الفرع الثالث: نموذج للفقه الجديد في دراسة موضوع المرأة في الإسلام

يعتبر بحث المرأة في الإسلام من أهم المواضيع حساسية، وهو من المواضيع التي بحثها عديد من مؤيدي الإسلام، ومن أعدائه ابتداء من عصر النهضة وحتى يومنا هذا. ولا أعتقد أنه تم إلى اليوم تقديم بحث أصيل حول المرأة في الإسلام انطلاقا من الجدل بين الاستقامة والحنيفية والفطرة الإنسانية التي تعتبر حدود الله هيا لعمود الفقري لهذا المنطلق.

لقد انطلق مؤديو الإسلام في بحثهم موضوع المرأة من منطلق فقهي بحت وهو أن أحكام المذاهب الفقهية الخمسة هي أحكام صحيحة ومنصفة للمرأة. بينما انطلق أعداء الإسلام من حلول لمشكلة المرأة من خارج الإسلام ويمكن أن تكون هذه الحلول إسلامية دون أن يعلموا ذلك، فوقعوا في الاغتراب حيث لا يمكن حل مشاكل المرأة العربية المعاصرة إلا من خلال فهم إسلامي أصيل للمرأة والذي ورد في الكتاب في الحدود وضمن مفهوم السنة المعاصر الذي تم شرحه في فصل سابق.

إن الأخطاء الأساسية التي ارتكبت في الحقبة التاريخية السابقة عند تقييم وضع المرأة، والتي تعتبر أخطاء فيصلب المنهج، هي التالية:

1 – عدم التفريق بين الآيات التي وردت بحق المرأة في أم الكتاب والت يعتبر جزء منها حدودا والجزء الآخر تعليمات مثل آية تعدد الزوجات، فهي من الحدود، وآية لباس المرأة أيضا في الآية 31 من سورة النور هي من الحدود أيضا. أما الآية رقم 59 من سورة الأحزاب فهي م التعليمات. وكذلك لم يتم التفريق في الأحاديث النبوية بين أحاديث الحدود وأحاديث التعليمات. إننا لا نستطيع أن نلوم السلف على عدم فهمهم للحدود هذا الفهم المعاصر إذ أن المفهوم الرياضي للحدود ظهر منذ إسحاق نيوتن وبعد ذلك قفزت كل العلوم هذه القفزات الهائلة إذ أعطاها التحليل الرياضي والحدود “النهايات” الليلة التي تم بموجبها تحليل ظواهر الطبيعة حيث أنه تبين أن ظواهر الطبيعة تخضع لحدود “نهايات”.

وقد أكد الكتاب ذلك بأن فهم الحدود يحتاج إلى إنسان متحضر بعيد عن البداوة بقوله: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم} (التوبة 97). لذا بعد فهم نظرية الحدود ومطابقتها على أنها في المستقيم والحنيف معا ومطابقة لظواهر الطبيعة ولفطرة الإنسان فإننا نستطيع أن نقيم وضع المرأة تقييما معاصرا متحضرا انطلاقا من الكتاب والسنة.

2 – الظن بأن ما حصل أثناء حياة النبي في حق المرأة هو كامل تحريرها أي أن تحرير المرأة بدأ منذ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وانتهى بوفاته، فإذا لم تعمل المرأة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قاضية أو لم تستلم منصبا سياسيا فهذا يعني أنه ممنوع عليها ذلك، علما بأن وضع تحرير المرأة في الإسلام كوضع الرق تماما فالإسلام في أمور كهذه لا يسمح بقفزات فجائية “حرق مراحل” لأنها تؤدي إلى تدمير المجتمع، ولكنه وضع لها أسسا في الكتاب لكي تحل هذه الأمور مع سياق الزم التاريخي. وقد كان الرق أوضح مثال على ذلك. فالعلاقات الإنتاجية كانت تقوم على الرق حيث كانت اليد المنتجة هي الرقيق وهي وسيلة الإنتاج.

وقد وضع الإسلام أسس التحرير وبدأ بداية موضوعية حسب ما تسمح به الظروف دون أن يدمر العلاقات الإنتاجية، وقد برهن القرن التاسع عشر على صدق هذه الأطروحة. فقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم عام 632م، وأصدر الرئيس الأمريكي لنكولن قرارا بإلغاء الرق في أمريكا عام 1860 أي بعد 1228 سنة من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك فقد أدى هذا القرار إلى حرب أهلية دمرت أمريكا وكادت أن تقسمها إلى عدة دول. وقد أظهر القرن العشرين بينات أقوى من ذلك وهي أنه إذا أرادت سوريا الآن أن تحول جذريا وفورا قوى الإنتاج إلى الإنسان الآلي “الروبوت” وإلى الحاسوب الإلكتروني “كمبيوتر” فإن نتيجة هذا القرار هو التدمير الكامل للإنتاج والاقتصاد السوري وبالتالي تدمير المجتمع.

من هذا المنطلق يجب أن ننظر إلى وضع المرأة في الإسلام، فقد أخذت المرأة كل الحقوق التي يمكن أن تأخذها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مثل الإرث على أساس نصف الرجل لأنها غير منتجة، ولكن أعطاها الإسلام الحق السياسي من أول يوم للدعوة، فأول إنسان قتل في سبيل الإسلام هو امرأة (سمية) وقد حضرت النساء بيعتي العقبة الأولى والثانية حيث أن هاتين البيعتين تعتبران بمثابة المؤتمر التأسيسي لقيام الدولة الإسلامية في يثرب.

فكيف يمكن أن نقول إن الإسلام سمح للمرأة بأن تناضل وتقتل وتهاجر ولم يقل لها التزمي بيتك فوظيفتك هي إنجاب وتربية الأولاد والعناية بالبيت – وبنفس الوقت في الأمور الأقل صعوبة عند قيام الدولة والمناصب المسؤولة ومجالس التشريع تذكر واجباتها أما ومربية أطفال – قد يقول قائل: إن هذا لم يحصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. الجواب: إن المجتمع الذي أقامه النبي صلى الله عليه وسلم هو المجتمع الأول للإسلام (الثمرة الأولى) وليس الوحيد وليس الأخير حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم تصرف ضمن حدود الله ووضع تعاريفا في بعض الأمور التي جاءت فيها حدود من الله ووضع تعريفا في أمور خرى تتناسب مع مجتمعه الذي عاش فيه وتصرف من خلاله، لأن ظروف التطور التاريخي لعرب آنذاك لم تكن تسمح أصلا بقيام مجالس تشريعية ولا تسمح بأن تتقلد المرأة منصب إمام أو قائد.

وفي الأمور التي تجرأت فيها المرأة وخاضت معارك بنفسها كحالة خولة بنت الأزور وعائشة أم المؤمنين، لم يمنعها الإسلام ولم يلمها أحد على ذلك.

في هذه الحالة يجب علينا أن نصحح الخطأ المنهجي ونقول إنه بدأ تحرير المرأة في الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لم ينته وهو كالرق تماما، ويخضع تحريرها للتطور التاريخي للإنسانية كلا وللعرب كجزء. وبما أن الله سبحانه وتعالى وضع في أم الكتاب آيات حدودية للمرأة فقد وجب أن تغطي هذه الآيات كل مراحل التطور التاريخي حيث أنها آيات ثابتة “حدود” وتسمح بالحنيفية ضمن الحدود.

3 – الخطأ المنهجي في فهم بعض الآيات التي وردت فيها لفظة النساء وهي الآية رقم 14 من سورة آل عمران {زُين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب}. والآية رقم 223 من سورة البقرة {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين}. في هاتين الآيتين وردت لفظة النساء، فإذا كانت النساء هنا هي جمع امرأة وقعنا في طريق مسدود لا مخرج منه وهو في آية آل عمران ورد اسم إشارة بقوله {ذلك متاع الحياة الدنيا} (آل عمران 14).

ففي هذه الآية أصبحت المرأة متاعا “ما ينتفع به من الأشياء” وقد عوملت فعلا هكذا على مدى قرون على أنها شيء من الأشياء. وفي آية البقرة {فأتوا حرثكم أنى شئتم} فناقضت الآية التي قبلها وهي الآية رقم 222 والتي جاء فيها {ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}.

هذا الفهم الخاطئ للآيتين أدى لاعتبار المرأة شيئا من الأشياء ومع شديد الأسف فإن الفقه الإسلامي الموروث يعتبرها كذلك وينسب ذلك إلى الله ورسوله. ولكن يمكن أن نبرر لهم ذلك بعدم فهمهم لنظرية الحدود أولا، ولأنه في سياق التطور التاريخي كان الرجل هو المسيطر في المجتمع، فتم تفصيل الإسلام متناسبا مع الرجال تماما.

فالمرأة فتنة الرجل وعليها أن تتحجب، ولم يقولوا إن الرجل فتنة المرأة فعليه أن يتحجب، علما بأن الكتاب لم يورد أبدا أن المرأة فتنة الرجل، ولكن وردت علاقة متكافئة بين الرجل والمرأة بتعبير راق جدا وهو {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} (البقرة 187) وأكثر من ذلك بما أن الرجل بحاجة إلى المرأة في الحياة الدنيا من أجل الخدمة البيتية والجماع فعليها طاعته تماما واعتمدوا على الحديث “لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها” “كشف الخفاء ج2 ص 228) ولكن في الحياة الآخرة يوجد في الجنة “حور عين” للجماع والرجل ليس بحاجة لأن يخدمه أحد في الجنة {قطوفها دانية} (الحاقة 23) ففي هذه الحالة الرجل ليس بحاجة إلى المرأة فأرسلها إلى النار معتمدا على الحديث “أريت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع وأريت أكثر أهلها من النساء” “البخاري ج2 ص 93) هذان الحديثان ينقضان كل ما أوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب شكلا ومضمونا.

وقد شوحت في مفهوم الأزواج في الجنة مفهوم الحور العين. وقد قلنا إن آيات الجنة والنار هي من الآيات المتشابهات.

ثم هناك حديث منسوب بهتانا للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله “يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب ويقي ذلك مؤخرة الرجل” “مسلم ج1 ص365” هذا الحديث يناقض أيضا كل ما أوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم من الله حيث فيه إهانة المرأة وتخريجها من المجتمع الإنساني الذي كرمه الله وجعله خليفة له في الأرض.

نبدأ بحثنا في الإسلام والمرأة بالتعريف. فما هو تعريف المرأة؟ لقد عرف الله المرأة والرجل أيضا ضمن مستويين مختلفين: المستوى الأول بشري فيزيولوجي، والمستوى الثاني إنساني عاقل واع.

– المستوى الأول: قال: {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} (النجم 45) وقال: {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} (الذاريات 49). في هذا المستوى دمج الرجل ولامرأة مع كل المخلوقات العاقلة وغير العاقلة والأشياء أيضا. فالأنثى من البشر، والبهائم لها تركيب فيزيولوجي خاص بها قابلة للقاح والإخصاب والحمل والولادة والإرضاع وتربية النسل، ففي هذا لا تتميز الأنثى عند الناس عن أي أنثى عند البهائم. والذكر هو زوج الأنثى، الطرف المقابل، يكون معها علاقة تقابلية متكيفة وهو قابل لأن يلقح، ففي هذه الحالة لا يوجد أي تمييز للذكر عن أي ذكر عند البهائم.

