الفصل الرابع: إعجاز القرآن وتأويله

1 – التحذير من كتابه الكتاب بأيديهم ونسبته إلى الله، والتحدي بأن يأتوا بمثل هذا القرآن

إن بداية القول في إعجاز القرآن تأتي من موازنة الآيتين التاليتين وهما:

  • {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويلٌ لهم مما يكسبون} (البقرة 79).
  • {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً} (الإسراء 88).

ففي الآية الأولى يحذر الله الناس أن يكتبوا الكتاب بأيديهم ويقولوا هذا من عند الله. وفي الآية الثانية يتحدى الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن.

الآن لنناقش الأمور التالية:

1 – إذا كان المقصود بالكتابة الخط، والخط يكون باليد {يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله}، فهذا يعني أن المقصود في هذه الآية هم كتبة الوحي فقد خطوا الكتاب وقالوا هذا من عند الله وبالتالي فالويل كل الويل لكتبة الوحي.

2 – أما إذا كان المقصود بالكتابة إضافة أحكام فقط إلى الكتاب.

وحصل مثل هذا الأمر فعلاً عند اليهود حيث أضافوا اجتهادات أحبارهم إلى الكتاب، وقد شرحنا أن الكتاب عند موسى وعيسى هو التشيع فقط “الرسالة” وهذا أمر ممكن الوقوع فيه وغير مستحيل لذا تم التحذير منه فعلاً.

3 – إذا كان الكتاب هو المصحف كما يعتقد الناس فكيف يحذرهم مرة ويتحداهم مرة أخرى؟ “هذا تناقض كبير جداً”، ولكن إذا كان التحذير لشيء والتحدي لشيء آخر توضع الأمور في نصابها، حيث أن التحذير للتشريع “الرسالة” والتحدي للقرآن “النبوة”. فالله سبحانه وتعالى يحذر الناس من أمر لا يعجزون عنه، ويتحداهم بأمر يعجزون عنه. هكذا فقط يجب أن نفهم التحذير من أمر غير معجز والتحدي لأمر معجز.

لنبحث الآن في التحذير والتحدي، كحل على حده:

أ- التحذير:

لقد جاء التحذير من كتابة الكتاب ونسبة الكتاب إلى الله. فحتى توضع الأمور في نصابها نفهم هذا التحذير كالتالي:

1 – إن الأحكام من الكتاب ولست من القرآن وهي الكتاب بالسنة لموسى وعيسى ولا يوجد فيها أي إعجاز، فلا يجوز للإنسان أن يسن تشريعاً مثل قانون السير أو قانون الجامعات أو قانون الجمارك ثم ينسب هذا التشريع إلى الله وهذا ما يؤكد أنه لا يوجد حق لأحد في أن يصدر أحكاماً ويعطيها صفة الألوهية وإنما هي فقط اجتهاد متطور حسب الظروف الموضوعية التاريخية له الصفة الحنيفية غير الثابتة هدفه اليسر لا العسر. وقد جاء هذا التحذير حيث أن اليهود مارسوا هذا النوع من التزوير في الأحكام “الكتاب” لذا قال {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم}.

2 – لا يجوز أن تدمج اجتهادات النبي صلى الله عليه وسلم واجتهادات الفقهاء في الكتاب وجعلها جزءاً منه.

3 – لا يجوز تغيير ترتيب آيات الكتاب من حيث الترتيب والعدد التي وردت فيه فمثلاً جاءت الوصايا في سورة الأنعام تحت رقم 151-152-153، فلا يجوز وضعها في سورة أخرى أو في مكان آخر في نفس السورة.

4 – لا يجوز وضع تأويل الآيات بالنسبة للقرآن والفقه في الأحكام بديلاً للنص بالإلزام حيث أن التأويل دائماً يحمل مفهوم النسبية في المعرفة والفقه يحمل مفهوم الضرورة المرحلية الحنيفية.

لنسأل الآن: هل هناك تحذيرات أخرى حذر رب العالمين الناس من القيام بها وهي ضمن إمكانياتهم؟ الجواب: نعم هناك تحذيران خطيران جداً وهما:

– التحذير الأول: عندما يؤول القرآن وهو الآيات المتشابهات فيمكن أن يستنتج من هذا التأويل نظريات فلسفية وحقائق علمية موضوعية تفيد الناس جميعهم “كل الناس” وليس المؤمنين فقط. هذه الاستنتاجات يتحقق منها فوائد علمية وعملية للناس وهذا التأويل يحصل من بعد نزول القرآن لا حين نزوله أي أن هذا التأويل سيحصل بعد النبي لا في عهده. فقد حذرنا الله تحذيراً شديداً من كتمان هذه الحقائق والنظريات وما ينتج عنها من فوائد علمية وعملية وقد ورد هذا التحذير في قوله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} (البقرة 159) لاحظ قوله “البينات” ويقصد بها الآيات البينات لذا قال “في الكتاب” حيث أنه في الكتاب يوجد آيات أخرى غير الآيات البينات وهي آيات الرسالة. هذه الظاهرة حصلت في تاريخنا عند المتصوفة في مراتب المعرفة في قولهم القطب الفلاني والعالم الرباني قدس الله سره.

فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: أية أسرار هذه؟ فهناك احتمالان: الأول أن يكون عندهم فعلاً أسرار وكتموها فبذلك يكون قد دخلوا تحت بند يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. والاحتمال الثاني وهو الأرجح أنه لا يوجد أي أسرار لديهم وهذه الأسرار ليست أكثر من وهم وخرافة. وبهذه الحالة الوهم والخرافة لا يحملان أي قدسية. ثم إن هؤلاء العلماء الربانيين ماذا قدموا للناس وبأي شيء أفادوا الناس؟ الجواب: لا شيء سوى الوهم.

أما العلماء الربانيون الحقيقيون فقد قدموا للناس البنج والمحرك البخاري والعمليات الجراحية والأدوية ووسائل الاتصال والمراكب البحرية والحاسبات الإلكترونية وكل ما تنعم به الإنسانية من نعم من نتاج هؤلاء العلماء الربانين، ولكن هؤلاء العلماء نشروا معارفهم للناس واستفاد كل الناس منها عملياً وعلمياً ولم يكتموها عن أحد لذلك لا ينطبق عليهم قوله تعالى: {يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون}. وهؤلاء العلماء الربانيون الحقيقون هم من الخاصة ولكن لم يقولوا: إن هذه المعلومات هي للخاصة فقط، بل أسسوا الجامعات ونشروها بين الناس، وهي متوفرة لمن أرادها، ويكفي أن يكون عند العامة رغبة في التعلم ليتعلموها لأنها منشورة في الكتب والصحف والجامعات، والحصول عليها يحتاج إلى أن يفتح الإنسان عينيه وعقله لا أن يغمضهما ويقول “الله، الله، الله” لتشرق عليه الأنوار الربانية.

– التحذير الثاني: جاء في قوله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيام ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} (البقرة 174). فإذا كان التحذير الأول جاء حول كتمان الآيات البينات من الذين يفهمونها لقوله “ما أنزلنا” والإنزال هو من المدركات فإن التحذير الثاني هو لبقية الآيات التي هي آيات الأحكام والمواعظ والوصايا، أي أن الذين يستنبطون من هذه الآيات أحكاماً يجب عليهم أن يظهروها للناس ولا يكتموها. هذه الآية تبين للمسلمين وجوب وجود منابر فقهية حرة عندهم وعدم التقيد بفقه مذهب من المذاهب بعينه. والفقه هو ظاهرة متطورة مستمرة، وأول من بدأ بالفقه وبالاجتهاد هو النبي صلى الله عليه وسلم وفقهه واجتهاده هو ما نسميه بالسنة النبوية.

حيث أن التقيد بمذهب من المذاهب الفقهية ما هو إلا استبدال المذهب بالنص الأصلي حيث أصبح المذهب الفقهي فيما بعد هو الأساس الذي اختفى النص وراءه. وأصبح الفقه في شرح المذهب لا في شرح النص. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى جاءت الآية لتحذير الفقهاء من فتاوي التبرير، حيث أنهم يفتون لتبرير سلوك ما لشخص ما، بحيث أنهم يظهرون أن هذا السلوك هو عين الإسلام مع أن الإسلام خلاف ذلك، وهم يعلمون ذلك وما أكثرهم في تاريخنا حيث أن هذا التبرير يكون لشخص يتصف بالغنى أو السلطة أو كليهما، إن المهضوم حقه هو الضعيف والفقير فهل هذا من باب الصدفة أو أن النص التشريعي أو القانون هو مع القوي والغني؟؟

ب- التحدي: (الإعجاز):

بعد أن أنهينا التحذير نأتي إلى التحدي. ففي الكتاب أكثر من آية تتحدث عن بالتحدي وهذه الآيات هي:

  • {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً} (الإسراء 88).
  • {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورةٍ مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} (يونس 38).
  • {أم يقولون افتران قل فأتوا بعشر سورٍ مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) (هود 13).
  • {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثلهِ وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} (البقرة 23).

 

2 – السحر والمعجزات

بما أن الإنسان ظهر في هذا الكون بعد وجود الكون والشمس والقمر والكواكب والنجوم وقوانين الطبيعة التي تدخل كلها في عالم المحسوس “عالم الحقيقة” فالحق في القرآن يقسم إلى قسمين: القسم الأول وهو الله {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل} (لقمان 30). والقسم الثاني هو “الموجودات، العالم المادي الموضوعي” وهو عين كلام الله {ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} (الأحقاف 3). فالله والعالم الموضوعي كلاهما حق وموجود خارج الوعي الإنساني، ووجودهما سابق لوجود الإنسان، والمعرفة الإنسانية هي معرفة الله من خلال كلماته “:الموجودات”.

