{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} (الأحزاب 21).

“تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله” حديث شريف “أخرجه الموطأ”.

“ألا أني أوتيت هذا الكتاب ومثله معه” الكتاب والسنة “الرسالة”. “جامع الأصول في أحاديث الرسول ج 1/281”.

“أوتيت القرآن ومثله معه” القرآن والسبع المثاني “النبوة”.

تمهيد:

إن أي بحث جاد في السنة يجب أن ينطلق من سؤال أساسي يكون الجواب عليه بوضوح تام. هذا السؤال يمكن صياغته كما يلي:

هل كلام النبي صلى الله عليه وسلم وتدابيره وتصرفاته في تلك الأمور التي لا تتعلق بالأصول “الحدود والعبادات والغيبيات إن صحت” وحي أم اجتهاد؟

قال بعضهم إن ما كان يقوم به النبي صلى الله عليه وسلم هو وحي كله، لقوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى} (النجم 3، 4) والاستناد إلى هذه الآية الكريمة لا مسوغ له البتة هنا، فالضمير “هو” لا يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يعود بوضوح وحصرا إلى الكتاب المنزل ولا علاقة للضمير هنا بالضمير قبله المستتر في الفعل “ينطق” العائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم والذي كان من صفاته عليه السلام أنه لم يكن ليتحكم فيه وفي أقواله وفي أفعاله الهوى وتقلبات النفس. الأمر الذي يجعله في مرتبة رفيعة حقا هي مرتبة النبوة، لكن دون أن يجعل أقوال وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم كلها من صنف الوحي على كل حال.

ثم إن هذه الآية: {وما ينطق عن الهوى}. جاءت في مكة في مرحلة كان العرب يشككون في الوحي نفسه. ولم تكن المشكلة هي مشكلة أقوال النبي وأفعاله ولكنها كانت مشكلة القرآن نفسه والمشكك فيه من قبل معظم العرب. أي أن الوحي كان موضوع التساؤل والشك، وليس سلوك النبي الشخصي. علما بأننا إذا أردنا أن نصنف الحديث النبوي إلى مكي ومدني لوجدنا أن معظم الحديث إن لم يكن كله مدني وليس مكيا.

وإننا لنضرب مثلا من الكتاب نفسه فقد خاطب الله عز وجل نبيه الكريم منبها بشكل صريح ولا يحتمل الاجتهاد في عدة مناسبات فعندما أعرض عن ابن مكتوم، الأعمى الفقير وأقبل على صناديد قريش يحدثهم آملا في هدايتهم وإسلامهم خاطبه قائلا: {عبس وتولى * أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى} (عبس 1-3) علما بأن هذه الآيات ليست من القرآن وليس لها علاقة باللوح المحفوظ ولا إمام مبين.

وفي مرة أخرى قال الله عز وجل: {يا أيها النبي لم تحرم /ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم} (التحريم 1).

وفي مرة ثالثة قال: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم} (الأنفال 67).

وهكذا فإنه يمكننا القول إن ما اصطلح على تسميته بالسنة النبوية إنما هو حياة النبي صلى الله عليه وسلم كنبي وكائن إنساني عاش حياته في الواقع، بل في الصميم منه وليس في عالم الوهم. فهو عليه الصلاة والسلام إلى جانب عنصر الوحي الذي كرمه الله به، عاش حياته في القرن السابع الميلادي في شبه جزيرة العرب بكل ما كان يحيط بها من ظروف جغرافية وتاريخية وثقافية وسياسية.

لنلاحظ أن الني صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم لم يعتبروا في وقت من الأوقات أن الأحاديث النبوية هي وحي. فهو عليه السلام من جهته لم يأمر بجمعها كما فعل مع الوحي “الكتاب” وكذلك الأمر مع الخلفاء الراشدين فقد فهموا أنها كانت نتيجة تعامل مع واقع معين في ظروف معينة عاشها النبي صلى الله عليه وسلم وجابه فيها عالم الحقيقة المكاني والزماني فهي بهذا تشكل منبعا ثريا يستفيد منه المؤمنون عامة، والعلماء المشرعون خاصة.

ويبرز من هذا الأمر سؤالان:

1 – لماذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجمع كلامه، مع أنه أرهم بتدوين الوحي بكل دقة وقال لهم في الوقت نفسه “لقد تركت فيكم ما إن ابتعتموه فلن تضلوا أبدا ك تاب الله وسنتي”؟.

تذهب فئة من العلماء إلى أن النبي لم يأمر بجمع كلامه وتدوينه لتجنب الاختلاط بين الوحي والحديث، وهذه حجة واهية. فالنبي أول من يعلم بقوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر 9). ثم إن ذلك كان سيستبعد بخطوة إجرائية بسيطة وهي تخصيص بعض الكتبة للوحي وبعض آخر للحديث.

2 – بعد أن فرغ الصحابة من جمع الوحي “الكتاب” وقد بدأ الجمع في أيام أبي بكر الصديق وانتهى تماما في زمن عثمان بن عفان. وتم نسخ المصحف الموجود بين أيدينا اليوم. وتم إتلاف كل الصحف التي نسخ عليها الوحي. وقد كان معظم الصحابة أيام عثمان بن عفان على قيد الحياة. فلماذا لم يجمع الصحابة الحديث كما جمعوا الكتاب بعد أن فرغوا متن جمع الكتاب وتدوينه؟ علما بأن الأحاديث النبوية حول الحدود والعبادات والأخلاق “الصراط المستقيم” قد انتقلت إلينا بالتواتر.

فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك بنفسه ولم يفعله الصحابة من بعده لسبب واحد وذلك لعلمهم بأن جمعه ليس ضروريا. وأن الحديث هو مرحلة تاريخية وأن السنة ليست عين كلام النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا لم يكن الأمر كذلك فهناك نتيجة واحدة وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده كانوا يريدون إرباك المسلمين بعدم تدوين الحديث، وهذا يعني أن آية {اليوم أكملت لكم دينكم} لا معنى لها إذ كيف أكمل الدين والحديث لم يدون؟ وكيف دون الصحابة الكتاب ولم يدونوا الحديث؟ هذه التهمة هم براء منها للسبب التالي:

إن عدم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بجمع كلامه وتدوينه. وأمره بكتابة الوحي وحرصه المطلق على ذلك هو والصحابة يقود إلى فهم عميق لفرق أساسي بين النبوة والعبقرية: فالعبقري هو إنسان أنتجه عصره في ظروف معينة مادية ومعنوية يسجل الناس عنه كلامه أو هو يسجله بنفسه أثناء حياته، ولكن سيكون كلامه وتصرفاته نتاجا تاريخيا يحمل طابع المرحلية وبالتالي فإن الواقع سيتجاوزه مع تطور الحياة في سياق الزمن.

وبما أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو نبي ولي عبقريا وحسب، فإنه قد علم أن جانب الوحي فيه –النبوة والرسالة- يتصل بعالم المطلق هو الله سبحانه وتعالى، وقد عبر عن هذا الجانب بالكتاب الموحي بصياغة الله سبحانه وتعالى المتشابه في النبوة والحدود في الرسالة. أما الجانب النسبي في الإسلام فهو النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، حيث أخذ المطلق “

الحدود في الرسالة” وحوله إلى عالم الحقيقة النسبي الذي واجهه هو نفسه ولو لم يكن كذلك فلا يوجد حاجة إلى تعدد النبوات والرسالات على مر التاريخ. بل كان يكفي نبي ورسول واحد لكل الناس من نوح إلى أن تقوم الساعة.

ولكن الحقيقة هي عكس ذلك تماما. فقد سبق محمدا صلى الله عليه وسلم كثير من النبوات والرسالات التي تشكل كلها حلقات في الإسلام والتي كان محمد صلى الله عليه وسلم آخرها {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} (المائدة: 3). وقد قلنا في مبحث الحدود إن هذه الآية هي جزء من آية حدودية.

وبهذا كان الإسلام صالحا لكل زمان ومكان من حيث ذلك الاتصال بالمطلق “الكتاب” ليتفاعل مع الظروف والمراحل التاريخية المتعاقبة فينتج مجتمعا معينا وحضارة معينة في كل مرحلة.

فهو والحالة هذه يمكن أن يأخذ صيغا حضارية تاريخية حسب العالم الموضوعي الذي يتفاعل معه. هذا هو السبب المحوري للنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته في حرصهم على الوحي الذي هو المبدأ أو المطلق. وأما الباقي فمتروك للإنسان في سياق الزمن. فلا قوالب جاهزة مسبقا، ولا توقيف لحركة التاريخ في الإسلام. هذا الشيء الذي تفاداه النبي والصحابة ووقعنا فيه نحن، فجمدنا التاريخ وحنطناه بأنفسنا واتهمنا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ونزعنا عن الإسلام أهم صفة من صفاته وهي الحنيفية، حيث أن الإسلام يشترط الحنيفية في إخلاصا لناس للدين في قوله: {وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} (البينة 5).