– المستوى الثاني: وهو المستوى الإنساني العاقل الواعي المتميز عن بقية المخلوقات بنفخة الروح، وفي هذا قال تعالى {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (الحجرات 13) وقوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم} (الإسراء 70).

فالله سبحانه وتعالى عندما يخاطب الناس أي يخاطب العاقل وكل خطابات القرآن تبدأ بقوله: {يا أيها الناس} أي الرجال والنساء معا. فالله سبحانه وتعالى كرم الناس جميعا وسواهم بالإنسانية ولم يفضل أحدا على الآخر إلا بالعمل الصالح، وكرامة أية أنثى من الناس لا تقل عن كرامة أي ذكر. ورغبة المرأة بأمر من الأمور ورأيها لا يقل عن رأي أي رجل عندما تتيح الظروف لها ذلك. والأطروحة التي تقول عن النساء “ناقصات عقل وناقصات دين” يجب إعادة النظر فيها.

لنبدأ الآني بآيات الحدود التي جاءت في أم الكتاب ولها علاقة بالمرأة:

1 – تعدد الزوجات:

إن تعدد الزوجات تعتبر من أهم المشاكل التي تواجه المرأة العربية الإسلامية بشكل خاص وتواجه الإسلام أمام العالم بشكل عام. فإذا فهمنا أن آية تعدد الزوجات الواردة في أم الكتاب هي من آيات الحدود فينقلب فهمنا للآية تماما وتصبح الآية شاملة للنواحي التاريخية “التطور التاريخي السابق والمعاصر” وشاملة لأنبل النواحي الإنسانية.

وردت آية الحدود في تعدد الزوجات كالتالي:

{وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا} (النساء3).

لنشرح أولا الأصلين (قسط وعدل). فالأصل “قسط” في اللسان العربي أصل صحيح يدل عل معنيين متضادين تماما والبناء واحد. ففي المعنى الأول هو العدل مع المساعدة كقوله تعالى: {إن الله يحب المقسطين} (المائدة 42، الحجرات9، الممتحنة 8).

والمعنى الثاني الظلم والجور كقوله تعالى: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} (الجن 14). وكذلك الأصل “عدل” له معنيان متضادان الأول استواء والآخر اعوجاج، ويقال للشيء يساوي الشيء هو عدله “ابن فارس” وهناك فرق بين القسط والعدل، فالقسط يكون من طرف واحد، والعدل بين طرفين، لذا نقول معادلة، أي أن المعادلة هي مساواة بين طرفين مختلفين كقولنا: (س = ع).

لقد جاءت هذا الآية معطوفة على التي قبلها في قوله: {وإن} والتي قبلها وردت بحق اليتامى في قوله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا} (النساء 2). وقد عرفنا اليتيم في مبحث الوصايا بأنه فاقد الأب فقط وقاصر أيضا أي دون سن الرشد، فهذا يعني أن أمه على قيد الحياة وليست طاعنة في السن، فجاءت آية تعدد الزوجات وهي آية حدودية لتغطي الحد الأعلى والحد الأدنى في الكم، والحدين الأعلى والأدنى في الكيف.

أ‌ – حدود الكم: بما أن هذه الآية تتكلم عن النكاح في قوله: {فانكحوا} وبدأ بالمثنى من النساء من حيث الكم، وبما أن الرجل لا يمكن أن ينكح نفسه أو ينكح نصف امرأة، فالحد الأدنى هنا هو الواحدة، والحد الأعلى هو الأربعة، والخطوة هي مثنى، ثلاث، رباع، حيث في عدد النساء أو الرجال لا يمكن أن يكون هناك عدد كسري أي أن حدود اله في تعدد الزوجات هي الواحدة حدا أدنى والأربعة حدا أعلى، وهنا عطف مثنى وثلاث ورباع ليبين أن الحالة عدد صحيح كأن نقول: جاء الناس مثنى وثلاث ورباع فهذا لا يعني أنهم جاؤوا تسعة تسعة.

فإذا تم منع تعدد الزوجات فنكون قد وقفنا على حدود الله “الحد الأدنى” في الكم دون أن نتعداها. فمن ناحية المبدأ لا يوجد أية حرمة في ذلك. وإذا سمحنا بالتعددية حتى الأربع فنكون قد تحركنا ضمن حدود الله من حيث الكم، ووقفنا في بعض الحالات على الحد الأعلى وهذا ما حصل فعلا خلال أربعة عشر قرنا مضت وهو إطلاق الكم من الواحدة إلى الأربعة دون النظر إلى الكيف إطلاقا، لذا فقد فسروا قوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} هنا فهموا قوله: {تعدلوا} بين الزوجات لذا فقد رجحوا بأن أساس العدد في الزواج هو الواحدة وقالوا إن تعدد الزوجات هو ظروف اضطرارية.

ب‌ – حدود الكيف: نقصد بالكيف هنا هو: هل الزوجة بكر أم ثيب؟ وإذا كانت ثيبا فما وضعها أأرملة أم مطلقة؟ إذا أخذنا الكم فقط دون النظر إلى الكيف فلا يمكن إطلاقا ربط جواب الشرط {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع.. الآية} بالشرط وهو {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى}. فإذا أردنا أن نربط جواب الشرط بالشرط فيظهر لنا الكيف التالي:

بما أنه لم يذكر الأولى من ناحية الكيف فهذا يعني أنه أطلق الكيف في الزوجة الأولى حيث يمكن أن تكون بكرا أو أرملة أو مطلقة، ولكي نربط جواب الشرط {فانكحوا ما طاب لكم من النساء}، بالشرط وهو الإقساط إلى اليتامى فينتج لدينا بالضرورة أنه يتكلم عن أمهات اليتامى “الأرامل”، هنا نرى أنه أطلق الكم حتى الأربعة وقيد الكيف بأن تكون الزوجة الثانية حتى الرابعة منا لأرامل ذوات الأيتام وأن يتزوجهن الرجل ويأخذهن كزوجات مع أولادهن.

في هذه الحالة ضم أولاد الأرامل في الإعالة والتربية إلى أولاد الزوج، وفي هذه الحالة ينطبق على الزوج قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسبيا} (النساء 6).

فإذا أخذ الرجل ثلاث أرامل زوجات وضم أولادهن إلى أولاده فهذا يعني أنه أصبح كثير العيال وأصبح عليه عبء مالي كبير جدا، في هذه الحالة نفهم قوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} أي تعدلوا بين الأولاد “أولاده وأولاد زوجاته الأرامل” وهنا ظهر فعل “عدل” بين أولاده وأولاد زوجاته، أما فعل “قسط” فقد جاء لليتامى فقط أي طرف واحد لأنه بدأ الآية: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} فإذا خاف ألا يعدل بين الأولاد فواحدة، وبما أن الكلام عن التعددية فالخطاب للمتزوج لذا بدأ بالمثنى، فالواحدة هنا تعني الثانية وليست الأولى، أي إذا كان الرجل قادرا على التعددية من الناحية المالية فقد شجعه الله سبحانه وتعالى أن يتزوج على الأقل أرملة واحدة زوجة ثانية ويأخذها مع أولادها وقد أكد على هذا المعنى في نهاية الآية بقوله: {ذلك أدنى ألا تعولوا}. و”تعولوا” جاءت من الأصل “عول” ومعناها كثرة العيال والجور، فعندما يصبح الرجل كثير العيال وتكبر عليه المسؤوليات المالية والتربوية فيمكن أن يقع في عجز وبالتالي يقع في الجور.

وهكذا نفهم الحديث النبوي إن صح “أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة” وأشار إلى أصبعيه. فهذا الحديث يمكن أن يكون تعليقا على هذه الآية وتجيعا للرجال بالزواج من أرامل وكفالة أولادهن.

هنا نرى الناحية الإنسانية في تعدد الزوجات وأن الله سبحانه وتعالى أجاز تعدد الزوجات ضمن آية حدودية حيث يتبين لنا حرص الله سبحانه وتعالى على الأرامل والأيتام. “انظر الشكل رقم 1”.

وبما أن هذه الآية حدودية فيمكن للمشرع أن يبني عدة احتمالات في التشريع حول التعددية وبما تمليه الظروف الموضوعية. ففي حالة الحروب مثلاً ونقص عدد الرجال يمكن للمشرع أن يجيز الزوجة الثانية وما فوق بأن تكون أرملة دون أولاد ولكن لا يجوز أبدا أن يتزوج إنسان أرملة وعندها أولاد ويأخذها دون أولادها فهذا خروج عن حدود الله ويجب أن لا يسمح التشريع الإسلامي بذلك أبداً.

وقد أعطى الله سبحانه وتعالى تسهيلات بالنسبة للراغبين بالزواج من أرامل مع أولادهن وذلك بأن أعفاهم من الصداق في قوله: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في التاب في يامى النساء اللاتي لا تؤتوهن ما كتب لهن ورغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما} (النساء 127). هنا نلاحظ كيف أعفى الرجل من صداق الأرامل بشرط رعاية أولادهن الأيتام.

وفي حالة الزواج من أرملة لم يطلب الله سبحانه وتعالى العدالة بين النساء حيث أن الزواج هو في الأصل من أجل الأيتام لذا قال: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما} (النساء 129)، {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما} (النساء 130).

فالمطلوب هنا أن لا يترك الرجل إحدى زوجاته كزوجة أمام الناس فقط لذا قال: {فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة} بل يجب أن يمارس الحياة الزوجية معها. وفي حال طلبت إحدى الزوجات الطلاق فيحق لها ذلك تماما دون غمط حقوقها لذا قال: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته}.

p1-601

هنا لابد أن ننبه إلى زيجات النبي صلى الله عليه وسلم حيث تذكر هذه الحالة من بعض المغرضين ضد الإسلام وهذا التنبيه هو التالي:

لقد كانت بعثة محمد صلى الله عليه وسلم هي الحد الفاصل بين الأولين “الإنسان الحديث” والآخرين “الإنسان الحديث والمعاصر” حيث كان محمد صلى الله عليه وسلم النبي والرسول الخاتم، فالأولون قبله والآخرون مع بعده إلى أن تقوم الساعة والآخرون هم المجتمعات العصرية المتحضرة وقد كانت بعثته هي المرحلة الانتقالية بين الأولين والآخرين، ولقد كانت زيجاته من سنن الأولين وليس من سنننا نحن وقد أكد هذا في قوله تعالى: {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا} (الأحزاب 38).

هنا نلاحظ قوله: {سنة الله في الذين خلوا من قبل} ونلاحظ أيضا كيف ذكره في مقام النبوة في قوله: {ما كان على النبي} وليس “ما كان على الرسول”.

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن هذا يسبب حرجا على النبي وعلينا لذا فقد نبهنا بأن هذا ليس من منهجنا نحن لذا فإننا نستنتج ما يلي:

أ‌ – إن البحث في زيجات النبي صلى الله عليه وسلم هو ضرب من ضروب العبث لأننا نناقش هذه الزيجات بمقاييسنا المعاصرة، لا بالمقاييس القديمة وهنا يكمن سوء الفهم والالتباس.

ب‌ – إن النبي صلى الله عليه وسلم في زيجاته لا يعتبر أسوة لنا أبدا وكذلك زوجاته لا يعتبرن أسوة لنساء المسلمين {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} (الأحزاب 32) قال “نساء النبي” ليبين لنا أن هذا تعليم وليس تشريعا.

