلال حصراً، بينما نرى الرسول الأعظم قد صام رمضان بدلالة رؤية غيره له. فهو يستدل بشهادة الشهيد، ليخلص إلى أن يشهد كشاهد أن الصيام قد وجب. ويوضح لنا هذا جانباً مهماً من جوانب الموضوع، هو أن العلن شرط من شروط الشهادة. فالشهيد الذي لا يعلن عما رأى وسمع ليس بشهيد، والشاهد الذي لا يعلن ما أوصلته علومه وخبراته إليه ليس بشاهد.

مثال آخر عن فعل شهد، بمعنى الشهيد والشاهد معاً، هو في قوله تعالى:

  • {والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما} الفرقان 72.

فالشهادة هنا، شهادة شهيد حاضر، وشهادة شاهد خبير.

ومن هنا نفهم أن أسماء الله الحسنى ظهرت بعد خلق الكون، وتجلت من خلال الوجود في الآفاق والأنفس. فعندما كان الله ولا شيء معه، كان شاهداً على نفسه بالوحدانية، وشاهداً على الموجودات قبل وجودها، وشهادته هنا معرفية. أما بعد وجود الموجودات، فقد تجلت فيها الأسماء الحسنى من سميع وبصير وشهيد، فهو شهيد على كل شيء، وشهادته في الأشياء والخلق والموجودات هي شهادة حضورية، بعد أن تشيأت. ولهذا فنحن لا نجد اسم الشاهد بين أسمائه الحسنى.

نلخص من هذا كله، إلى أن الله سبحانه وتعالى شاهد منذ الأزل على احتمالات السلوك الإنساني، شهيد على الاحتمال المعين الذي اختاره الإنسان لنفسه. ومن هنا نفهم لفظة شاهدين في قوله تعالى: {وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين} الأنبياء 78.

وننتقل إلى القسم الثاني من الآيات التي ورد فيها فعل شهد، وفاعله الشهيد فقط، مثال ذلك قوله تعالى:

  • {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم.} الحج 28.

فالخطاب هنا عن الحج، أي السفر إلى بيت الله الحرام والطواف والوقوف بعرفة، وهذا لا يكون إلا حضورياً. فالذي شهد ومناسكه في التلفزيون ليس بحاج، والشهادة في {ليشهدوا} بالآية، هي شهادة شهيد وليس شهادة شاهد.

وقوله تعالى:

  • {قال فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون} الأنبياء 61.

وواضح أن الشهادة في {يشهدون} هي شهادة شهيد، بدلالة قوله تعالى: {على أعين الناس}.

وقوله تعالى:

  • {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام} البقرة 204.

والكلام هنا عن شهادة الله، وبما أن الله على كل شيء شهيد، فالشهادة في شهد شهادة شهيد هو الله.

وقوله تعالى:

  • {حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون} فصلت 20.

ولا نعتقد أن هناك شهادة أكثر حضورية من هذه المذكورة في الآية. لأنها اقترنت بالسمع والبصر والحس، فجاءت نموذجاً مثالياً لشهادة الشهيد.

أما فعل شهد، وفاعله الشاهد، فنأخذ قوله تعالى:

  • {.. وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله..} الأحقاف 10.
  • {.. وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل..} يوسف 26.

وواضح في الآيتين نصاً وصراحة أن الشهادة فيها شهادة شاهد.

وقوله تعالى:

  • {.. قالوا شهدنا على أنفسنا، وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} الأنعام 130.

والشهادة في (شهدنا) و(شهدوا) هي شهادة شاهد، لأنها شهادة على النفس بالكفر، والكفر موقف، ولأنها ليست شهادة أمام طرف آخر تمت الشهادة أمامه. فإذا عرفت على نفسك إلى الغير فأنت شاهد، وإذا شهدت على نفسك أمام الغير فأنت شهيد.

وقوله تعالى:

  • {وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري، قالوا أقررنا، قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} آل عمران 81.

واضح في الآية أن الميثاق ميثاق معرفي، وليس ميثاقاً حضورياً، ليفهمنا أ، الإسلام بدأ بنوح (ع) بمحمد (ص)، وأن الرسالة المحمدية جاءت مكملة لكل الرسالات التي قبلها، ومصدقة وخاتمة لها. وهنا يكمن أيضاً سر القصص القرآني الذي يظهر لنا بوضوح وجلاء تطور الإسلام وتراكمه من نوح (ع) إلى محمد (ص). ولما كان الميثاق معرفياً، فالشهادة معرفية، إذ لم يكن هناك أصلاً خلق وأنبياء ورسل، ولهذا قال: {فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين}. كل هذا ليبين لنا أن التطور من المملكة الحيوانية إلى الإنسانية، وأن الرقي في المعارف والتشريع، خطة مسبقة وإرادة من رب العالمين في رسم درب الحياة على شكلها هذا.

وأخيراً في قوله تعالى:

  • {أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى، قل أأنتم أعلم أم الله، ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله، وما الله بغافل عما تعملون} البقرة 140.

فالخطاب موجه في الآية إلى اليهود والنصارى الذين جاؤوا بعد موسى وعيسى (ع)، والحديث عن إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط، ممن كانوا قبل المعنيين بالخطاب. ولهذا فالشهادة في الآية هي شهادة شاهد، أولاً لقوله: {أأنتم أعلم أم الله} ثانياً لأنه أتبعها باتهامهم بكتمان المعلومات التي تفصح عن حقيقة هؤلاء المذكورين من الرسل والأنبياء.

(1) لمزيد من التفصيل انظر بحثنا في التفريق بين الأب والأم والوالد والوالدة.

(2) لقد اقتبسنا هذا البحث (اعتباراً من هذه الصفحة) من مخطوط بعنوان “في الخطاب القرآني / رؤية جديدة للمهندس عماد درويش ت1 1994، وندين له بالشكر لاذنه لنا بالاقتباس –المؤلف-.

(3) “الكتاب والقرآن / قراءة معاصرة” دار الأهالي بدمشق 1990، ص644.

(4) لمزيد من التفصيل حول تعريف الفاحشة، انظر مقالنا “أقوال في الذنب والسيئة”.

(5) ونستنتج:

  1. يجوز إرغام المتهم، أو دعوته للشهادة ضد نفسه، إلا إذا طلب هو ذلك علنا. وكل اعتراف أو أقوال تؤخذ بالقوة باطلة، وعلى الجهة المدعية تقديم البينات على دعواها، وليس الاعتراف.
  2. تنبيه المتهم إلى أن كل ما يقوله، سيؤخذ بمثابة شهادة على نفسه، وقراءة حقوقه عليه عند اعتقاله، هي من جوهر الإسلام، لأنه قد يغيب عنه ذلك أو لا يعرفه.
  3. لا يجوز إرغام أحد، أو دعوته إلى الشهادة ضد والديه وأقاربه، إلا إذا طلب هو ذلك شخصياً.
  4. عندما يتبرع الإنسان بأداء شهادة أمام محكمة في قضية هو ليس طرفاً فيها، فعليه أن يكون قواماً لله وأن يشهد بالعدل ولو كان بينه وبين المتهم عداوات سابقة. هكذا نفهم قوله تعالى: {والذين هم بشهاداتهم قائمون} المعارج 33.

بشهاداتهم ← شهداء لله + شهداء بالقسط

قائمون ← قوامون بالقسط + قوامون لله

اترك تعليقاً