ثم إن الأحكام “أم الكتاب” جاءت من الله مباشرة وليست من اللوح المحفوظ أو أمام مبين، وهي التي تمثل الرسالة وتحتوي على الحدود والعبادات والأخلاق والذي قال عنها: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} (الرعد 39). فهي ليست قديمة لأنها ليست كلام الله وإنما هي كتاب الله.

من هنا يأتي التعريف الخاطئ برأينا للسنة النبوية بأنها كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول ومن فعل أو أمر أو نهي أو إقرار.

علما بأن هذا التعريف للسنة ليس تعريف النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وبالتالي فهو قابل للنقاش والأخذ والرد. هذا التعريف كان سببا في تحنيط الإسلام، علما بأن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته لم يعرفوا السنة بهذا الشكل وتصرفات عمر بن الخطاب تؤكد ذلك. مع العلم بأن أسس التشريع الإسلامي هي الكتاب والسنة وهذا صحيح ولكن ليس الكتاب والحديث. وإذا كان الأمر كذلك فما هو تعريف السنة؟

لنضح الآن تعريفا معاصرا للسنة وهو:

– السنة:

هي منهج في تطبيق أحكام أم الكتاب بسهولة ويسر دون الخروج عن حدود الله في أمور الحدود أو وضع حدود عرفية مرحلية في بقية الأمور، مع الأخذ بعين الاعتبار عالم الحقيقة “الزمان والمكان والشروط الموضوعية التي تطبق فيها هذه الأحكام” معتمدين على قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} (البقرة 185). وقوله: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (الحج 78) فالسنة جاءت من “سن” وتعني في اللسان العربي اليسر والجريان بسهولة كقولنا ماء مسنون أي يجري بسهولة. وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم تمام إذ أنه مارس تطبيق أحكام أم الكتاب متحركا ضمن حدود الله وواقفا عليها أحيانا من خلال عالم الحقيقة النسبي الذي عاشه هو –لا نحن- ولم يكن في يوم من الأيام أو في موقف من المواقف حالما ولا متوهما ولا مطلقا.

لذا فإن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم في القرن السابع في شبه جزيرة العرب هو الاحتمال الأول لتفاعل الإسلام مع مرحلة تاريخية معينة وليس الوحيد وليس الأخير حيث أنه كان خاتم الأنبياء والمرسلين ولا يمكنه أن يفعل إلا هذا للحفاظ على حيوية الرسالة والنبوة إلى أن تقوم الساعة. وبما أن رسالته تقوم على الحدود فهو الرسول الوحيد الذي سمح له بالاجتهاد لأنه الخاتم ولكي يعلم الناس أن يجتهدوا لوحدهم من بعده حيث أن الإسلام هو تشريع إنساني ضمن حدود الله.

الفرع الأول: سنة الرسالة وسنة النبوة

الآن بعد أن عرفنا السنة علينا تقسيمها إلى فرعين رئيسين وهما سنة الرسالة، وسنة النبوة. وكما قلت فالنبوة علوم والرسالة أحكام وتعليمات حيث أن الطاعة جاءت للرسالة ولم تأت للنبوة. وليس في الكتاب أي آية تقول وأطيعوا النبي بل هناك آيات تقول: {وأطيعوا الرسول}. علما بأن المدح العظيم جاء لمقام النبوة في قوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} (الأحزاب 56).

سنة الرسالة:

يجب علينا أن نميز في سنة الرسالة بين الحدود والعبادات والأخلاق والتعليمات. فهناك بعض الأوامر والتنبيهات جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تخاطبه بعبارة: {يا أيها النبي}. فهذه الآيات تحتوي على تعليمات وإرشادات أو حالات خاصة بالنبي حصرا وليس لها علاقة بالحلال والحرام إطلاقا. حيث أن الطاعة جاءت في مقام الرسالة بقوله: {وأطيعوا الله والرسول}. وقوله: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} (الأحزاب 21). إذ قال “رسول الله” ولم يقل “نبي الله”. وهنا في سنة الرسالة يجب علينا أن نميز بين نوعين من الطاعة:

1 – الطاعة المتصلة:

وهي الطاعة التي جاءت فيها طاعة الرسول مندمجة مع طاعة الله بقوله: {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} (آل عمران 132). وقوله: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيق} (النساء 69). وبما أن الله حي باق وقد دمج طاعة الرسول مع طاعة الله في طاعة واحدة، ففي هذه الحالات تصبح طاعة الرسول مع طاعة الله في حياته وبعد مماته. هذه الطاعة جاءت حصرا في الحدود والعبادات والأخلاق “الصراط المستقيم”. ولنورد الأمثلة التالية:

في الحدود:

– لقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم حدا أعلى لحالات ورد في أم الكتاب كحد أدنى فقط. مثلا على ذلك: لباس المرأة الوارد في الآية رقم 31 في سورة النور في هذه الآية ورد الحد الأدنى للباس المرأة وهو ما يقال عنه اليوم اللباس الداخلي. ففي هذه الحالة وضع الرسول صلى الله عليه وسلم الحد الأعلى للباس المرأة بقوله “كل المرأة عورة ما عدا وجهها وكفيها” فطاعة هذا الحديث هو كطاعة الآية وليس أقل. أي إذا خرجت المرأة عارية في الطريق كما خلقها الله فقد تعدت حدود الله في اللباس. وإذا خرجت مغطاة تماما يدخل في غطائها الوجه والكفان فقد خرجت عن حدود رسوله. ولباس المرأة المسلمة هو لباس حسب الأعراف ويتراوح بين اللباس الداخلي وبين تغطية الجسم ما عدا الوجه والكفين. وهكذا نرى أن لباس معظم نساء أهل الأرض هو ضمن حدود الله ورسوله “انظر مبحث المرأة في الإسلام”. وكذلك قول الرسول حول الإرث”لا وصية لوارث” “انظر الجامع الصغير ج2 ص 203” وقوله “لا تعضية في ميراث إلا فيما محل القسمة” “انظر النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ج3 ص 106”. حيث أن هذه الأحاديث تتعلق بالحدود.

– لقد وردت الزكاة في الكتاب كحد حيث أن العبادات تنطبق عليها نظرية الحدود وهي حالة خاصة من الحدود حيث تكمن فيها التقوى الفردية. فقد وضع الرسول صلى لاله عليه وسلم الحد الأدنى للزكاة وهو 2.5% وطاعة الرسول في ذلك كطاعة الله. وكذلك الصلاة فطاعة الرسول فيها كطاعة الله بقوله “صلوا كما رأيتموني أصلي” “أخرجه البخاري –انظر جامع الأصول ج5 ص 576” فإذا أراد الإنسان المسلم أن يصلي لله بغير الطريقة التي علمنا إياها الرسول صلى الله عليه وسلم فإن صلاته مرفوضة. وإذا صلى كما صلى الرسول، ولكن لغير الله، فصلاته مرفوضة أيضا. وكذلك الحج لقوله صلى الله عليه وسلم “خذوا عني مناسككم” “انظر حصيح مسلم ج2 ص943”. وكذلك الصوم، نصوم كما صام الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن ليس من الضروري أن نفطر كما أفطر الرسول صلى الله عليه وسلم.

– في الأخلاق: كل أحاديث الرسول التي جاءت حول الوصايا العشر من أكل مال اليتيم إلى العهد إلى بر الوالدين وشهادة الزور ما هي إلا أحاديث شارحة للوصايا. فالطاعة فيها طاعة متصلة.

– حدود الله في العقوبات يجب أن نفهم أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم حول تطبيق حدود كتاب الله في العقوبات هو تهديد بتطبيق الحد الأعلى من العقوبة أي الوقوف على الحد. وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نتجنب تطبيق الحد الأعلى من العقوبة “حدود كتاب الله” بقوله “ادرؤوا الحدود بالشبهات وأقيلوا الكرام عثراتهم إلا في حد من حدود الله تعالى” وقوله “ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة” “انظر الجامع الصغير ج1 ص 13”. ولم يقل ادرؤوا العقوبات بالشبهات. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم كارها لتطبيق حدود الله في العقوبات وخاصة في الزنا. وكان يلتمس الشبهات بنفسه لتفادي تطبيق الحد “مثال على ذلك قصة ماعز حيث قال له النبي: لعلك قبلت، أو غمزت أو نظرت؟” “انظر جامع الأصول لابن الأثير ج3 ص 526-527”.

– لقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم تعريفا وتوصيفا للجرائم ذات الحدود العليا من العقوبات. فهو بهذا علمنا أن نضع نحن تعريفا وتوصيفا لجرائم الحد الأعلى قبل أن نطبق هذه الحدود. وهذا التعريف يخضع للظروف الموضوعية لكل بلد حسب الزمان والتطور.