ملاحظة هامة جدا :

نود الإشارة إلى مسألة هامة جدا قبل التطرق إلى موضوع الإرث كما هو مشروح هنا في كتاب (الكتاب و القرآن), و هو أن الدكتور محمد شحرور قد أعاد النظر بقراءته الأولى لهذا الموضوع (المعروض أدناه) و التي تتعلق بآيات الميراث و الوصية على نحو يختلف عما هو مشروح هنا و قد قام في كتابه الأخير (نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي – فقه المرأة ) بتخصيص فصل كامل لهذا الموضوع، نوصي بمراجعته للمهتمين.

2 – الإرث:

لقد بحثنا في فصل الحدود موضوع الإرث وبينا أن آيات الإرث عبارة عن آيات حدودية لا حدية ولعدم الالتباس قال الله بعدها {تلك حدود الله} حيث أعطى الله للأنثى نصف حصة الذكر حدا أدنى، وهذا الحد الأدنى في حالة عدم مشاركة المرأة المسؤولية المالية للأسرة، أما في حالة المشاركة فتنخفض الهوة بين الذكر والأنثى حسب نسبة المشاركة وما تفرضه الظروف التاريخية.

علما بأن هذا البحث يحتاج إلى دراسة رياضية خاصة يمكن أن تصدر بشكل مقال منفصل عن هذا الكتاب.

3 – الصداق “المهر”:

لقد ورد الصداق “المهر” للمرأة في قوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} (النساء 4).

لقد فرض الله تعالى صداق المرأة وهوا لمهر ولكن أعطاه صفة أساسية وهي إتيان الصداق نحلة، ونحلة تعني في اللسان العربي الهدية دون مقابل ودون أي التزام من المرأة تجاه الرجل وهذا ما يسمى بالهدية الرمزية قلت أو كثرت. وما تقسيم مهر المرأة إلى متقدم ومتأخر إلا إجراء فقهي بحت. وإذا كان يفهم من مهر المرأة أنه عملية بيع وشراء فهذا ليس من الإسلام في شيء وإنما هو من الأعراف المتخلفة في المجتمع.

وهكذا نرى أن حدود الله في الزواج متوفرة عند معظم سكان أهل الأرض وهذه الحدود الدنيا هي:

  1. الإيجاب والقبول.
  2. الإشهار (شاهدين).
  3. الصداق “الهدية بدون مقابل”.

لذا عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل “التمس ولو خاتما من حديد” يعني أن الصداق هو من حدود الله في الزواج وقيمته حسب أعراف الناس وإمكانياتهم في عصر من العصور. فالذي يستطيع أن يقدم خاتما من الماس والذهب فعليه أن يفعل ذلك ولا مانع أبدا، ولكن يجب أن يقدم شيئا ولو كان خاتما من حديد إذا كانت الإمكانيات غير متوفرة.

أما الإشهار فحدوده الدنيا شاهدان فقط، أما ما زاد عن ذلك فيدخل ضمن الأعراف الخاصة لكل مجتمع ولا يوجد أي تجاوز لحدود الله في ذلك.

4 – لباس المرأة والرجل وسلوكهما الاجتماعي:

جاء لباس المرأة والرجل في آيتين حدوديتين في سورة النور والتي تبدأ بقوله تعالى: {سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون} (النور 1).

– بالنسبة للرجل:

  • {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون} (النور 30).
  • {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} (النور 31).

لنشرح هذه الآيات فقرة فقرة:

لقد جاء أمر مشترك للمؤمن ولامؤمنة على حد سواء بشيئين أولهما الغض من البصر. هنا نلاحظ قوله تعالى: {يغضوا من أبصارهم} فجاء هنا حرف الحر “من” للتبعيض أي جزء من كل، فأمرنا الله الغض من البصر لا غض البصر، ثم إنه لم يضع المفعول به بالنسبة للرجل والمرأة على حد سواء، أي لم يقل لنا أن نغض من أبصارنا عن ماذا؟ فتركت مفتوحة حسب الأعراف “حسب الزمان والمكان” ومفتوحة للمؤمن والمؤمنة على حد سواء. ثم إنه استعمل فعل “غض” في اللسان العربي للدلالة على لطف الفعل، لا على فظاظة الفعل. فالغضاضة فيها لطف وطراوة فنقول: غصن غض أي لين غير يابس، وهنا نضرب المثال التالي:

إذا كان رجل يغير ملابسه وهو في وضع لا يحب أن يراه فيه أحد حتى ولو كان رجلا، ووقف حوله مجموعة من الرجال تنظر إليه فإنها ستسبب له الحرج، وكذلك المرأة إذا كانت في وضع لا تحب أن يراها فيه أحد حتى من النسوة فإنها ستشعر بالحرج إذا نظر إليها أحد، وهذا هو ما أراده الله منا رجالا ونساء، أن لا ينظر بعضنا إلى بعض في مواقف لا نحب أن ينظر إلينا فيها، وهذا ما نسميه اليوم بالسلوك الاجتماعي المهذب، أي أننا يجب أن نأخذ موقف التجاهل في مثل هذه المواضع وهذا هو فعل “غض”.

ولكن إذا كان الرجل يتكلم إلى المرأة أو العكس وهم في موقف غير محرج فعليه أن ينظر إليها وتنظر إليه ولا يوجد حرج ومنع في ذلك.

وثاني هذين الأمرين هو حفظ الفرج منا لزنى، والحد الأدنى من اللباس للرجل هو تغطية الفرج فقط “حدود الله” وجاءت في قوله تعالى: {ويحفظوا فروجهم} {ويحفظن فروجهن} هنا نلاحظ كيف يكون السلوك المهذب بحيث لا يحرج الناس بعضهم بعضا، وغض البصر عن الأمور التي يعتبرها الناس من خصائصهم الشخصية، والامتناع عن الفواحش جاء على حد سواء للرجل والمرأة وهما من الفرائض على المؤمنة والمؤمن. هنا في نهاية الآية 30 قال تعالى: {إن الله خبير بما يصنعون} (النور 30).

وكما جاء في مبحث الفعل والعمل والصنع أن الصنع هو نتاج العمل {ويصنع الفلك} (هود 38). أو نتاج تربية {ولتصنع على عيني} (طه 39) فهنا وضع الأسلوب التربوي الذي هو الأسلوب الأساسي في صناعة المؤمن والمؤمنة القائم على السلوك المهذب وحفظ الفرج، وليس الأسلوب القمعي أي أن المؤمن والمؤمنة المهذبين واللذين يغضان من أبصارهم ويحفظان فروجهم هما نتاج تربية وليسا نتاج خوف وقمع.

الآن: ما هي الإضافات التي أضافها الكتاب بالنسبة للمرأة؟ هذه الإضافات تتعلق بالزينة والعورة حيث أن الآية رقم (31) من سورة النور هي آية الحد الأدنى للباس المرأة وهي من الفرائض.

لنضع الآن تعريفا للزينة: فزينة المرأة في الآية رقم 31 تقسم إلى قسمين: القسم الأول: الزينة الظاهرة، والقسم الثاني: الزينة المخفية. ولكن ما هي زينة المرأة المقصودة هنا بحيث تنسجم مع الآية نفسها وتنسجم مع بقية الآيات الواردة في الكتاب وخاصة آيات المحارم الواردة في سورة النساء رقم 22 ورقم 23؟

فالزينة لها ثلاثة أنواع:

أ‌ – زينة الأشياء: إن زينة الأشياء هي إضافة أشياء لشيء أو لمكان ما لتزيينه، مثال على ذلك الديكورات في الغرف والنجف والدهان والملابس وتسريحة الشعر للرجل والمرأة والحلي والمكياج للنساء. كل هذه الأشياء تضاف للتزيين، وقد جاءت الزينة الشيئية في قوله تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} (النحل 8) وقوله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} (الأعراف 31).

ب‌ – زينة المواقع أو الزينة المكانية: وهذا واضح في المدن، فالبلديات في المدن تبقي على ساحات خضراء تسمى حدائق.. هذه الأماكن للزينة يقصدها الناس وهي تنتسب إلى الزينة المكانية، أي أن تبقى أماكن على طبيعتها أو نضيف عليها أشياء طبيعية كالشجر والورد وهذا ما جاء في الآية رقم 31 في سورة النور أي حتى تنسجم هذه الآية مع آيات المحارم في سورة النساء يجب أن تكون الزينة مكانية لا شيئية.

ت‌ – الزينة المكانية والشيئية معا: جاءت في قوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} (الأعراف 32) وقوله: {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها} (يونس 24) أي أن التطور والتقدم العلمي سيملآن الأرض بالزينة المكانية والشيئية. فإذا كانت الزينة مكانية فجسد المرأة كله زينة والزينة هنا حتما ليست المكياج والحلي وما شابه ذلك، وإنما هي جسد المرأة كله، هذا الجسد يقسم إلى قسمين:

  • قسم ظاهر بالخلق: لذا قال: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} فهذا يعني أن هناك بالضرورة زينة مخفية في جسد المرأة. فالزينة الظاهرة هي ما ظهر من جسد المرأة بالخلق أي ما أظهره الله سبحانه وتعالى في خلقها كالرأس والبطن والظهر والرجلين واليدين، ونحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى خلق الرجل والمرأة عراة دون ملابس.
  • قسم غير ظاهر بالخلق: أي أخفاه الله في بنية المرأة وتصميمها. هذا القسم المخفي هو الجيوب، والجيب جاء من “جيب” كقولنا جبت القميص أي قورت جيبه وجيبته أي جعلت له جيبا، والجيب كما نعلم هو فتحة لها طبقتان لا طبقة واحدة، لأن الأسسا في “جيب” هو فعل “جوب” في اللسان العربي له أصل واحد وهو الخرق في الشيء ومراجعة الكلام “السؤال والجواب” فالجيوب في المرأة لها طبقتان أو طبقتان مع خرق وهي ما بين الثديين وتحت الثديين وتحت الإبطين والفرج والآليتين هذه كلها جيوب، فهذه الجيوب يجب على المرأة المؤمنة أن تغطيها لذا قال: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} والخمار جاءت من “خمر”، وهو الغطاء، والخمر سميت خمرا لأنها تغطي العقل وليس الخمار هو خمار الرأس فقط، وإنما هو أي غطاء للرأس وغير الرأس، لذا أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنات بتغطية الجيوب التي هي الزينة المخفية خلقا وسمح لهن بإبداء هذه الجيوب بقوله: {ولا يبدين زينتهن} (النور 31). هذا الإبداء لا يكون إلا لشيء مخفي أصلا كقوله تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} (البقرة 284)

والإبداء لا يكون إلا لعاقل كقوله: {فبدت لهما سوآتهما} (طه 121). قد يقول البعض: أليس الفم والأنف والعينان والأذنان من الجيوب؟ نقول: نعم ولكنها جيوب ظاهرة لأنها في الوجه، ورأس المرأة أو الرجل هو أظهر جزء منه وهو هوية الإنسان.

– هذا الإبداء للجيوب بالنسبة للمرأة يجوز للذكور التالية مواقعهم منها:

  1. الزوج (بعولتهن).
  2. الأب (آبائهن).
  3. والد الزوج (آباء بعولتهن).
  4. الابن (أبنائهن).
  5. ابن الزوج (أبناء بعولتهن).
  6. الأخ (إخوانهن).
  7. ابن الأخ (بني إخوانهن).
  8. ابن الأخت (بني أخواتهن).

قد يقول البعض: هذا يعني أن المرأة المؤمنة يحق لها أن تظهر عارية تماما أمام هؤلاء المذكورين أعلاه والمذكورين في نص الآية. أقول: نعم يجوز إن حصل ذلك عرضا، فإذا تحرجوا من ذلك فهو من باب العيب والحياء “العرف” وليس من باب الحرام والحلال لأنه شملهم مع الزوج. أي إذا شاهد والد ابنته وهي عارية فلا يقول لها: هذا حرام ولكنه يقول لها هذا عيب. ووضع هؤلاء المحارم مع الزوج لأنها غالبا تعيش معهم، فعلى المرأة المؤمنة أن لا تحرج من هؤلاء.

الآن إذا طرحنا الزوج جانبا لأنه ليس من المحارم، نجد أن المذكورين في باب الزينة من المحارم هم سبعة “الأب، والد الزوج، الابن، ابن الزوج، الأخ، ابن الأخ، ابن الأخت”. فإذا قارنا هؤلاء مع المحارم وجدنا أنهم نصف المحارم الواردين في سورة النساء تماما. أما المحارم على المرأة التي حرم عليها أن تتزوجهم ولكن يجوز لها أن تختلي معهم ولا يجوز لها إبداء زينتها المخفية “الجيوب” أمامهم فهم: العم، الخال، الابن من الرضاعة، الأخ من الرضاعة، زوج الأم، زوج البنت، زوج الأخت، فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن والذي يجبرنا أن نعيد النظر بمفهوم الزينة. هل هي المكياج أو الحلي التي يجب أن لا تظهرها المرأة ويجب أن تضرب عليها الخمار ومنها شعر الرأس؟

فإذا كان الأمر كذلك، فعلى المرأة المؤمنة أن تظهر أمام صهرها “زوج ابنتها” كما تظهر أمام الغريب تماما لأنه محرم عليها حرمة أبدية، وغير مذكور في آية الزينة، أي لا يجوز له الاطلاع على زينتها المخفية وكذلك العم والخال. فهل يمكن هنا أن تكون الزينة أمرا غير الجيوب التي شرحتها؟ وهكذا أخطأ الفقهاء حين اعتبروا أن الزينة المذكورة في الآية هي زينة الأشياء، وإنما هي زينة المواقع. وسبب هذا الخطأ هو قياس الشاهد على الغائب الذي سأشرحه فيما بعد، والخطأ في فهم نظرية الحدود.

إننا نقول هذا لأنه آن الأوان لكي نتسلح بالفكر النقدي ونعيد النظر بأقوال الفقهاء كلهم حول المرأة.

ثم أضاف إلى هؤلاء ليكون حكمهم كحكم الأب والزوج من ناحية إظهار الزينة عبارة:

{أو نسائهن}: ماذا تعني هنا كلمة “نسائهن”؟ لقد قال بعضهم إنها تعني النساء المؤمنات أي أن المرأة لا يحق لها أن تبدي زينتها المخفية إلا أمام النساء المؤمنات. وهذا غير صحيح لأنه لو عنى ذلك لقال “أو المؤمنات من النساء” ولكنه قال “أو نسائهن” ونون النسوة هنا للتابعية لا للجنس، فإذا كانت للجنس فهذا يعني أن هناك نساء النساء “وهذا غير معقول إذا كانت نسائهن تعني الإناث”.

ولكن إذا قصد “بنسائهن” زوجات الرجال المذكورين قبلها وهم أخوها وابن أخيها…الخ، فلزم أن يضع ميم الجماعة عوضا عن نون النسوة فيقول “أو نسائهم” ولكن هنا نون النسوة وليست ميم الجماعة. ولا يصح ن نقول إنه وضع نون النسوة عوضا عن ميم الجماعة للتغليب فيصبح وضع نون النسوة لضرورة صوتية، ولا يوجد في الكتاب كله شيء اسمه ضرورة اللحن أو النغم، وهناك شيء واحد فقط هو ضرورة المعنى. فنسائهن هنا يجب أن تكون من الذكور وليس من الإناث ونون النسوة للتابعية فقط كأن نقول “كتبهن، بيوتهن” وهذا لا يمكن إلا إذا فهمنا النساء على أنها جمع نسيء لا جمع امرأة أي المستجد “المتأخر” فالمستجد هنا وغير المذكور في الآية هو ما يلي:

لم يذكر في ىية الزينة ابن الابن والأحفاد ولم يذكر ابن ابن الأخ وابن ابن الأخت وابن ابن الزوج.. وهكذا دواليك، فابن الابن يأتي متأخرا عن الابن “أو نسائهن” أي ما تأخر عن هؤلاء المذكورين من الذكور وهم أبناؤهم وأبناء أبنائهم، وبنفس الوقت هؤلاء المتأخرين لهم علاقة القرابة مع المرأة، لذا وضع نون النسوة للتابعية قال: {أو نسائهن} وقد ذكر نفس الحالة مع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الأحزاب عندما سمح لهن بالظهور ليس أمام كل المحارم بل أمام هؤلاء واستثنى منهم الزوج، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو زوجهن واستثنى ابن الزوج لأن النبي ليس له أبناء، واستثنى والد الزوج لأن النبي صلى الله عليه وسلم ولد يتيما فقال: {لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا} (الأحزاب 55) هنا لاحظ كيف وضع “ولا نسائهن” لكي يبين الأبناء وأبناء الأبناء “الأحفاد”.. وهكذا دواليك.

قال هذا لنساء النبي صلى الله عليه وسلم مع أن كل المؤمنين هم من المحارم بالنسبة لنساء النبي صلى الله عليه وسلم {وأزواجه أمهاتهم} (الأحزاب 6)، {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده} (الأحزاب 53). إن الوضع الخاص بالنسبة لنساء النبي صلى الله عليه وسلم هو مخاطبتهن المؤمنين من وراء حجاب، مع أنا لمؤمنين كلهم من المحارم بالنسبة إليهن وهذا غير مطلوب من النساء المؤمنات لقوله تعالى: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} (الأحزاب 32). فغير مطلوب من المرأة المؤمنة تقليد نساء النبي في علاقتها الاجتماعية مع الغير، وإذا أرادت أن تقلد نساء النبي فعليها أن تخاطب كل الناس بما فيهم المحارم من وراء حجاب عدا السبعة محارم ونسائهن المذكورين في آية الزينة.

وفي هذه الحالة تحمل المرأة المؤمنة نفسها لزوم ما لا يلزم لأن الوضع الخاص بالنسبة لهن هو مخاطبة الناس من وراء حجاب ولا علاقة للزينة المخفية أو الظاهرة بنساء النبي. أما بالنسبة للمؤمنات فالوضع المشترك مع نساء النبي هو الزينة المخفية واللباس حسب الأعراف وليس المخاطبة من وراء حجاب.

لنورد الآن جدول المحارم وجدول من يحق للمرأة أن تبدي لهم زينتها المخفية من المحارم.

المحارم من يحق للمرأة أن تبدي لهم زينتها المخفية عن قصد أو غير قصد

1 – الابن 1 – الابن
2 – الأب 2 – الأب
3 – الأخ 3 – الأخ
4 – العم
5 – الخال
6 – ابن الأخ 4 – ابن الأخ
7 – ابن الأخت 5 – ابن الأخت
8 – الابن من الرضاعة
9 – الأخ من الرضاعة
10 – أبو الزوج 6 – أبو الزوج
11 – زوج الأم
12 – زوج البنت
13 – زوج الأخت
14 – ابن الزوج 7 – ابن الزوج
هنا لا يوجد أو نسائهن 8 – يضاف إلى هؤلاء الزوج الذي لا يعتبر من المحارم
9 – يضاف إلى هؤلاء السبعة أولادهم وأحفادهم والذين دمجوا جميعا بكلمة “أو نسائهن” وهذا ما يقال عنه الفروع مهما نزلوا.

يجب أن يفهم من كلامي أنني لا أدعو المرأة أن تجلس عارية أمام الثمانية المذكورين أعلاه ولكن إذا حصل ذلك عرضا فلا يوجد حرام، ولكن تلبس أمامهم من باب العيب والحرج، لا من باب الحرام.

ثم يتابع ذكر المسموح للمرأة بإبداء زينتها لهم وهم:

  • {أو ما ملكت أيمانهن} (النور 31): إن هذه الفقرة جاءت لتغطي مرحلة تاريخية وهي مرحلة “العبيد” سابقا، وأمرها لا يعنينا في هذه الحقبة.
  • {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} (النور 31): هؤلاء الرجال يتبعون المذكورين أعلاه في الحكم وهم الرجال غير ذوي المأرب، وليس المعتوهين أوا لمجانين، فالشهوة الجنسية لا تخبو عند المجانين. فمثلا الطبيب عندما يريد أن يولد المرأة فإنه يرى فرجها، ولكن ليس له أي مأرب فيها، فعليها والحالة هذه أن تعتبره كوالدها أو كولدها وإذا أراد الطبيب أن يكشف على المرأة في منطقة الجيوب “تحت الإبطين أو بقية الجيوب” فيعتبر في حكم أبيها. على النساء المؤمنات أن يفهمن ذلك، ويعلمن أن المرأة يحق لها الذهاب إلى الطبيب الذي تراه مناسبا، والذي ترتاح إليه ذكرا كان أم أنثى دون حرام أو حرج لأنه يدخل في بند {غير أولي الإربة من الرجال}.

وهناك أيضا مهن أخرى وحالات تنطبق عليها {غير أولي الإربة من الرجال}. فعلى المجتهدين البحث عنهم وتبيانهم للمرأة “مثلا الطبيب وكل من يعمل في اختصاص الطب من مصوري الأشعة والمخدرين والممرضين ونحوهم الخ”.

  • {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} (النور 31) هنا لابد من تعريف العورة، فالعورة بالمعنى العربي هي “ما يستحي المرء من إظهاره” هذا ما أجمع عليه أئمة اللسان العربي في معنى العورة “انظر كتاب فقه اللغة وسر العربية للثعالبي”، وفي هذا يستعملها النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث إن صحت، فالعورة ليس لها علاقة بالحلال والحرام لا من قريب ولا من بعيد أي أنه إذا كان هناك رجل أصلع دون شعر ولم يرغب بأن يرى الناس رأسه وهو أصلع فيضع الشعر المستعار على رأسه لأنه اعتبر الصلع في رأسه عورة. وفي هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه إن صح “من ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته” “جامع الأصول ج6 ص 653-654” هنا يبين إذا كان هناك شيء في المرء لا يريد من الآخرين أن يعرفوه وعرفه أحدكم فلا يفضحه وستر عورة المؤمن هنا لا تعني أن يضع عليه ملابس ليستره.

وفي هذا المعنى جاءت في قوله تعالى: {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا} (الأحزاب 13) هنا المعنى واضح في العورة أن بيوتهم أصبحت مكشوفة بالنسبة للمهاجمين وهم لا يريدونها أن تكون كذلك، والواقع نها ليست كذلك.

وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم} (النور 58). هنا يبين أن هناك ثلاثة أوقات يجب أن يستأذن من المرء حين الدخول عليه وقت النوم وهي وقت القيلولة عند الظهر ومن بعد العشاء وقبل الفجر، وهي الحد الأدنى للأوقات التي لا يرغب المرء أن يدخل عليه أحد لذا سماها ثلاث عورات، والحد الأعلى هو الاستئذان عند دخول الغرف دائماً.