2 – الطاعة المنفصلة:

وهي الطاعة التي وردت في الكتاب في قوله: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} (النساء 59). وقوله: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} (المائدة 92). هذه الطاعة للرسول جاءت منفصلة عن طاعة الله، هذه الطاعة جاءت طاعة للرسول في حياته لا بعد مماته أي في الأمور اليومية والأحكام المرحلية. وفي الأمور والقرارات التي مارسها كرئيس دولة وكقاض وكقائد عسكري، وفي أمور الأحكام المعاشية والطعام والشراب واللباس حيث اتبع الأعراف العربية وكان يتحرك ضمن حدود الله دون أن يخرج عنها وفي الحالات القصوى للعقوبات يقف عليها.

هذه الأمور تفهم فهما معاصرا فيا لمضمون لا في الشكل، وإذا كانت هناك أشياء مفيدة لنا في الوقت الحاضر أخذناها وإذا كانت هناك أشياء غير مفيدة لنا تركناها، ولو كانت هنا طاعة الرسول مندمجة مع طاعة الله وأتبعها {وأولي الأمر منكم}. حيث أن أولي الأمر منكم تعني الأحياء من أولي الأمر لا الأموات. في هذه الحالة تصبح طاعة أولي الأمر كطاعة الله في الصلاة والصوم وأن معصية أولي الأمر تعني معصية الله ولأصبح أولو الأمر هم ممثلي الله في الأرض وخلفاءه فعلا، علما بأن الإنسان هو خليفة الله في الأرض وليس الحكام.

فكل شيء قاله النبي صلى الله عليه وسلم في أمور لم يرد ذكرها في الكتاب بتاتا وقال فيها هذا ممنوع وهذا مسموح فمعناها أنها أحكام مرحلية وحدود مرحلية لا علاقة لها بحدود الله. أي أن النبي وضع حدودا لأمور ما وكان من الضروري أن يضع هذه الحدود وذلك وفقا للشروط الموضوعية التي عاشها وطبقا للمشاكل التي كان بصدد حلها، ولا تحمل صفة الأبدية كحدود الله، مثل منع التصوير والنحت والرسم والموسيقى والغناء ولبس الذهب واستلام المرأة لمناصب في الدولة.

فإن منع النبي صلى الله عليه وسلم للرسم والنحت والتصوير إن صح كان مفهوما في حينه، حيث أن العرب كانوا حديثي عهد بالوثنية، فمنع ذلك كخطوة وقائية مؤقتة. حيث أن وهذا المنع لم يرد في الكتاب نهائيا. حيث ورد في الكتاب “اجتناب الرجس من الأوثان” لا اجتناب الأوثان. حيث أن كل هذه الأحاديث ليس لها علاقة بحدود الله، وقد علمنا بهذا أن كل التشريعات غير الإلهية تحمل طابع الضرورة المرحلي، وعلمنا أن نشرع بأنفسنا.

من هذا المنطلق يجب علينا فصل الأحاديث التي تتعلق بالحدود والعبادات والأخلاق على حدة أي أحاديث الصراط المستقيم.

وعلينا هنا أن ننبه بأن الله سبحانه وتعالى لم يعط لأحد الحق في وضع حدود تشريعية ثابتة إلى أن تقوم الساعة، حيث سميت الحدود بحدود الله في قوله: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده} (النساء 14). هنا الهاء تعود على الله فقط ولو سمح الله بوضع حدود للنبي صلى الله عليه وسلم كحدوده تماما لقال “ويتعد حدودهما” ولو كان الأمر كذلك لوجدنا نسخة واحدة من كتب الحديث مضبوطة تماما كآيات الحدود في الكتاب، أي لاهتم النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بجمعها وضبطها كاهتمامهم بالكتاب.

أما بقية الأحاديث التي تتعلق بالسلوكيات العامة والاجتماعية فلها أهمية تاريخية فقط وهي غير ملزمة لأحد وتندرج تحت أحاديث التشريع الخاص والقرارات والأجوبة على أسئلة طرحت عليه خلال الحياة اليومية التي عاشها صلى الله عليه وسلم.

وهكذا نفهم أن السنة النبوية هي اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في تطبيق أحكام الكتاب من حدود وعبادات وأخلاق آخذا بعين الاعتبار العالم الموضوعي الذي يعيش فيه متحركا بين الحدود، وواقفا عليها أحيانا، ووضع حدود مرحلية للأمور التي لم ترد في الكتاب. وفي هذا كانا لرسول الأسوة الحسنة لنا إلى يوم الدين بالحنف ضمن حدود الله وفي وضع حدود حنيفية لبقية الأمور، وفي هذا قال “ألا أني أوتيت هذا الكتاب ومثله معه”.

وهكذا أيضا نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم إن صح “اختلاف أمتي رحمة” “الجامع الصغير ج1/12” أي أن المسلمين يختلفون في الحركة ضمن حدود الله من مكان لآخر. ومن زمان لآخر ويختلفون في وضع حدود إنسانية أيضا حسب الزمان والمكان وهذه هي عين الرحمة وعين السنة. لذا وجب علينا أن نعيد فهم الأحاديث في ضوء فهم الكتاب لا العكس، حيث أن الأسلوب المتبع التقليدي هو فهم الكتاب في ضوء الحديث.

ويبقى أن أتمنى على القارئ أن يفهمني بدقة ولا يظن أننا نرد الحديث النبوي معاذ الله وكيف نفعل وقد سمعنا قوله صلى الله عليه وسلم: {ألا هل عيسى رجل يبلغه الحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله… الخ}. ولكننا ندعو إلى إعادة فهم الحديث وتصنيفه ونقده وقدره حق قدره.

أحاديث النبوة:

وتقسم إلى نوعين:

أ‌ – أحاديث تتعلق بالغيبيات أي بشرح القرآن وتتعلق بالفهم العام للقرآن وليس التأويل إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ممتنعا عن التأويل. هذه الأحاديث يجب أن تتطابق مع المفهوم العام للقرآن حيث أن المفهوم العام يتطابق مع الحقيقة والعقل. وإذا لم تتطابق فتهمل.

ب‌ – أحاديث تتعلق بشرح تفصيل الكتاب كقوله “أوتيت القرآن ومثله معه” هنا يشرح أن السبع المثاني هي كالقرآن وقوله “في ليلة القدر أنزل القرآن إلى السماء الدنيا” هذه الأحاديث يجب أن تتطابق مع آيات تفصيل الكتاب “لا محكمة ولا متشابهة”.

الفرع الثاني: السنة النبوية في العمل الثوري وبناء الدولة

إن المرحلة المكية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لم تدرس ولم تلق الاهتمام من قبل الفقهاء وإنما غطى أحداثها التاريخية كتاّب السيرة وإن الذي تلقى الاهتمام من قبل الفقهاء النواحي التشريعية والتي كانت معظمها في المدينة حتى النواحي التشريعية تم فهمها من خلال منهج غير حنيف لتشريع حنيف مما أدى إلى تحنيط الأحكام وتجميد حركة التاريخ وإخماد الروح الثورية والوطنية لدى العرب والمسلمين. هنا يجب أن يفهم الإسلام فعلى أنه ثورة عامة شاملة شملت كل نواحي الحياة الشخصية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.

قامت هذه الثورة بإمكانات إنسانية وسلوك إنساني وبمنهاج إلهي واجتهاد إنساني. إذانظرنا الآن إلى التاريخ القديم في منطقة الشرق الأوسط الذي هو مهد الحضارات الإنسانية القديمة نرى أن الدول في تلك الحضارات والبلاد كان يقضي عليها أعداء خارجيون. فعندما حارب الإسكندر الأكبر الفرس استقبله أهل فارس بالترحاب لأنهم كانوا يعيشون تحت الظلم والكنهم أنفسهم كانوا عاجزين عن القضاء على حكامهم حيث أن القهر والعبودية أوقعا الشعوب القديمة في حالة عجز. هذه الظاهرة تفرض علينا دراسة التاريخ القديم بإمعان، أي لماذا لم تقم ثورات من قبل الشعوب القديمة لتقضي على حكامها وكان القضاء على هذه الدول في معظمها نتيجة حروب خارجية؟

إذا نظرنا بإمعان نجد أن سبب غياب الثورات لدى الشعوب القديمة هو أن الشروط الثورية الثلاثة التي لا بد لأي ثورة أن تستكملها لكي تنجح لم تكن متوفرة، وهذه الشروط هي:

1 – الظروف الموضوعية التي تسمح بتغيير ثوري “القدر”.

2 – وعي هذه الظروف “وعي القدر، المعرفة”.

3 – تشكيل الأداة الثورية “القضاء الواعي”.