فالعورة جاءت من الحياء وهو عدم رغبة الإنسان في إظهار شيء ما في جسده أو سلوكه، وهذا الحياء نسبي وغير مطلق ويتبع الأعراف. فالعورة متغيرة حسب الزمان والمكان فيصبح معنى الفقرة {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} هم الأطفال الذين لا يعرفون لماذا استحت المرأة من وضعية معينة في الجلوس أو في اللباس وهذا معروف عند الأطفال بأن الطفل حتى سن معينة لا يفهم معنى الحياء والعيب، فالأطفال حتى السن الذي يعرفون فيه مصطلح الحياء والعيب في مجتمعهم تنطبق عليهم الفقرة {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} لذا فإن تحديد عورة الرجل من السرة إلى الركبة، هو تحديد نسبي وغير مطلق يتبع أعراف المجتمع الذي تم فيه هذا التحديد لأنه ينبع من مفهوم الحياء والعيب، لا من مفهوم الحلال والحرام، وإذا قال أحدهم هذا المفهوم الشرعي للعورة فهذا كلام مردود لأن الشرع هو حدود الله فقط وما عدا ذلك فهو حدود الناس.

  • {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} (النور 31): إن الذي يفسر هذه الفقرة على أساس الخلخال في القدم، أي على المرأة أن لا تضع خلخالا في القدم وتضرب على الأرض لكي لا يسمع صوت الخلخال أو أن تلبس حذاء ليس له صوت أثناء السير فهو غير مصيب في تفسيره.

لنفهم أولا معنى فعل “ضرب” في اللسان العربي: فضرب في اللسان العربي لها أصل واحد ثم يستعار ويحمل عليه. وأول معنى محمول عليه هو الضرب في الأرض بغرض العمل والتجارة والسفر كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا…الآية} (النساء 94) هنا إذا خرجتم في سبيل الله وكقوله: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} (النساء 101) هنا جاءت بمعنى السفر وقوله: {إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} (المائدة 106).

والمعنى الثاني المحمول للضرب هو الصيغة والصياغة كقوله تعالى: {ضربنا لكم الأمثال} (إبراهيم 45) وقوله: {وكلا ضربنا له الأمثال} (الفرقان 39) وقوله: {ولقد ضربنا للنسا في هذا القرآن من كل مثل} (الروم 58) ويقال للطبيعة والسجية الضريبة كأن الإنسان قد ضرب عليها ضربا، ويقال للصنف من الشيء الضرب كنه ضرب على مثال ما سواه ومن هنا جاء ضرب المثل. والضريبة هي ما يضرب على الإنسان من مال مقابل الربح والكسب أو خدمة تؤديها له الدولة، وضرب فلان على يد فلان إذا حجر عليه ومنها جاء الإضراب عنا لعمل وهو حجر النفس وكفها عن العمل والإضراب عن الطعام وهو حجر النفس عن الأكل.

ومن هنا نفهم {ولا يضربن بأرجلهن} والسبب في ذلك النهي هو لكي لا يعلم ما يخفين من زينتهن وهنا الكلام عن الزينة المخفية وهي الجيوب لأنها لا يمكن أن تعلم إلا إذا أرادت المرأة ذلك، فهذا يعني أن الله منع المرأة المؤمنة من العمل والسعي “الضرب” بشكل يظهر جيوبها أو بعضها بشكل إرادي وهذا لا يحصل إلا من أجل كسب المال أو على شواطئ البحر، من هنا نرى أن الله سبحانه وتعالى حرم في حدوده مهنتين فقط على المرأة وهما: أ- التعرية “ستربتيز” ب- البغاء. أما بقية المهن فيمكن للمرأة أن تمارسها دون حرج أو خوف وذلك حسب الظروف الاجتماعية التاريخية والجغرافية.

وفي نهاية الآية قال: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} (النور 31) هنا طلب من المؤمنين والمؤمنات التوبة لأنه في سياق الحياة يمكن للمؤمن والمؤمنة أن يشذا عن ذلك فوضع لذلك التوبة فقط دون ترتيب عقوبات.

ويبقى لقائل أن يقول: إن ما تقوله عن لباس المرأة الذي جاء في سورة النور “الفرائض” هو تغطية الجيوب المخفية فقط. أقول: نعم وهو الحد الأدنى من اللباس لذا سماه فريضة وهو فرق بين الحلال والحرام دون عقوبات ومع التوبة فقط. ولكن هل للمؤمنة أن تخرج بهذا اللباس الذي هو الحد الأدنى؟ أقول: لقد جاء اللباس المتمم لهذا اللباس في سورة الأحزاب، وجاء الخطاب في مقام النبوة الذي هو ليس حراما وحلالا وإنما تعليمات لدفع الأذى وذلك في قوله: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما} (الأحزاب 59).

هنا بدأت الآية بقوله: {يا أيها النبي} فهي آية تعليم وليست تشريع وهذه الآية تعلم المؤمنات اللباس الخارجي وهو ما سماه بالجلباب، فالجلبات جاءت من الأصل “جلب” وهذا الفعل في اللسان العربي له أصلان أحدهما الإتيان بالشيء من موضع إلى موضع، والآخر الشيء يغشي ويغطي شيئا آخر، فالجلبة هي القشرة التي تغطي الجرح عندما يبرأ ويندمل وقبل أن يبدأ الجرح بالاندمال نضع له رباطا من القماش المعقم لنحميه من الأذى الخارجي.

ومن هنا جاء الجلباب للحماية وهو اللباس الخارجي. فاللباس الخارجي يمكن أن يكون بنطالا وقميصا أو تايورا أوروبا أو مانطو، كل هذه الملابس تدخل تحت بند الجلابيب لذا قال: {يدنين عليهن من جلابيبهن} (الأحزاب 59) للتبعيض باستعمال حرف الجر “من” وللتقريب باستعمال “يُدنين” من فعل “دنو، يدنو” وبما أن هذه الآية للتعليم لا للتشريع وضع السبب وهو المعرفة التي تسبب الأذى، فعلى المرأة المؤمنة تعليما لا تشريعا أن تغطي من جسدها الأجزاء التي إذا ظهرت تسبب لها الأذى. والأذى نوعان: طبيعي واجتماعي. والأذى الطبيعي مربوط بالبيئة الطبيعية من درجات الحرارة والرطوبة. فالمؤمنة تلبس حسب الشروط الجوية الخارجية بحيث لا تعرض نفسها للأذى الطبيعي.

قد يقول البعض ولكن هذا أمر مفروغ منه لذا لم يذكره في هذه الآية وإنما ربط الأذى بالمعرفة {أن يعرفن فلا يؤذين} لاحظ “فاء السببية” والتعقيب بين المعرفة والأذى، وهو ما نسميه بالأذى الاجتماعي، أي على المؤمنة أن تلبس لباسا خارجيا وتخرج إلى المجتمع حسب الأعراف السائدة في مجتمعها بحيث لا تكون عرضة لسخرية وأذى الناس، وإذا لم تفعل ذلك ستعرض نفسها للأذى، وهذا الأذى الذي ستتعرض له هو عين عقوبتها لا أكثر من ذلك أي دون أن يكون هناك أية تبعة عند الله من ثواب أو عقاب.

ولكي لا يزاود الناس في اللباس وضع النبي صلى الله عليه وسلم الحد الأعلى للباس المرأة بقوله “كل المرأة عورة ما عدا وجهها وكفيها” أي بهذا الحديث سمح النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة أن تغطي جسدها كله كحد أعلى ولكنه لم يسمح لها بأي حال من الأحوال بأن تغطي وجهها وكفيها، حيث أن وجه الإنسان هو هويته. فإذا خرجت المرأة عارية فقد خرجت عن حدود الله وإذا خرجت دون أن يظهر منها شيء حتى وجهها وكفيها فقد خرجت عن حدود الله وإذا خرجت دون أن يظهر منها شيء حتى وجهها وكفيها فقد خرجت عن حدود رسول الله وطاعة الله ورسوله في الحدود واجبة.

وهكذا نرى أن لباس معظم نساء أهل الأرض يقع بين حدود الله ورسوله وهذه هي فطرة الناس في اللباس، وفي بعض الحالات القليلة يقف اللباس عند الحدود، وفي حالات أقل يتجاوز اللباس الحدود.

حكم لباس النساء اللواتي لا يرجون نكاحاً:

لقد وضع الله حكما خاصا وحرية كبيرة في اللباس للنساء اللواتي لا يرجون نكاحا منا لمعقدات بغض النظر عن السن حيث قال:

{والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم} (النور 60).

فالقواعد جاءت من “قعد” وهو أصل واحد يقاس عليه ويدل على ثبات في شيء وهي لا تعني الجلوس، والقعود ضده القيام. والقعود جاءت من قوله تعالى: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون} (المائدة 24) والقعود جاءت بمعنى الثبات وعدما لحركة والامتناع عن الذهاب إلى القتال. والقيام جاءت بمعنى الاستمرار كأن تقول “وجدت فلانا قائما على رأس عمله” أي أنه يمارس عمله.

فهنا جاءت القواعد من النساء وهن النساء اللواتي أقعدن بسبب مرض ما كالشلل مثلا بغض النظر عن السن بحيث جعلهن لا يرجون النكاح لذا قال: {اللاتي لا يرجون نكاحا} ولا تعني أبدا اللواتي لا يرغبن بالزواج وهنا القواعد ليس كما قال الفقهاء قعدن عن الحيض وهذه الحالة جاءت في قوله تعالى: {يئن من المحيض} وليس قعدن عن المحيض وهو ما نسميه بسن اليأس للمرأة وليس بسن القعود.

{ليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} (النور 60). فالجناح جاءت من “جنح” وتعني الانحراف كأن نقول جنحت السفينة أو الطائرة عن مسارها. ومن هنا جاء مفهوم الجنحة وهي مفهوم أقل من الجريمة بكثير حيث جاءت الجريمة بقوله تعالى: {ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح…الآية} (هود 89).

أما فعل “وضع” في اللسان العربي فله أصل واحد يدل على الخروج للشيء وحطه وإخراجه كقوله: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} (الطلاق 4) وقوله: {فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى} (آل عمران 36) فعندما تضع المرأة حملها تخرجه منها كلية وتحطه عنها. فهنا قال: {يضعن ثيابهن} فالثياب هنا اسم جنس وهي كل ما يرده الإنسان على جسمه من لباس داخلي وخارجي وجاءت من الأصل “ثوب” ومنها جاءت الثياب، والمثابة، والثواب هو كل ما يرد للإنسان من عمل صالح إيجابي.

فيصبح {يضعن ثيابهن} هو خلع جميع الملابس، وقد اشترط بذلك عدم القصد بإظهار الزينة المخفية للآخرين “أي الجيوب فقط” بقوله: {غير متبرجات بزينة} و”برج” تعني في اللسان العربي البروز والظهور والملجأ والبرج هو بارز ظاهر وبنفس الوقت هو ملجأ للحماية. لذا قال: {غير متبرجات بزينة} فوضع هذا الشرط أن لا يكون القصد من وضع الثياب هو اللجوء إلى إبراز زينتها المخفية “فرجها وباقي الجيوب” وهذا واضح في الحياة، فكثير منا لنساء المقعدات بسبب المرض أو الشيخوخة يحتجن إلى حمام شمسي وإلى تغسيل ومساجات بحيث يحتجن إلى خلع كل ملابسهن أمام الآخرين الذين يعتنون بهن لأنهن يحتجن إلى مساعدتهم ولكنه من باب الترجيح فقط وليس من باب الحلال والحرام قال: {وأن يستعففن خير لهن} أي أنها إذا استطاعت أن لا تظهر زينتها المخفية “عارية تماما” فهو خير لها.

لنشرح الآن أين يكمن خطأ التفسير الموروث حول لباس المرأة:

إذا أخذنا المرأة العربية في شبه جزيرة العرب قبل نزول الآية 31 في سورة النور الآية 59 في سورة الأحزاب فنرى ما يلي:

1 – لم تكن المرأة العربية حين نزول هاتين الآيتين عارية بدون ملابس.

2 – الرجال والنساء العرب كانوا يلبسون الزي القومي حسب الأعراف السائدة في مجتمعهم وحسب المستوى الإنتاجي للألبسة. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس من لباس قومه حتى إن كثيرا من العرب كانوا لا يستطيعون تمييزه من غيره في اللباس. فكان كثير منهم يأتون إلى المدينة ويدخلون المسجد ويسألون الجالسين فيه: أيكم محمد؟ وكذلك كان لباس المرأة العربية هو لباس حسب أعراف العرب ومناخ شبه جزيرة العرب فكانت تلبس ثوبا طويلا وتضع خمارا على رأسها ليقيها الحر. كلباس نساء البادية الآن.

فعندما نزلت الآية 31 من سورة النور نظرت المرأة العربية المسلمة إلى لباسها الذي ترتديه فعلا ولم تغير منه شيئا وإنما وجدت إمكانية إظهار جيوب الثديين من فتحة الصدر في ثوبها الخارجي فضربت على صدرها بخمار رأسها، لأن بقية الجيوب أصلا كانت مغطاة في زيها القومي. لذا فهم خطأ بأن الجيوب هي الصدر فقط لذا فإن ما نسميه اليوم باللباس الشرعي هو لباس المرأة العربية المسلمة في القرن السابع الميلادي. إن لباس المرأة المسلمة فقط الذي جاء في سورة النور وجاء لكل مؤمنات أهل الأرض ولكل زمان.

فعلى المرأة العربية المؤمنة أن تصحح هذا المفهوم الخاطئ والذي نتج عن قياس الشاهد لباس مسلمات أهل الأرض جميعا في كل زمان ومكان على الغائب وهو اللباس القومي للمرأة العربية في القرن السابع. ولا يصح هذا القياس إلا إذا افترضنا أن المرأة العربية قبل نزول آيتي النور والأحزاب كانت عارية تماما بدون أي لباس ثم لبست ما لبست من جراء هاتين الآيتين وهذا موضوعيا غير صحيح. أي علينا أن لا نخلط بين فرائض اللباس في الإسلام وبين الزي القومي، لن هذا الخلط حصل فعلا فيما يسمى “اللباس الشرعي” وقد جاء هذا الخلط من قياس الشاهد على الغائب.

3 – حتى نفهم آيتي النور والأحزاب فهما صحيحا علينا أن نفترض وجود امرأة عارية تماما تريد أن تدخل الإسلام. فماذا عليها أن تلبس؟

4 – علينا أن نفهم أن امرأة مؤمنة في أي بلد في العالم عليها أن تلبس حسب أعراف بلدها متقيدة بالآيتين 31 من سورة النور كفرض والآية 59 من سورة الأحزاب كتعليم لا تشريع.

5 – أما فيما يتعلق ببعض الآراء الفقهية التي ترى أن صوت المرأة عورة فهذا محض وهم لأن المرأة كانت تحضر صلاة الجمعة في المدينة وكانت تقف مع النبي صلى الله عليه وسلم في طرقات المدينة وتسأله ويجيب على أسئلتها. ثم إن العورة هي من الحياء لا من الحرام. أي أنه إذا كان مجتمع من المجتمعات يحبذ صوت المرأة ولا يعتبره عيباً حتى في الغناء فلا يوجد أي إثم في ذلك.

قد يقول البعض: وهل الفقهاء كانوا لا يعرفون اللغة العربية ونحن نعرفها الآن؟ إن الخطأ ليس خطأ لغوياً، وإنما في المنهج، فعندما يقرأ علماء العربية كلهم الآية 31 من سورة النور والآية 59 من سورة الأحزاب ويقرؤون الحديث النوبي “كل المرأة عورة ما عدا وجهها وكفيها” ظانين بأن هذا الحديث هو شارح للآية وليس الحد الأعلى للباس المرأة، أي أعطى الطرف المقابل. ففي هذه الحالة لا تفيدهم كل معرفتهم للغة العربية وفقهها ونحوها وصرفها بشيء وسيضطرون إلى قبول المغالطات والدوران “انظر الشكل رقم 2”.

فإذا أردنا أن نرسم مخططاً للباس المرأة والمهن التي يمنع ممارستها وما هو المسموح والممنوع حسب حدود الله ورسوله فينتج لدينا المخطط التالي:

p1-618 p1-619

5 – لننتقل الآن إلى الموضوع التالي بالنسبة للمرأة وهو العلاقة العائلية بين الرجل والمرأة:

إن العلاقة العائلية بين الرجل والمرأة تقسم إلى بابين رئيسيين هما:

أ- العلاقة العاطفية: علاقة الود والحب والوفاء بين الرجل والمرأة فالرجل لباس المرأة، والمرأة لباس الرجل. واللباس جاءت من “لبس” وتعني في اللسان العربي الاختلاط والتداخل. وهذا في قوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} (البقرة 187) فعلاقة الحب والود والرحمة علاقة متكافئة بين الرجل والمرأة، كلاهما مليء بالأحاسيس والمشاعر لا تمييز لأحدهما على الآخر. ويجب أن نفهم أن المرأة ليست متاعاً للرجل والرجل ليس متاعاً للمرأة.

ب- العلاقة الاقتصادية الموضوعية والعلاقة الاجتماعية الناتجة عنها والمرتبطة بها:

جاءت هذه العلاقة في الآية {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعضٍ وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا} (النساء 34).

بدأت الآية 34 بصيغة الخبر: {الرجال قوامون على النساء} هنا وضع علاقة موضوعية بأن الرجال لهم القوامة على المرأة، وذكر القوامية بين الرجال والنساء ولم يذكر القوامية بي المؤمنين والمؤمنات أي لم يقل “المؤمنون قوامون على المؤمنات” لذا فإن هذا الخبر يجب أن يكون صادقا في كل أنحاء الأرض ولذلك ذكر علة القوامية، وبما أنه ذكر علة القوامية فبذهاب العلة يذهب المعلول وبتبديل العلة يبدل المعلول والعناصر التي تشكل علة القوامية هي:

  • القوة الفيزيائية {بما فضل الله بعضهم على بعض}.
  • القوة المالية الاقتصادية {وبما أنفقوا من أموالهم}.

وبما أنه قال: {بعضهم على بعض} فهي تعني أنها قابلة لتكون عكسية بانعكاس العلة أي قابلة للعمل موضوعيا باتجاهين:

فلنر كيف تعمل في الاتجاه المعاكس: إذا كان الرجل مريضا كأن يكون أعمى أو مشلولا وزوجه تخدمه، في هذه الحالة موضوعيا لها القوامية “الأمر والنهي”. وإذا كان الرجل فقيرا وزوجه تنفق عليه فتصبح لها القوامية موضوعيا، وهذه العلاقة هي اللعاقة الموضوعية حتى بين الدول. فالقوي من الدول له الأفضلية على الضعيف.

والقوي والغني من الدول له الأفضلية على الضعيف والفقير. وأعلى أنواع القوامية هي بين القوي الغني والضعيف الفقير ويمكن إسقاط هذا المفهوم على أعلى العلاقات الإنسانية وهو العلاقات الدولية وهذا واضح جدا في مفهوم حق الفيتو للدول الكبرى في مجلس الأمن الذي هو أعلى مؤسسة دولية. إذ أن أية دولة من هذه الدول لها حق إيقاف أي قرار يصدره مجلس الأمن “القوامية”.

وعندما تصبح المرأة عاملة أو لها دخل ما وتنفق على العائلة كالرجل تصبح متكافئة معه في القوامية من الناحية المالية وفي الأمور التي تحتاج إلى قوة فيزيائية “قوة في الخلق” فتبقى القوامية للرجل في هذه الأمور دون الأمور المالية. هذا إذا كان أقوى منها فيزيائيا فعلاً.

هنا وضع العلاقة الموضوعية المادية الاجتماعية باتجاهين متعاكسين وذلك لتبيان التكافؤ والعلاقة المتبادلة بينهما.

فوضع القوامية للرجل على المرأة مع ذكر العلل ووضع كيف يجب أن تكون العلاقة لاجتماعية والأ×لاقية بين الرجل والمرأة إذا كان الوضع معاكسا، أي كانت المرأة في وضع أقوى منا لرجل، حيث بدأ الآية ببيان مطلق وذكر الرجال والنساء بغض النظر مؤمنين أو كافرين، ولكن عندما عكس الوضع، وضع قوامية المرأة ذكر المرأة الصالحة فقط ولم يقل النساء فالمرأة الصالحة عندما تكون لها القوامية لها الصفات الأخلاقية التالية:

– قانتات: والقنوت هو الهدوء والاستقامة مع الاستمرار على ذلك لذا قال: {وقوموا لله قانتين} (البقرة 238) وقوله عن مريم: {وكانت من القانتين} (التحريم 12).

– حافظات اللغيب بما حفظ الله: أي أن المرأة الصالحة تحفظ خصوصيات زوجها وعائلتها التي أمر الله بحفظها. ولا تجعل هذه الخصوصيات عرضة للثرثرة، وكذلك الرجل المؤمن يحفظ خصوصيات زوجه وعائلته. فإذا لم تتحقق هذه العلاقة بين الرجل والمرأة على حد سواء يمكن أن يحصل وضع هو النشوز من المرأة أو الرجل على حد سواء.

فالنشوز جاء من “نشز” والذي يعني في اللسان العربي البروز والاستعلاء والتكبر من الناحية الاجتماعية أو الشذوذ من الناحيةا لجنسية. فعندما ينشز أحد الزوجين اجتماعيا على الآخر، تكون البداية بالموعظة ثم بالهجر في المضاجع فقط من الزوج الآخر، وهذان الإجراءان خاصان جدا أي دون العلن ثم يأتي الحل الثالث وهو “واضربوهن”. هنا نرجو ألا يفهم “الضرب” بمعناه المباشر كما فهموه معنى مباشرا في قوله تعالى: {ولا يضربن بأرجلهن} (النور 31) ففعل “ضرب” معناه الضرب ويحمل عليه كقوله تعالى: {وضرب الله مثلا} (النحل 112، التحريم 11) وقد شرحت هذا الفعل في شرح {ولا يضربن بأرجلهن}.