لقد كانت الظروف الموضوعية متوفرة ولكن وعي هذه الظروف كان ضعيفا أو وجد عند قلة قليلة من الناس بحيث عجزوا عن تشكيل الأداة الثورية.

لقد حصلت ثورات غير واعية في التاريخ القديم ولكن لا يمكن أن نسميها ثورة بالمفهوم الحديث بل هي انتفاضات أوردة فعل عفوية مثل انتفاضة عبيد روما بقيادة سبارتاكوس.

وكما نرى في قصص القرآن أن الله كان يتدخل مباشرة لنصرة رسله وأنبيائه حيث أن الذين اتبعوهم كانوا قلة “نوح، هود، صالح، شعيب، لوط، موسى، وهارون”.

لقد كان الإسلام أول ثورة كبرى شمولية في التاريخ الإنساني تحققت فيها الشروط الثورية الثلاثة حيث كان للعرب هذا الدور المميز في التاريخ، إذ وقعت على عاتقهم قيادة أول ثورة كبرى شمولية ضمن أطر ثورية ناضجة أسسوا بعدها دولة ذات علاقات حضارية وحرروا شعوب المنطقة من نير الاستعباد الرازحين تحته. حتى المسيحية لم تستطع أن تقضي على الدولة الرومانية، وإنما تبنتها الدولة الرومانية وأعادت صياغتها ضمن أطرها الوثنية الإمبراطورية. وكانت السنة النبوية هي قاموس هذه الثورة.

قبل أن نبدأ بشرح مفردات ذا القاموس سنشرح لماذا العرب وليس غيرهم وقع على عاتقهم ذلك العبء المشرف لهم. لقد شرحت في الباب الرابع في مبحث فن العمارة عن فن العمارة عند العرب أنه كان فنا غير متطور وأن النظام العربي قبل الإسلام كان نظاما قبليا بحتا. ولم يكن هناك أي نظام سياسي يوحد شبه جزيرة العرب. هذه القبائل كانت تعيش بشكل أساسي على الرعي “حياة البداوة” وكان طعامها الأساسي من نتاج المواشي “الإبل والغنم” من لحم ولبن وكانت تأمكل التمر حيث النخل من الأشجار الصحراوية التي لا تحتاج إلى رعاية وخدمة كبيرة من قبل الإنسان. وكانت الأماكن الرئيسية في الحجاز مكة ويثرب مقرا لعمل آخر هو التجارة.

أما مفهوم الصناعة عند العرب –حيث أن الصناعة تحتاج إلى عمل يدوي- فقد كان شبه معدوم عندهم، لأن العمل اليدوي يربط الإنسان بمكان واحد، وقد كان العرب يحتقرون العمل اليدوي للسبب الموضوعي التالي الذي كان سائدا في ذلك الوقت: لقد كان العرب في شبه جزيرتهم في القرن السابع على علم تام بأحوال الدول المجاورة لهم وكانوا يعرفون أن هناك قصورا ومعابد وحلبات سباق ومدرجات رياضية هائلة وعربات، وكانوا يعلمون أن الذي صنع ونفذ كل هذه المنشآت الضخمة كانوا عبيدا يعملون بالسخرة، فارتبطت في ذهن العربي هذه المنشآت والعمل اليدوي بشكل خاص بالعبودية. لذا فقد أنف العربي من العمل اليدوي لارتباطه بالعبودية في ذلك الوقت، حتى أن الصناع المهرة في مكة كانوا من غير العرب.

وإن أهم منشأة عندهم كانت الكعبة المشرفة، وإذا تنظرنا إليها اليوم نراها عبارة عن منشأة بسيطة لا يوجد فيها أي تعقيدات ولا تتطلب مهارات خاصة في إشادتها. لقد ظهرت إيجابية هذا الموقف في أن العرب في معظمهم كانوا أحرارا لا يخضعون إلى أي نظام عبودي منظم له مؤسساته ومنشآته الخاصة وجيشه الخاص في حين أن هذا الوضع كان سائدا في الدول المحيطة بهم وكانوا يعلمون تماما أن هذه الدول كانت متقدمة عليهم من الناحية المدنية، وأقوى منهم من الناحية العسكرية ولكن كانوا يعلمون أن سكانها عبيد، والإنسان عندما يولد عبدا ويعيش عبدا ويموت عبدا وكذلك أبناؤه وأحفاده فإنه يصل إلى نوع من العجز الكامل الذي يعجز فيه عن تحرير نفسه ويستسلم لقدره ويعتاد على لاطاعة المطلقة دون تفكير “تنفيذ الأوامر فقط” ويصل إلى وضع غير قادر فيه على إمساك زمام المبادرة والتفكير حتى بالأوامر الصادرة له بحيث يصبح هذا النمط من العيش هو من سنن الحياة الأساسية عنده. هذا النوع من الناس غير قادر على قيادة أي ثورة لأنه فقد ملكة التفكير الحر والمناقشة “وهذه كانت سنة الأولين وليس الآخرين، والآخرون هنا هم الإنسان العصري بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم”.

هذا المثال واضح في علاقة بني إسرائيل بموسى. إذ وقع على عاتق موسى فقط تخليص بني إسرائيل من الفراعنة ولم يقدم بنو إسرائيل أية مساعدة وسند لموسى لتخليصهم من فرعون {قالوا أُوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} (الأعراف 129). وذلك لأنهم ظلوا مستعبدين عدة قرون من بعد يوسف حتى موسى. وعندما خرج بهم موسى من مصر إلى سيناء رفضوا أن يقاتلوا معه وقالوا له: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} (المائدة 24). هذا هو السبب الأول في أن الرسالة والنبوة جاءت إلى العرب ووقع عليهم هذا العبء المشرف وقد تجلت هذه الحرية في كثرة الشعراء في العصر الجاهلي والتي كانت تلعب دور الصحافة الحرة.

أما السبب الثاني فهو أصالة اللسان العربي: لقد شرحنا في مبحث نشأة الإنسان واللغة أصالة اللسان العربي. إذ أنه حين نزل القرآن كان اللسان العربي قد وصل إلى طور الإبانة “لسان عربي مبين” وقد كان اللسان العربي هو ذلك الوعاء الإنساني الذي حوى مطلق الحقيقة ونسبية الفهم.

أما السبب الثالث: فهو أن خاتم الأنبياء والمرسلين يجب أن يكون في أم القرى “مكة”: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا} (القصص 59).

ولهذا السبب وضع إبراهيم ابنه إسماعيل في أم القرى لأن خاتم الأنبياء والمرسلين يجب أن يكون من سلالة إبراهيم أيضا: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} (العنكبوت 27).

– مفردات قاموس الثورة النبوية “الأصالة الثورية”:

1 – الطرح الأيديولوجي والفلسفي الشمولي للكون والحياة والإنسان. وهذا الطرح جاء في مكة في القرآن حيث أن معظم الآيات التي تبدأ بـ {يا أيها الناس}. هي مكية وهي من هذا الطرح الشمولي، لذا قال عن القرآن أنه {هدى للناس} وعن الكتاب بأنه {هدى للمتقين}. حيث غطى هذا الطرح الوجود كله: الله، الكون، الإنسان، ونظرية المعرفة الإنسانية، أصل الإنسان، الحياة، الموت، الساعة، البعث، اليوم الآخر والحساب والثواب والعقاب، قوانين جدل الطبيعة وجدل الإنسان، قوانين التاريخ، حرية الإنسان “القضاء والقدر”، ونظرية الدولة والشعب والأمة والقومية والأخلاق. لأن أي طرح أيديولوجي وفلسفي لا يمكن أن يكون إلا إنسانيا {يا أيها الناس}.

2 – هذا الطرح الذي جاء في مكة والذي جاء بلسان عربي مبين، والذي فهموه فهما نسبيا حسب أرضيتهم المعرفية واللسانية، وذلك من خلال خاصية التشابه، كان طرحا متقدما على كل ما هو موجود عند العرب وعند غيرهم وذلك في إطار فهمهم النسبي للقرآن ومقارنته مع ما هو موجود فعلا في ذلك العصر. وعلينا نحن الآن أن نفهم القرآن ضمن الأرضية المعرفية السائدة في القرن العشرين ومقارنته مع ما هو موجود وسائد عندنا، فنراه طرحا متقدما على كل ما هو سائد عند العرب والمسلمين.

3 – لقد كان هذا الطرح قويا في مضمونه حسب ما فهموه في ذلك الوقت، لكنه كان ضعيفا في مواجهته المادية مع الخصم إذ كان دون أنصار لأنه كان جديدا كل الجدة على المجتمع السائد.

4 – انطلاقا من هذا الطرح تشكل تنظيم قريب الشبه بما يسمى اليوم بالحزب الطليعي.

5 – كانت بدايات التنظيم الطليعي سرية “مرحلة دار الأرقم بن أبي الأرقم”.

6 – بعد المرحلة السرية انطلق هذا التنظيم إلى العلنية ملتزما التزاما كليا بالنضال السلبي “السلمي”، أي أنه كان يطرح الأفكار ويتلقى الصدمات دون أن يرد على العنف بالعنف المضاد. لذا ففي المواجهات الفكرية العقائيدة كان المشركون يهربون من المسلمين ولا يحبون موجهتهم حتى أنهم سموا محمدا صلى الله عليه وسلم ساحرا سحر شبابهم. أما في المواجهات القتالية فقد كان المسلمون يهربون من المشركين لعجزهم عن المواجهة حتى أنهم كانوا يضطرون للهرب في بعض المواقف “الهجرة إلى الحبشة” علما بنه كان هناك بعض المسلمين الذين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم الرد على العنف بعنف مضاد ولكنهم منعوا من ذلك {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم…} (النساء 77) وذلك لأن الشروط الموضوعية لتلك الفترة لم تكن تسمح بذلك.

7 – لقد استعمل أعداء الطرح الجديد (الملأ) كل أساليب القمع والتعذيب الجسدي والنفسي وكانت قمة المواجهة السلبية هي الحصار الاقتصادي حيث تم هذا الحصار في شعب أبي طالب لمدة ثلاث سنوات ولم يستطع المسلمون مواجهته إلا بالصبر والإيمان بقضيتهم حيث لم يستطيعوا الحصول على الطعام إلا بالمساعدة السرية من بعض أصدقائهم من مكة. وهذا السلاح مازال موجودا حتى يومنا هذا وفعالا ولا يمكن مواجهته إلا بالصبر والإيمان بالقضية التي حوصر الناس من أجلها.

8 – لقد استعمل التنظيم الجديد في دعوته كل الوسائل المتوفرة في عالم الحقيقة آنذاك فكان النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون يذهبون لدعوة الناس ومجابهتهم ومناقشتهم ضمن كل الأطر المتوفرة آنذاك مثل “دار الندوة” وأسواق العرب مثل “سوق عكاظ” ومواسم الحج. كل هذا مع تفادي الصدام العنيف مع أعدائهم. علما بأنه بعد انتصارهم ألغيت دار الندوة وسوق عكاظ وبقي موسم الحج بعد تعميمه فريضة تعبدية.

9 – اللجوء إلى كل “وسائل الإعلام” الممكنة آنذاك مثل الشعر للرد على وسائل الإعلام المعادية.

10 – اللجوء إلى كل أساليب الخدعة والهرب والتمويه كي يخففوا عنهم ضربات الأعداء مع كل الحفاظ على القيم الأخلاقية فلم يمارسوا السبي وقتل النساء والأطفال والسرقة.

11 – المرونة في المناقشة والطرح “التكتيك” “المواقف السياسية” “صلح الحديبية” مع الصلابة في المواقف العقائدية المبدئية {قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون} (الكافرون 1، 2).

12 – البحث عن أرض ضمن شبه جزيرة العرب يمكن إقامة مجتمع صغير عليها مسيس طبقا للطروحات الجدية، وكانت هذه هي الغاية الأساسية من الهجرة إلى يثرب إذ كان الحصول على الأرض الآمنة وإقامة المجتمع المسيس هو نقطة انعطاف كبرى في مسيرة الثورة. حيث أنه لا ثورة دون أرض ومجتمع مسيس على هذه الأرض.

وفي هذا تكمن نقطة الضعف الكبرى في الثورة الفلسطينية، إذ هي ثورة وطنية بلا أرض، ونرى دائما أنه عندما تحصل هذه الثورة على قطعة أرض ولو كيلومتر مربع واحد تقيم عليها قانونها الخاص نرى أن القوى تتداعى عليها لسلبها هذه القطعة وتقضي على هذا المجتمع المسيس طبقا لقانون الثورة الفلسيطنية.

13 – بعد الحصول على الأرض وإقامة المجتمع المسيس انتقلت الثورة من مرحلة النضال السلبي إلى مرحلة النضال الإيجابي وبدأت الحرب الأ÷لية فعلا وانتشرت حتى سيطرت على شبه جزيرة العرب كلها لإقامة الدولة الواحدة {إذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} (الحج: 39).

14 – كذلك في مرحلة النضال الإيجابي استعملت كل أنواع الخدعة والتمويه مع الحفاظ الكامل على القيم الثورية الإسلامية فلم يقتلوا امرأة أو طفلا أو أعزل من السلاح وحافظوا على عهودهم ووعودهم وأحسنوا معاملة الأسرى. و… و….

15 – عدم إغفال العلاقات الدولية بعد إقامة المجتمع المسيس”رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وهرقل والمقوقس”.

16 – الحفاظ على وحدة أرض شبه جزيرة العرب من الأعداء الخارجيين “غزوة مؤتة، غزوة تبوك” أي بعد انهزام العرب في معركة مؤتة خشي النبي صلى الله عليه وسلم من هجوم الروم على شبه جزيرة العرب، فذهب على رأس جيش بنفسه إلى تبوك.

17 – بداية التشريع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والأحوال الشخصية في المدينة حيث أن الآيات المدنية في معظمها تشريع وتبدأ بقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا} في حين أن الآيات المكية إنسانية تبدأ في معظمها بقوله تعالى: {يا أيها الناس}.

18 – استثمار كل المزايا العربية الإيجابية مثل الكرم والشجاعة وإغاثة الملهوف والعفو عند المقدرة والنزعة إلى الحرية حيث استثمرت إلى أبعد الحدود كل المزايا الإيجابية للقومية العربية “تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا” “صحيح مسلم ج4، 1958”.

19 – الاعتماد على أكثر الناس تحضرا بالنسبة لمجتمع شبه جزيرة العرب “قريش والأنصار” في قيادة العمل الثوري حيث كان المهاجرون “من قريش” والأنصار من “يثرب” هم النواة الأساسية للتنظيم الثوري، ولا عجب بأنهم كانوا القادة السياسيين والعسكريين للدولة وتحت قيادتهم جرت حروب التحرير الكبرى لأنهم كانوا أكفاء عن غيرم فيا لمناورة والتكتيك واتخاذ القرار ضمن الالتزام العقائدي الكامل، إذ أنهم عاصروا الرسول صلى الله عليه وسلم من أو الأيام دعوته حتى وفاته وكانوا هم ذراعه الأيمن ومستشاريه في جميع الأمور التي لا تتعلق بالوحي.

20 – التفريق في القيمة بين القيادات وعامة الناس والتسوية في العاملة {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} (الحجرات 14). هذه النقطة الخطيرة التي يمكن أن تقع فيها أكبر الثورات وتعتبر من نقاط المقتل في العمل لثوري. أي أنا لسابقين في الإسلام والذين تحملوا أقسى أنواع المشاق والموثوقين في التزامهم العقائدي والذين يقال عنهم الآن القيادة السياسية هم أعلى في القيمة من الناس العاديين الذين دخلوا الإسلام بعد فتح مكة {إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} (النصر 1، 2) ولكنهم متساوون مع الناس العاديين في الحقوق وأحكام القانون.

21 – السلطة السياسية هي على سلطة في الدولة. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في الأمور التي لا تتعلق بالوحي هو القائد السياسي وهو رأس القضاء، ولكنه لم يتول القيادة العسكرية إلا في الأمور الكبيرة “كقائد أعلى للجيش”. هذه السنة التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم والتي تشربها الصحابة والعرب معهم وهي أن القيادة السياية هي أعلى سلطة في الدولة وإليها ترجع القرارات الاستراتيجية “العسكرية والمدنية وتقدير المواقف” كانت هذه السنة واضحة أشد الوضوح بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وهذه السنة تتمثل في الأمور التالية:

أ‌ – إن السلطة السياسية يجب أن تكون من أناس لهم ماض معروف وملتزمين وليسوا نكرات أي أنهم مارسوا النضال والقيادة قبل الوصول إلى هرم السلطة وهذا واضح في الخلفاء الراشدين والقواد العسكريين والمستشارين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إذ كانوا من المهاجرين والأنصار.

ب‌ – إن القيادات العسكرية كانت خاضعة خضوعا كاملا ومطلقا للقيادة السياسية حتى أن هذا الأمر كان طبيعيا جدا عند العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. مثال على ذلك عزل عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد عن قيادة الجيش وتولية أبي عبيدة بن الجراح. وأمر الخليفة أبي بكر لخالد بن الوليد بترك العراق والذهاب إلى الشام. ومحاكمة خالد بن الوليد من أجل صرف المال دون أن تشفع له كل أمجاده العسكرية.