فعندما نقول “ضرب” نحمل عليه مباشرة فنقول الضرب على الوجه هو من فعل “صك” كقوله تعالى: {فأقبلت امرأته في صرة فصحت وجهها وقالت عجوز عقيم} (الذاريات 29) وعندما يكون الضرب على الخد فنستعمل فعل “لطم” وعندما يكون الضرب على القفا فنقول “صفع” وعندما يكون الضرب بالرجل نقول “ركل” “رفس” وعندما قتل موسى الرجل قال: {فوكزه موسى فقضى عليه} (القصص 15) ولم يقل “فضربه” وعندما سأل الله موسى عن العصا قال: {وما تلك بيمينك يا موسى * قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي} (طه 17-18) ونستعمله من الناحية الاقتصادية، فنقول ضرب الأسعار ومنه جاءت المضاربة ونقول ضربت الدولة المتلاعبين بالأسعار، أي اتخذت منهم موقفا حازما وحجرتهم عن المضاربة.

وهنا نفهم معنى “واضربوهن” أي عندما لا تفيد الموعظة والهجر في المضاجع فيأتي الحل العلني وهو اتخاذ موقف حازم علني من الرجل تجاه المرأة أو من المرأة تجاه الرجل بحي يمنع أحدهما الآخر منا لنشوز الاجتماعي، لأن النشوز من أحد الزوجين يتسبب بإهانة كبيرة للآخر ومع ذكل لم يقترح الطلاق، علما بأنه عندما يتخذ أحد الزوجين موقفا علنيا حازما تجاه الآخر فإن هذا قد يتسبب في الطلاق. ولتبيان هذه الحالة جاءت الآية التي بعدها تقول: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا} (النساء 35).

هذه الآية تبين تماما أن النشوز قد يحصل من أحد الطرفين وهو اجتماعي بحت لا جنسي. والضرب هو موقف علني حازم، لا الضرب باليد أو العصا كما فهمه البعض. هذا الموقف قد يتسبب في لطلاق، في هذه الحالة أمر الله تعالى بالإصلاح بينهما قبل الطلاق وهذا الإصلاح يتم عن طريق حكم من طرفه وحكم من طرفها وهذا ما نسميه اليوم بالمصطلح الحديث “لجنة التحكيم” وهذه الممارسة شائعة جدا اليوم في العلاقات الاقتصادية والتعاقدية بين الأفراد والمؤسسات والدول.

أما النشوز بمعنى الشذوذ الجنسي من الرجل فقد جاء في قوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} (النساء 128) “حول شرح هذه الآية انظر مبحث الفرقان بند الفواحش”.

قد يقول البعض: لِمَ لَم يقل الفقهاء هذا من قبل؟ قلنا مرة ونكررها بأن ما ندرسه من فقه هو تفعل الإسلام مع مرحلة تاريخية معينة وليس الإسلام بعينة. لذا فإن قول الفقهاء كان منسجما مع مرحلة التطور التاريخي الاقتصادي والسياسي التي عاشوها، حيث أن فقههم كان منسجما مع مجتمعهم الذي عاشوا فيه واجتهدوا من أجله، لذا فعلينا أن لا نبخسهم قيمتهم التاريخية من هذه الناحية وقد بينا في الفرع الأول (أزمة الفقه الإسلامي) الخطيئة المنهجية التي وقع فيها الفقهاء بشأن المرأة وهي خطيئة قياس الشاهد على الغائب وخطيئة الحدود.

6 – حق العمل:

لم يمنع الإسلام المرأة من العمل من الناحية الشرعية في كل مجالات الحياة والإنتاج، وإنما الظروف الموضوعية التاريخية هي التي تحدد عمل المرأة، وهذا ما حصل فعلا في التاريخ العربي الإسلامي، إذ مارست المرأة مهنة التمريض في الجهاد وكانت تمارس بعض الأعمال الإنتاجية مثل حلب النوق والشياه وصناعة الزبدة واللبن وكانت تمارس مهنة الرضاعة حيث كانت ترضع أولاد غيرها مقابل أجر.

وعلى هذا فعلينا نحن المسلمين أن ننظر إلى عمل المرأة من خلال السياق التاريخي لا من قياس الشاهد على الغائب، لأن التشريع الإسلامي لا يوجد فيه ما يمنع ذلك ولكن كانت هناك ظروف تاريخية حجرت المرأة عن العمل، والمهنتان الوحيدتان اللتان منع الله المرأة من ممارستهما هما البغاء والتعرية.

قد يقول البعض إن هناك محذورين من هذا:

– المحذور الأول: أن عمل المرأة يوجب الاختلاط مع الرجل: أقول إن الإسلام لم يمنع المرأة من أن تختلط مع الرجل ولكن حذر من الخلوة بين الرجل والمرأة من غير المحارم في مكان مغلق، وكذلك سفر المرأة مع غير محرم لوحدهما، واعتقد أن منعا من هذا النوع هو منع إيجابي جداً.

وهنا نريد أن ننبه إلى آية صلاة الجمعة حيث لم يرد أمر صريح في الكتاب حول الصلاة والذهاب إليها إلا صلاة الجمعة وذلك بأمره تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوْا إلى ذكر الله وذروا البيع..الآية} (الجمعة 9) هنا الخطاب موجه للذكور والإناث على حد سواء. فعلى المرأة المسلمة كالرجل تماما أن تكون حريصة على حضور صلاة الجمعة سافرة أم متحجبة حسب أعراف بلدها وأن تضرب عرض الحائط احتكار الرجال لصلاة الجمعة…

ولنلاحظ قوله تعالى: {وذروا البيع} هنا الخطاب موجه للذكور والإناث على حد سواء أيضا، فعلينا أن نفهم ذلك ونقبله من غير حرج.

– المحذور الثاني: هو أن هناك بعض المهن الصعبة الشاقة لا تستطيع أن تقوم بها المرأة من الناحية العملية، وهناك بعض المهن لا تليق بأنوثة المرأة، هذا صحيح ولكن في هذه الحالة على المرأة من خلال مؤسساتها أن تحدد بنفسها ما هي المهن الموجودة فعلا والتي لا تستطيع أن تمارسها وما هي المهن التي لا تليق بأنوثتها، لا أن تدع الرجال عامة (وخاصة السادة العلماء) أن يحددوا لها المهن التي تليق أولا تليق بأنوثتها.

7 – حق العمل السياسي والتمثيل التشريعي:

إن حق العمل السياسي هو أول حق أعطاه الإسلام للمرأة بشكل مباشر. وقد بدا الإسلام تحرير المرأة بإعطائها هذا الحق. وقد كافحت المرأة المسلمة مع الرجل على حد سواء وكان كفاحها عقائديا “أخت عمر بن الخطاب” ونضاليا مباشرا “سمية” واشتركت في الهجرة إلى الحبشة وإلى يثرب وحضرت بيعة العقبة الأولى والثانية.

وهناك من يقول “بقوا الإسلام ثم اسألوا المرأة هل تريد دخول البرلمان” أقول إن هذا الكلام هو عين الوهم لأن الطلب الذي يبدأ بالفعل “طبقوا الإسلام” موجه لمن؟ هل للرجال أي يا أيها الرجا طبقوا الإسلام ثم اسألوا المرأة؟ فإذا كان للرجال فقط فيصبح الإسلام دينا للرجال فقط. وإن كان الطلب للرجل والمرأة بتطبيق الإسلام فنريد أن نسأل السؤال التالي: أي إسلام تريد منا أن نطبق؟ وهل قدمتموه لنا بلغة القرن العشرين ورفضناه؟ أم قدمتموه لنا بأطر قديمة تاريخيا فيها إسلام السنة وإسلام الشيعة والمعتزلة والخوارج والإباضية والزيدية وكل ما هنالك من فرق ومذاهب؟!

أما إذا أردنا أن نطبق الإسلام بمفهومه الأصيل الصالح لكل زمان ومكان فعلينا أن نقدمه لزماننا ومكاننا “ظروفنا” ثم نقول للرجل والمرأة: هذا هو الإسلام الأصيل في الكتاب والسنة وهذا هو فهمه الحديث في القرن العشرين. في هذه الحالة تدخل المرأة والرجل معترك السياسة منذ أول لحظة، فكيف في هذه الحالة نريد من المرأة أن تناضل مع الرجل وتموت معه، ثم بعد ذلك نقول لها: اذهبي إلى بيتك. وقد يقول البعض إن المرأة المسلمة دخلت ميدان النضال السياسي الثوري مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم تحكم.

أقول إنها لم تحكم ضمن سياق تاريخي لا ضمن تشريع إسلامي، وعلى هذا لا يحق لنا قياس الشاهد الذي هو نحن على الغائب الذي هو وضع المرأة الاجتماعي والسياسي في زمن النبي لأن الزمن اختلف.

ثم هناك من ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن صح قوله “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” هذا الحديث إذا صح فلا يقاس عليه لأنه جاء من النبي صلى الله عليه وسلم تعليقا على حدث معين وهو إخبار أحدهم للرسول أن الروم مات ملكهم فخلفته على عرشه ابنته، فعلق الرسول بقوله “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” وهذا الحديث إن صح لا يعتبر تشريعا ولا تعليما وإنما هو تعليق ظرفي على حادثة بعينها ولا يدخل تحت بند الحدود والأخلاق والعبادات. لذا لا تنطبق عليه قاعدة، إن صح الحديث فهو مذهبي، علما بأنه من الأحاديث المنفردة.

ثم إن الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن حالة امرأة حاكمة وهي ملكة سبأ، فعندما نقرأ قصة هذه الملكة لا نرى أي استنكار لكونها حاكمة لقومها، ولكن الاستنكار جاء لها ولقومها لأنهم يعبدون الشمس من دون الله، وقد عاملها سليمان عليه السلام معاملة الند للند.

ونرى هذا واضحا في قوله تعالى: {إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم} (النمل 23)، {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون} (النمل 24) وقد كان سلوكها مع قومها هو سلوك الاستشارة والرأي بقوله: {قالت يا أيها لملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون} (النمل 32)، {قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين} (النمل 32)، {قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين} (النمل 33)، {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون} (النمل 34).

لقد أفردت إحدى الباحثات المغربيات كتابا خاصا حول موقع المرأة السياسي والتشريعي في الإسلام تحت عنوان “الحريم السياسي” كتب باللغة الفرنسية وقد أجرت الباحثة استقصاء مطولا حول هذا الحديث فتبين أنه من الأحاديث المنفردة وتبين أن أحد رواته هو “أبا بكرة” الذي أقيم عليه حد الشهادة الكاذبة بأمر من عمر بن الخطاب أمام جمع من المسلمين في قضية الزنا التي نسبت إلى المغيرة بن شعبة.

هذه الناحية تبين كذب الرواية أصلا. ولكن أقول ولو صح هذا القول عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو ليس تشريعا لكل زمان ومكان وإنما هو تعليق. فعلى المرأة المسلمة أن تعلم أن لها الحق بأن تنتخب وأن تنتخب وأن تمارس أعلى مراكز المسؤولية في الدولة الإسلامية حتى رئاسة الدولة ويحق لها أن تصلي الجمعة مع الرجال وتشارك في ممارس مهمات السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على أن تكون مؤهلة لذلك.

8 – عقدة النكاح:

إن عقدة النكاح مفتوحة للرجل والمرأة على حد سواء، فيمكن أن تكون العصمة بيد الرجل وبيد المرأة. لذا فإن عقد النكاح يجب أن ينص صراحة على العصمة، فإذا لم ينص فتصبح العصمة بشكل متساو للرجل والمرأة ولا يصح عقد النكاح إلا بالإيجاب والقبول والشهود “الإشهار” والصداق لذا قال: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} (البقرة 235) وهنا {تعزموا عقدة النكاح} جاءت من مباشرة عقد النكاح، أي جاءت من “عزم” لقوله تعالى: {فإذا عزمت فتوكل على الله} (آل عمران 159) فالعزم فيه مباشرة بالعمل. ويحق للمرأة أن تضع ما تريد في عقد النكاح، فالعقد شريعة المتعاقدين.

وهنا يجب علينا أن نفهم مشكلة ولي الأمر. فالمرأة المسلمة إذا كانت تحت السن القانونية فلا تتزوج بنفسها بدون ولي أمر لأن أجل الكتاب في النكاح الإسلامي هو الإيجاب والقبول والشهود والصداق، وهذه هي نفس الشروط التي يضعها أي قانون زواج مدني في كل أنحاء العالم لأنه لا يوجد في الإسلام زواج شرعي وزواج مدني فكلاهما واحد. حيث أن شروط عقد النكاح في الإسلام هي من حدود الله.

9 – الطلاق:

يحق للرجل والمرأة المسلمة على حد سواء طلب الطلاق. لذا فإن الطلاق الشفهي يعتبر من اللغو. فإذا قال الرجل لزوجه أنت طالق فهذا من باب اللغو ولا ينظر إليه بأي جدية. الطلاق بين الرجل والمرأة لا يكون إلا عن طريق القضاء حصرا. فإذا حصل الطلاق من قبل الرجل فيمكن أن يكون طلاقا رديا أو نهائيا. أما إذا حصل عن طريق المرأة فهو طلاق يمكن أن يرفضه الرجل فقط إذا كانت حاملا.

حيث أن للرجل أفضلية على المرأة في هذه الحالة فقط، أي أنه إذا حصل الطلاق من قبل الرجل أو المرأة، وتبين أن المرأة حامل، في هذه الحالة للرجل درجة على المرأة في قوله: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم} (البقرة 228) أي أن المطلقة إذا تبين أنها حامل وأراد زوجها أن يردها بغض النظر عن طالب الطلاق، في هذه الحالة فقط يؤخذ برأيه دون رأيها أي له درجة عليها وذلك من أجل لم شمل العائلة فإن وجود طفل في رحم المرأة يمكن أن يغير الوضع كلية.

أما في حال الطلاق الكامل من الرجل للمرأة فلا يحق له ردها إلا بعد أن تنكح زوجا آخر، وقد أسيء استعمال هذه القاعدة من قبل بعض الفقهاء المتخلفين علما بأنها قاعدة عظيمة جدا وذلك لتبيان أن الطلاق عملية جدية جدا وليست مجرد انفصالات مؤقتة.

أما العدة فالهدف منها استبراء ارحم لقوله تعالى: {وأحصوا العدة} (الطلاق 1) وقد شرحت مفهوم العدة في مبحث سابق، أما عدة الأرملة فهي أربعة أشهر وعشرة أيام، وعدتها أن لا تتزوج ولا تتحدث بزواج، أما جلوسها في بيتها وعدم كلامها مع الرجال فهذا من باب الأعراف المتخلفة. أما تعويض المطلقة فجعله الله مفتوحا تماما فلا حدود ولا قيود. إلا إذا أتت بفاحشة مبينة ولا يحق للرجل أن يعضل المرأة ويكارهها حتى تسامحه في تعويضاتها.

ويجب على المشرع أن يأخذ هذا في عين الاعتبار، فلا طلاق غيابيا دون دراية الزوجة، ولا يحق للقضاء أن يرفض طلاق المرأة إلا إذا كانت حاملا ولا يرغب زوجها في طلاقها. وما عدا ذلك فحق المرأة كحق الرجل تماما، أما مفهوم بيت الطاعة ومفهوم النفقة الهزيلة ومفهوم التعددية والطلاق التعسفي وتعنت الرجل في طلاق المرأة حتى تسامحه في حقوقها فهذا كله يجب إعادة النظر فيه كليا ويجب أن يكون دليلنا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} (النساء 19).

10 – العلاقة بين الرجل والمرأة:

إن العلاقة بين الرجل والمرأة في الإسلام ينظر إليها من خلال مستويين مختلفين تماماً.

– المستوى الأول: مستوى حدود الله “الحلال والحرام” المحدد من قبل الله سبحانه وتعالى، وهذا الحد هو الزنا والزنا هو علاقة الجماع الجنسي المباشر بين الرجل والمرأة بدون عقد نكاح والذي أطلق عليه مصطلح الفاحشة، فموضوع بحثنا هنا هو الزنا. وقد وضعه الله مع قتل النفس في مستويين: الأول مستوى تشريعي “عقوبات” حيث ورد القتل والزنا في الحدود. والثاني أخلاقي بحت حيث ورد القتل والزنا في الوصايا. فالإنسان المتحضر لا يقتل ولا يزني، ليس خوفا من العقوبة فقط ولكن من وازع ذاتي أخلاقي بحت أيضا.

وبما أن الجماع الجنسي بدون عقد “الزنا” هو الحد الأعلى للعلاقة بين الرجل والمرأة فقد نظر إليه الكتاب من زاويتين مختلفتين تماما وهما حقوق الله وحقوق المجتمع:

  • الزاوية الأولى: علاقة جماع بين رجل وامرأة دون شهود في الخفاء، في هذه الحالة المجتمع لا دخل له في ذلك ولا يحق له أن يطبق أية عقوبات بناء على الشبهات وعلى التخمين. وتبقى العلاقة بين الزاني وربه وباب التوبة مفتوح دائما عند الله، فعلاقة الناس بالله سبحانه وتعالى علاقة معصية وتوبة وعلاقة الله بالناس علاقة رحمة ومغفرة.
  • الزاوية الثانية: علاقة جماع بين رجل وامرأة علنية، والعلن حدده الله سبحانه وتعالى في أربعة شهود عدول شاهدوا العملية تماما، وبالنسبة للخيانة الزوجية شهادة أحدهما بأربع شهادات. في هذه الحالة هناك علاقة التوبة والمغفرة بين العبد وربه، وعلاقة الزاني بالمجتمع، وقد وضع الله هذه العلاقة بعقوبة حدية قدرها 100 جلدة بدون زيادة أو نقصان. وفي حالة الاعتراف بدون شهود حاول النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يطبق الحد بالتماس الشبهات. أما بالنسبة للخيانة الزوجية فتكفي شهادة أحد الزوجين لأن الشهادة تعتبر بأربع شهادات ولكن يمكن لأحدهما أن يدرأ عن نفسه العذاب “الحد” بالشهادة الخامسة وتبقى العلاقة بين العبد وربه.

من هنا نفهم حرص الإسلام الشديد على عدم علنية الفاحشة وإشاعتها وبالتالي حرصه الشديد على منع الناس من قذف أعراض الآخرين وتوجيه الاتهامات لهم بدون بينات.

– المستوى الثاني: علاقة الرجل بالمرأة بالمستويات دون العلاقة الجنسية. هذه الناحية تركها الله لحدود الناس، فهم يضعون حدودا لعلاقة الرجل والمرأة وهذه الحدود تتبع أعراف البلد أو ما يسمى بالآداب العامة في كل بلد، وهي تختلف من بلد لآخر ومن زمان لآخر، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم أن كل علاقة بين الرجل والمرأة لا تصل إلى الجماع الجنسي “فهي ليست زنا” وأن كل علاقة تنتهي بالجماع الجنسي فهي زنا من أولها إلى آخرها “والفرج يصدق ذلك أو يكذبه”.

قد يسأل سائل: إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم يصافح النبي صلى الله عليه وسلم النساء، وبنفس الوقت قال “والفرج يصدق ذلك أو يكذبه”؟ أقول إن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب الناس بأن الفرج هو الذي يصدق أو يكذب الزنا، وبنفس الوقت وضع حدا لنفسه كنبي ورسول ورئيس دولة، ونضرب مثالا على ذلك: في منصب رئيس الدولة في الولايات المتحدة أو فرنسا أو روسيا، في هذه الدول الأعراف تسمح بعلاقة بين الرجل والمرأة قد تصل إلى حد الزنا المخفي لا العلني ولا يوجد ما يمنع هذه العلاقة عرفا ولا تشريعا، ولكن عندما يرشح إنسان ما نفسه لمنصب الرئاسة، ويتبين أنه كان عنده علاقات غرامية وهو متزوج أو أنه ينتقل من امرأة إلى أخرى، فإن هذا الوضع يقضي عليه حكما ولا يمكن أن يقبل ترشيحه لهذا المنصب الرفيع.

فالنبي صلى الله عليه وسلم في سلوكه الشخصي كان حريصا جدا على أمور كهذه وقد أعطى نموذجا يحتذى به للناس أصحاب المناصب العليا على وجوب حرصهم على سمعتهم في علاقاتهم مع الآخرين، لأن الإنسان صاحب المنصب الرفيع عرضة لأنظار الناس وأفواههم أكثر بكثير من الإنسان العادي. وكذلك أيضا زوجات هؤلاء الناس، يجب أن يعتبرن أنفسهن ليس كبقية النساء، ومن هذا المنطلق أكد الله سبحانه وتعالى على زوجات النبي بقوله: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} (الأحزاب 32).

وقد وضع الإسلام بهذا أسسا هامة جدا أخذت الصيغة العالمية المتحضرة وهي الحرص الشديد في السلوك الشخصي بالنسبة للناس ذوي المناصب الرفيعة هم وأزواجهم.

(3) تعليقات
  1. أخي الدكتور محمد شحرور، جاء في سورة الطّلاَق ((وَٱلَّـٰٓـِٔى يَٮِٕسۡنَ مِنَ ٱلۡمَحِيضِ مِن نِّسَآٮِٕكُمۡ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ فَعِدَّتُہُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشۡهُرٍ۬ وَٱلَّـٰٓـِٔى لَمۡ يَحِضۡنَ‌ۚ وَأُوْلَـٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّ‌ۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُ ۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرً۬ا (٤)

    هل كان فعلا يجوز الزواج من القاصر ؟؟ وشكرا

  2. معظم ما قدمه الدكتور شحرور موجود أصلا في الفقه الإسلامي منذ 1400 عام ولكن كتبه بطريقة توحي وكأنه أتي بالجديد الذي لم يأت به أحد من قبله … مثلا إذا رأي الأب ابنته عارية عرضا ودون قصد فلا يسمى حراما هذا صحيح ولكنه أخطأ حينما قال انما يسمى عيبا .. أقول لاعيب ولا حرام طالما أنه رآها عرضا وليس ابنته فحسب بل رأي أي امرأة عارية تماما عرضا فلا شىء عليه لاعيب ولا حرام طالما أنه لم يقصد ذلك .. ثم يقول إن على المرأة أن تفهم أن ذهابها إلى الطبيب ليس حراما .. وكأن ملايين النساء منذ القرن الأول وحتى وقتنا هذا لايذهبن إلى الطبيب دون حرج بشرط عدم وجود طبيبة ماهرة تقوم بنفس الفعل .. وغيرها وغيرها من الآراء كلها موجودة في الفقه الإسلامي لكن مع الفارق بين علم [و حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وعلم د.شحرور الذي لايتجاوز علم رجل هاو وليس رجلا راسخا في العلم

اترك تعليقاً