وقد استمرت هذه الظاهرة حتى أوائل العهد العباسي حيث كان الخليفة الأموي هو رأس السلطة السياسية الفعلي وكان القواد العسكريون ملتزمين بكل قراراته دون أي مخالفة “قتيبة بن مسلم الباهلي” “موسى بن نصير” ولم تضعف الدولة العربية الإسلامية إلا حين انعكس الأمر أي حين أصبح الخليفة الذي هو رأس السلطة السياسية يعين من قبلا لقادة العسكريين الذين سيتحكمون بالتالي بجميع القرارات والاتجاهات الكبرى للدولة.

ج – إن القرارات التكتيكية متروكة للقادة العسكريين أنفسهم دون تدخل السلطة السياسية بأحداث المعارك أو توزيع الفرق والألوية ومواضع مبيتها وأوقات تنقلاتها.

22 – بعد وفاة الرسول مباشرة فصل القضاء عن السلطة السياسية فحتى حين تولى أبو بكر الخلافة كان القضاء من مهام عمر بن الخطاب. ونلاحظ هنا أن أهمية القضاء تأتي بالمرتبة الثانية بعد رئاسة الدولة بالنسبة للسلطة السياسية وقد تطور هذا المفهوم بعد ذلك بظهورا لفقه حيث كان الفقهاء يمثلون السلطة التشريعية “اللوائح القانونية” ومن هنا نرى أن الأوائل من الفقهاء كان لهم دور رئيسي في قيادة الدولة من الناحية التشريعية وقد كان الفقهاء الخمسة منارات هدى مضيئة ناصعة عظيمة في الحضارة العربية الإسلامية ولكنهم اجتهدوا لمجتمعهم ولم يجتهدوا لنا وإنما تكمن مشكلتنا الآن في استمرارية الاعتماد عليهم.

إلا أنه بعد عصر الفقهاء الخمسة أدى الفقهاء اللاحقون وخاصة مع بداية عصور الانحطاط دور تحنيط التشريع ودور تجميد الفكر والحؤول دون تحركه ونشاطه.

23 – وجود المرجع المعرفي والأخلاقي والجمالي الواحد لكل من السلطة والناس وهذا مما أتاح الجو لبداية بذور الديموقراطية السياسية حيث كان أي إنسان من الناس ذكرا كان أم أنثى له الجرأة في سؤال الخليفة عن سلوك ما، ولولا وجود المرجع لما حصل هذا لأن الديموقراطية لا تقوم دون هذا المرجع.

24 – القضاء قضاء كاملا على نظرية الحق الإلهي للحاكم في الحكم لأن الحاكم ليس خليفة الله المطلق في الأرض وإنما {وأمرهم شورى بينهم} (الشورى 38). لقد وليت عليكم ولست بخيركم” وإنما الإنسان كإنسان هو خليفة الله في الأرض وليس الحاكم. وهكذا نرى أنه لا يوجد في الإسلام رجال دين لتنصيب الملوك والخلفاء لإعطائهم الصفة الشرعية.

25 – مع وجود المرجع المعرفي والأخلاقي والجمالي كانت الخلافات في الرأي بين القيادات لا تصل إلى حد اتهام بعضهم لبعض بالخيانة حتى خلاف علي ومعاوية كان دلا بين إسلام وإسلام وليس بين إسلام وجاهلية حيث كانت تجمعهم القضية العربية الإسلامية.

ولا يهولنك ما كانوا يتنابذون به من ألفاظ تحس فيها جفاء وغلظة فنحن نسمع اليوم في أبهاء المجالس النيابية في أرقى دول العالم بل في أبهاء الأمم المتحدة منابذات ومهاترات أشد وألذع كثيرا.

26 – إعطاء المرأة حقوقها طبقا للظروف الموضوعية السائدة وسبة إلى العالم المحيط بها وذلك يعتبر بداية تحرير المرأة حيث ما حصل للمرأة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم هو بداية التحرير وليس التحرير بكامله.

27 – بداية التغير في العلاقات الإنتاجية. هذه النقطة من أهم نقاط بحثنا، وتعتبر نقطة حاسمة في السلوك الاقتصادي الثوري وهو أنه لا يجوز إحداث تغيير مفاجئ في العلاقات الإنتاجية وفي وسائل الإنتاج. هذه النقطة التي اسغلها اليسار الطفولي وهي: لماذا لم يأت التشريع الإسلامي في القرن السابع على تحرير كامل ونهائي للرق وإنهاء هذه المشكلة وإنما بدأ بحلها؟ جواب هذا السؤال تم اكتشافه في القرن العشرين فقط وهو أن غحداث تغييرات مفاجئة في وسائل الإنتاج والعلاقات الإنتاجية يؤدي إلى ك وارث قد تقصم ظهر الدولة. وكان الرق هو العمود الفقري للإنتاج.

ثم تأتي العمالة بعد ذلك لتحل محل الرق. فالحل الأخلاقي فيا لرق كان ضروريا، والاقتصادي كان متدرجا. وقد حدث الحل الجذري للرق في عام 1860 في أمريكا فنتج عن ذلك حرب أهلية كادت أن تفتت الدولة علما بأن هذا الحدث حصل بعد ما يزيد على 12 قرنا من ظهور الإسلام “القرن الثالث عشر الهجري”.

أما الحلول الجذرية فيمكن اتخاذها فيما يتعلق بينية الدولة وفي إدارتها وفي سياستها بشكل خاص لأن من مهمات الثورة بعد مرحلة نجاحها وتسييس المجتمع، التنظير لتطوير مفاهيم المجتمع وفق الظروف الموضوعية المستجدة والتناقضات الجديدة وعلاقات التأثير والتاثر المتبادل الجديدة وذلك لخلق حركة دفع دائمة التطور حفاظا على عجلة التقدم في المجتمع، ولتحاشي النكسات والتجمد والتحجر، مما يبرر الضرورة الدائمة للتغيير فيا لبنية والإدارة والتشريع وحل التناقضات الجديدة التي لا تنتهي أبدا والشورى “الديموقراطية” وحرية التعبير عن الرأي هي أساس الأسس في هذا التطور.

28 – الالتزام الكامل بالوعود التي تقطعها الثورة للناس وعدم النكال بها “أي تطابق الأقوال والأفعال”.

29 – إبرام معاهدات مرحلية من أجل الوصول إلى الهدف الأساسي وخفض عدد الأعداء إلى الحد الأدنى “معاهدة النبي مع يهود يثرب لأن المعركة الأساسية كانت مع مشركي العرب” “صلح الحديبية”.

30 – اعتبار القتال آخر حل يمكن اللجوء إليه، وفي حال وجود حلول أخرى لكسب المعركة فإنها هي التي تتبنى “المؤلفة قلوبهم”.

31 – ممارسة الديموقراطية “الشورى” في كل أبعادها الممكنة في ذاك الوقت في الأمور التي لا تتعلق بالوحي {وأمرهم شورى بينهم} (الشورى 38)، {وشاورهم في الأمر} (آل عمران 159). حيث أن عقيدة التسبيح “التطور” في الوجود والحركة بين الحدود في التشريع هي أساس الوحدة الوطنية التي تحتمل الديموقراطية في المعرفة وفي التشريع.

32 – عدم اللجوء إلى الإجراءات الانتقامية عند النصر والتمكن من العدو، لأن الدول لا تبنى على الحقد والانتقام {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} (النحل 126).

ونرى هذا في أن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عمن آذاه في حال الإمكانية.

33 – صياغة مفاهيم وطنية تأخذ كل إيجابيات القومية العربية في الجاهلية مضافا إليها مفاهيم الإسلام في العقيدة والمعاملة والأخلاق.

34 – إعطاء كل الشخصيات القيادية أبعادها الكاملة في القيادة والقرار حيث أنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت القيادات كلها مهيأة للقيادة السياسية والعسكرية.

وهكذا نفهم قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} (الأحزاب 21). فالأسوة الحسنة هي اتباع مهج النبي صلى الله عليه وسلم في تطبيق أحكام الكتاب حسب الزمان والمكان حيث كان هو الأسوة في هذا المنهج الذي حول التعليمات الإلهية المطلقة إلى واقع موضوعي في عالم النسبية.

الفرع الثالث: جمع الحديث وتدوينه وفهمه

لنناقش الآن لماذا تم التأكيد الكبير على حرفية الحديث حيث أن الفقهاء الأربعة ظهروا في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة (الشافعي ولد عام 150هـ). والفقهاء الأربعة ظهروا في أوائل العصر العباسي، وكذلك المحدثون (البخاري ولد عام 196هـ).

إن السبب الأساسي لجمع الحديث أولا وللتأكيد عليه ثانيا هو سبب سياسي بحت. تولد عنه منطلق فكري عقائدي بعد سقوط دولة الخلفاء الراشدين وظهور الدولة الأموية، ظهرت فرق في الإسلام كلها ذات منشأ سياسي، وكان هذا المنشأ بحاجة إلى أرضية أيديولوجية “الشيعة، الخوارج” وظهرت بداية تيارات فكرية فلسفية مثل الجهمية والقدرية والمرجئة. هذه التيارات حاولت تبني الفهم الفلسفي للقرآن وللرسالة.

هذا الفهم الذي كان بعيدا عن العرب في حياتهم البدوية ضمن ظروفهم في شبه جزيرة العرب حيث كانوا أبعد الناس عن الفلسفة والفهم الفلسفي. وكان الصحابة جزءا من هؤلاء العرب. إن المشكلة الكبرى التي ما زلنا نعيشها إلى اليوم بسبب تكريس مفهوم الحديث – أي حديث – والتأكيد عليه، تكمن فيما يلي:

هل نحن أفهم من الصحابة في فهم الكتاب؟؟ فيا لجواب على هذا السؤال يجب أن نكون جريئين في الحق بدون خوف. الجواب هو نعم ولا في آن واحد.

فالجواب نعم: نحن على يقين بأننا في أواخر القرن العشرين في مشاكلنا المعاصرة والتي لا يعرف الصحابة عنها شيئا. وبوجود الكتاب الذي لا ريب فيه بين أيدينا، قادرون على نقله من عالم المطلق إلى عالم النسبية الذي نعيشه نحن وقادرون أن نتحرك ضمن الحدود بشكل يتناسب مع عصرنا، وفي هذا نحن أقدر منهم وليس منا لضروري أبدا الاعتماد على أقوالهم وتحريها فوضعنا منهم هو: إن كانت أقوالهم تناسبنا أخذناها، وإن كانت لا تناسبنا تركناها.

والجواب لا: لأنهم فهموا الإسلام حسب شروطهم وروفهم أفضل من فهمنا التاريخي للإسلام وهو متفاعل مع ظروف القرن السابع في شبه جزيرة العرب.

إن المغالطة الكبرى هي أننا نريد أن نفهم الإسلام فنرجع من القرن العشرين إلى القرن السابع في طريقة تفكيرنا. أي أننا نريد أن نفكر كما فكروا هم وهذا مستحيل. ثم بعد ذلك ننتقل من القرن السابع إلى القرن العشرين لنقدم إسلام القرن السابع في القرن العشرين. في هذه العملية يتم تشويه التاريخ والتطور والزمان والمكان. وينتج لدينا إسلام خيالي يعيش في فراغ خارج التاريخ ودين لا علاقة له بالحياة بل خارج الحياة. هذه العملية إن لم ننتبه إليها ونصححها فلا أمل في تقدم المسلمين والخروج من مأزقهم.

والخروج من المأزق هو استيعاب السنة بمفهومها الحقيقي “الأسوة الحسنة للرسول”: “بعثت بالحنيفية السمحة ومن خالف سنتي فليس مني” وهو أننا يجب أن نكون واثقين من أنفسنا ونقول إننا في القرن العشرين قادرون على تحويل القرآن من مطلق إلى نسبي كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم “وليس عين ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم” وكما فعل أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وليس عين ما فعلاه لأنهما فهما هذه الحقيقة. وإذا كان هناك أمور في صدر الإسلام نعتبرها مفيدة اليوم أخذناها، وإذا كانت لا تفيدنا تركناها دون حرج. ونحن قادرون أيضا على أن نتحرك ونجتهد ضمن حدود الله ورسوله في الأمور التي وردت في الكتاب، وقادرون على أن نضع حدوداً في الأمور الأخرى كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

هذا الكلام يجب أن لا يفهم على أننا نكيل الاتهامات لهم أو نقلل من قدرهم وعظمتهم “لا سمح الله”.

ولكن يجب علينا أن نعطيهم قيمتهم التاريخية النسبية دون أن نضعهم في المطلق.

فإذا سألني سائل الآن “ألا يسعك ما وسع الصحابة في فهم الكتاب والقرآن”؟ فجوابي بكل جرأة ويقين هو: كلا لا يسعني ما وسعهم لأن أرضيتي العلمية تختلف عن أرضيتهم. ومناهج البحث العلمي عندي تختلف عنهم. وأعيش في عصر مختلف تماما عن عصرهم. والتحديات التي أواجهها تختلف عن تحدياتهم.

إني أواجه فلسفات قوية ومنيعة دخلت عقر داري، وأواجه تقدما علميا يؤثر على كل حركة وكل قرار أتخذه في حياتي، وأكون متوهما إذا قلت أو قبلت أنه يسعني ما وسعهم.

لقد ظهرت أوائل الحركات الفكرية في العصر الأموي بعد الفتوحات العربية الهائلة حيث تتوجت هذه الحركات في العصر العباسي بظهور المعتزلة أصحاب الفكر الحر حيث طرحوا مسائل لم يطرحها الصحابة بشكل مؤكد ففهمها الفقهاء على أنها خروج عن الإسلام. فظهر هناك تياران أساسيان: التيار الأول ظن أن الإسلام له شكل واحد في فهمه وتطبيقه هو شكله في شبه جزيرة العرب في صدره فقط وأن الصحابة هم خير من فهموا القرآن والكتاب بشكل مطلق، لذا كان هذا التيار بحاجة ماسة وملحة لكل كلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، لا المنهج أي كانوا بحاجة إلى عين كلامه. وتبنى عين الكلام لا يعتبر أسوة وذلك لكي يؤكد ويدعم اتجاه هذا التيار الذي نسميه تيار النقل وقد اعتمد هذا التيار على ناحيتين مهمتين ومازال يستعملها حتى الآن وهما:

أ‌ – العواطف الجياشة النبيلة للمسلمين في حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وقد استغلت هذه العواطف ومازالت تستغل إلى اليوم على صورة لا ترضي النبي صلى الله عليه وسلم.

ب‌ – انعدام البحث العلمي لدى هذا الاتجاه حيث كان البحث العلمي عندهم يعتمد على “هكذا قال عمر” والمشكلة الأساسية عندهم هي قال أم لم يقل أي صدق الرواية. وهكذا ظهر مفهوم علم الحديث وطبقات المحدثين، علما بأنه علينا أن نعي المقولة الأساسية التالية وهي “صدق الخبر لا يعني إطلاقه” أي إذا كان الخبر صادقا فلا يعني أنه مطلق.

هذا التيار نتج عنه أمران في منتهى الخطورة:

1 – وضع حياة النبي صلى الله عليه وسلم في عالم المطلق بينما كانت حياته منسوبة إلى شبه جزيرة العرب في القرن السابع بكل ما أحاطها من معطيات اقتصادية واجتماعية وسياسية.

2 – الإصرار على أن أوامر النبي ونواهيه هي وحي، وأن السنة هي وحي، والوحي دائما من الله، والله مطلق. علما بأن طاعة النبي متصلة بطاعة الله في الحدود “حدود الله” والعبادات والأخلاق “الصراط المستقيم” فقط.

هذان السببان نتج عنهما أننا وقعنا في عمق المزلق المسيحي دون أن ندري حيث أن الديانة المسيحية مرتبطة بشخصية المسيح حصرا. وقد كان كلام المسيح عندهم هو كلام الله، لذا فإننا نرى أن كل الأناجيل على اختلاف أنواعها عبارة عن السيرة الذاتية للسيد المسيح.

والأحاديث هي السيرة الذاتية للنبي صلى الله عليه وسلم، فكما أن هناك عدة أناجيل فهناك عدة كتب للحديث. فلماذا نعيب على المسيحيين أن لديهم عدة نسخ للأناجيل ولا نعيب هذا على أنفسنا في الحديث. تقوم المسيحية على تأييد المسيح، فشعائرهم الدينية مرتبطة بشخصية المسيح: عيد الميلاد، عيد الفصح، حتى القداس هو الحضور الحي للمسيح. فالمسيح بذاته عند النصارى هو الشهادة الإلهية لا الإنجيل.

أما عندنا نحن المسلمين فالشهادة الإلهية هي “الكتاب المنزل” وليس شخصية النبي. ولكن بمفهوم السنة التقليدي الموروث أصبح محمد صلى الله عليه وسلم هو الشهادة الإلهية إلى جانب الكتاب بل أصبح فعليا الحديث النبوي هو المعتمد عليه أكثر من الكتاب في بعض الأحيان.

ولو كان الأمر كذلك لنتج عنه أننا نتهم محمدا صلى الله عليه وسلم دون أن ندري بالتقصير في إبلاغ رسالة ربه، إذ لو كان حديثه وحيا لوجب عليه أن يأمرهم بكتابته كما أمرهم بكتابة الوحي. أما وقد نهاهم فلم يبق إلا احتمال واحد وهو ألا يكون كلامه وحيا فلا حرج عليه في نهيه عن كتابته.

وأما التيار الأساسي الثاني فهو:

تيار العقل:

وقد تمثل في المعتزلة حيث أن الإسلام عندهم تفاعل مع معطيات العصر وتحدياته وأنتج فكرا نيرا حرا نقديا.

وقد انتهت المعركة مع الأسف بانتصار التيار الأول وما زلنا نعيش مآسيها وخيبتها حتى يومنا هذا، حيث أصبح التيار الأول يسمى نفسه أهل السنة والجماعة. وانتصار التيار الأول قتل الفكر الحر النقدي عند الناس مما أدى إلى استسلامهم حيث استلم الفقهاء قيادة الناس تحت عنوان أهل السنة والجماعة، ومات الفكر النقدي. ومنذ ذلك الحين أصبح الفقه والسلطة توأمان بغض النظر عن ماهية هذه السلطة، وطنية أم غير وطنية، عربية أم غير عربية.

هكذا يظهر لماذا كانت الحاجة الملحة إلى علم الحديث حيث تم ظهور علم الحديث في خضم هذه المعركة حتى أصبحت السنة بمفهومها وتعريفها التقليدي الفقهي هي السيف المسلط على رأس كل فكر حر نير ونقدي وأصبح الظن عند المسلمين أن محمد صلى الله عليه وسلم حل كل مشاكل الناس من وفاته إلى أن تقوم الساعة.

أما السبب السياسي البحت وهو أن كل حركة سياسية، الشيعة، السنة، الخوارج…الخ كانت بحاجة إلى أرضية فكرية عقائدية لكي تكسب المؤيدين وتحافظ على استمراريتها مع الزمن، فكان الاعتماد على الحديث هو المرجع الفكري لهذه الفرق السياسية.

ثم هناك نقطة منهجية حول سند الحديث يجب أن لا نغفلها وهو أنه من الناحية التاريخية كان أبو بكر الصديق “رض” أكثر الناس ملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم منذ أول يوم للدعوة وحتى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ولا نجد له في كتب الحديث إلا أحاديث قليلة جدا منسوبة إليه.

في حين نجد العشرات من الأحاديث منسوبة إلى أبي هريرة، وهذا أمر يدعو إلى التساؤل، علما بأن أبا هريرة قدم إلى المدينة في السنة السابعة للهجرة وكان النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر ولبث في المدينة إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، أي أنه عاش مع الرسول صلى الله عليه وسلم مدة ثلاث سنوات فقط، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي عاشوا مع النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك بكثير، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان أبو هريرة يقول “ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض عمر” وكان عمر “

رض” يقول “أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فيما يعمل به” ثم يقول أبو هريرة “أفكنت محدثكم بهذه الأحاديث وعمر حي؟ أما والله لأيقنت أن المخفقة ستباشر ظهري” فإن عمر كان يقول “اشتغلوا بالقرآن فإن القرآن كلام الله” ولهذا لما بعث أبا موسى إلى العراق قال له: “إنك تأتي قوما لهم في مساجدهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فدعهم على ما هم عليه ولا تشغلهم بالأحاديث وأنا شريكك في ذلك” وهذا معروف عن عمر رضي الله عنه “انظر كتاب البداية والنهاية ص 107 لابن كثير”.

الآن لنورد بعض الأمثلة على السنن النبوية التي يمكن أن تفهم في المضمون لا في حرفية النص ونفهمها فهما معاصرا:

1 – السواك: لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل السواك وسيلة لنظافة الفم والأسنان حيث أن السواك مأخوذ من شجر الآراك وهو شجر موجود في شبه جزيرة العرب. فإذا أردنا أن نفهم سنة السواك فهما معاصرا نقول إن السنة النبوية تحض المسلمين على العناية بنظافة الأسنان والفم ضمن الوسائل المتاحة وكان السواك هو الوسيلة المتاحة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فاستعمله. هذه السنة هي درس كبير لنا للعناية بصحتنا.

2 – سنة اللحية واللباس: لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس من لباس العرب حتى إن الذي كان يدخل عليه من العرب وهو جالس مع الناس لأول مرة كان يسأل من منكم محمد. فهذا يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتميز بأي شيء في لباسه ولا ليحته وكان لباسه لباس العرب في حينه، وإطلاق اللحية هو من عادات العرب في حينه. وهكذا نفهم السنة النبوية في اللحية واللباس هي أن على المسلم أن يلبس لباسه القومي وأن يكون هندامه قوميا بدون حرج. لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لباسه وهندامه قوميا وهذه السنة أكبر درس في اشعور القومي.

3 – سنة أكل التمر وشرب الحليب: لقد كان طعام النبي صلى الله عليه وسلم معظمه من التمر والحليب. فإذا نظرنا إلى شبه جزيرة العرب رأينا أن الإنتاج الزراعي الأساسي لها هو التمر وكان العرب يربون الإبل والضأن فكان الحليب هو نتاجها. لذا فإننا نقول ن السنة النبوية من حيث المأكل هي: أنه على المسلم أن يأكل من الطعام الذي تنتجه بلده. هذه السنة إذا فمناها هكذا فهي درس في السلوك الوطني. إما إذا فهمنا السنة على أنها عين التمر والحليب فإنها تصبح شكلا دون مضمون.

4 – {صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته} إن الأهلة مواقيت للناس، وهي التي تحدد دخول الشهر وانتهاءه ومع تطور علوم الفلك أصبح تحديد دخول الشهر وانتهائه غاية في السهولة وفقا لمعطيات العلم الحديث، ولكن النبي عليه السلام لم يكن لديه خيار آخر، إذ لم يكن بالإمكان معرفة دخول الشهر وانتهائه إلا برؤية العين والخيار الواحد لا يفلسف، ومن هنا فإنا لا نرى بأسا في أن تصوم لرؤيته بأية وسيلة أخرى مع العين أو دونها.

إنني أرى أنه يجب إعادة دراسة سلوك النبي وأقواله في غير الحدود والعبادات على هذا النحو وإعطاؤها المضامين المعاصرة الصحيحة والوطنية والقومية والاجتماعية.

إن النتائج التي يمكن أن نستنتجها في فصل السنة هي التالية:

1 – إن السنة هي منهج في تطبيق الكتاب في الحركة بين الحدود أو الوقوف عليها أو وضع الحدود المقابلة لحدود الله أو وضع حدود مرحلية. حيث أن الكتاب يمثل الجانب المطلق الإلهي من الإسلام والسنة تمثل الجانب الإنساني من الإسلام “الاجتهاد”.

2 – علينا إعادة النظر في كتب الحديث ضمن النهج التالي:

أ‌ – تقسم الأحاديث الشريفة إلى أحاديث النبوة وأحاديث الرسالة.

ب‌ – تقسيم أحاديث الرسالة إلى أحاديث ملزمة بالنص والمضمون معا والمتعلق بالعبادات والحدود والأخلاق “الصراط المستقيم” وأحاديث ملزمة بالمنهج فقط مثل أحاديث التعاريف أي علينا أن نعرف السارق قبل قطع اليد لأن النبي عرفه، والإلزام علينا هو التعريف لا عين التعريف.

ت‌ – علينا تبيان أن أحاديث النبوة ليس لها علاقة بالحلال والحرام.

ث‌ – علينا إعادة النظر في تنقيح الأحاديث المتعلقة بالغيبيات على ضوء الفهم الحديث للقرآن.

ج‌ – علينا اعتبار كل الأحاديث المتعلقة بالحلال والحرام والحدود، التي لم يرد نص فيها في الكتاب على أنها أحاديث مرحلية مثل الغناء والموسيقى والتصوير واعتبارها أحاديث قيلت في حينها حسبا لظروف السائدة، وعلينا أيضا اعتبار كل أحاديث الغيبيات التي لا تنطبق مع القرآن مثل عذاب القبر والروح على أنها سر الحياة على أنها أحاديث ضعيفة أو موضوعة وعدم الأخذ بها.

3 – علينا أن نعيد النظر في كيفية حبنا للنبي صلى الله عليه وسلم. إن أكبر حب يمكن أن نحبه للنبي صلى الله عليه وسلم هو إرجاعه إلى أرض الواقع على أنه إنسان يوحى إليه ولد من امرأة قرشية كانت تأكل القديد، وأنه عاش حياته في شبه جزيرة العرب بكل أبعادها بعيدا عن الأوهام والفرضيات.

وعلينا أن نبتعد عن إدخاله في عالم المطلق كقولنا “أول خلق الله” و”نور عرش الله” “قبض الله قبضة من نوره وقال لها كوني محمدا” إن كل هذه الأوهام التي نضع من خلالها النبي في عالم المطلق لا تفيدنا بشيء إلا بالخيبة والتخدير. لقد وضع المتصوفة النبي صلى الله عليه وسلم في عالم المطلق من حيث الوجود ووضعه الفقهاء في عالم المطلق من حيث التشريع، فحولوا بذلك الإسلام ورسول الله إلى خرافة من حيث الوجود وإلى تحجر وتزمت من حيث التشريع.

(1) تعليقات

اترك تعليقاً