إن معرفة هذا الوجود الحقيقي لله ومعرفة الموجودات التي تؤدي إلى معرفة وجود الله خارج الوعي الإنساني هي التي أخذت طابع التطور. فكلما تقدمت المعارف الإنسانية زادت معرفة الناس بالموجودات، وبالتالي زادت معرفتهم بالله. والقفزات المعرفية التي جاءت من الله للإنسان في النبوات إنما جاءت لهذا الغرض، وهذا قدر من الله قدرة على الإنسان سلفاً، وهو الخروج والابتعاد عن المملكة الحيوانية، فالإنسان عندما وجد على الأرض كان بهيمياً ثم تأنسن، وفي بداية الأنسنة كان بدائياً، فنطر إلى عالم المحسوس الشمس والقمر والأنهار والبرق والرعد وبقية ظواهر الطبيعة التي لها علاقة مباشرة معه ولكنه كان عاجزاً عن أن يعقل هذه الظواهر، بحيث تدخل في عالم المعقول “أي معقولاته”، ولم يستطع أن يضع لها تفسيراً معقولاً، وأثناء هذه المحاولة اختلط عليه الأمر ووقع بالرجس الوثني واتخذها آلهة وبهذا بدأت عبادة مظاهر الطبيعة.

وهذا ما عبر عنه في قصة نوح حيث كان قوم نوح يعبدون ظواهر الطبيعة {ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً * وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً} (نوح 15-16) انظر الفصل الثالث من الباب الرابع من هذا الكتاب. وهذا هو السبب الأساسي في ظهور الأسطورة والخرافة عند كل الشعوب قاطبة وهو المحاولة الخاطئة لتطابق المحسوس مع المعقول أو عقلنة المحسوس. ومع تقدم الزمن وتطور المعارف، أدرك الإنسان أن هناك صفات مختلفة في الطبيعة، مثل الحرارة والبرودة والمطر والفيضان والجفاف، وصفات مختلفة عند الإنسان مثم الخير والشر والبخل والكرم، أي أنه عندما ازداد تمييز الإنسان للأشياء بصفاتها المختلفة لم يستطع أن يدرك أن الصانع واحد، ولم يدرك وحدة الناموس الكوني، فأراد أن يعقلها وذلك بأن ردها إلى آلهة مختلفة الصفات “السمات”.

فهناك إلاه المطر وإلاه الجفاف وإلاه المحاصيل وإلاه الخير لنفع وإلا الشر للضرر والسوء، وهذه المرحلة كانت واضحة في قوم هود بقوله تعالى: {أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} (الأعراف 71). والأسماء من السمات وقوله: {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} (هو 54) فقولهم بعض آلهتنا بسوء تعني بالضرورة أن هناك إلاهاً للخير وآخر للشر أي ظهر التميز “الأسماء” (فسبب ظهور الخرافة هو عدم القدرة على مطابقة المحسوس بالمعقول) وعلى هذا الخطأ لم يؤاخذ الله عباده، بل أرسل إليهم رسلاً منذرين لهم لتصحيح هذا الخطأ وذلك بقوله: {وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون} (الشعراء 208) وقوله {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} (الإسراء 15). وكانت هذه الإنذارات تأتي حسب مدركات ومستويات الإدراك لأهل هذه القرى.

متى يقول إنسان ما عن شيء إنه سحر؟ لنضرب المثال التالي:

إذا أخذ شخص ما صندوقاً خشبياً ووضع بداخله رجلاً ما بحيث يساوي طول الرجل طول الصندوق ثم نشر الصندوق نصفين ورأينا أن الرجل داخل الصندوق لم يمسه أي أذى فنقول عن هذا الإنسان إنه ساحر. قلنا عنه إنه ساحر لأننا لم نستطع أن ندرك “نعقل” كيف نجا الرجل داخل الصندوق. ولكن العملية بالنسبة للرجل الذي قام بعملية النشر أو بالنسبة للرجل الذي كان بداخل الصندوق لا تعتبر سحراً لأنهما يعرفان كيف تمت عملية نشر الصندوق دون إلحاق الأذى بالرجل الذي كان بداخل الصندوق.

فكل شيء يمكن أن يراه الإنسان في عالم المحسوسات ولا يدخل ضمن مستوى معقولاته يصفه بأنه سحر. ومن هنا قال العرب عن القرآن إنه سحر لأنهم سمعوه مادياً ولم يستطيعوا أن يعقلوه حسب معارف وقتهم فقالوا هذا سحر {وإذا تتلى عليهم آياتنا بيناتٍ قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين} (الأحقاف 7).

وفي هذا قال فرعون وقومه عن موسى عندما جاءهم بتسع آيات بينات، وهي العصا واليد وضرب البحر، كل هذه البينات شاهدها الناس حسياً، أي شاهدوا العصا واليد وشق البحر والجراد والقمل والضفادع والطوفان والدم والرجز، شاهدوها ضمن عالم المحسوس ولم يدركوا كيف حدثت هذه الآيات، ولم تدخل ضمن معقولاتهم، لذا قالوا عن موسى إنه ساحر، ولكن سحرة فرعون أنفسهم يدركون معنى السحر في ذلك الوقت، ولما رأوا سحر موسى أدركوا أن هذا أعلى من معقولاتهم هم عن السحر فآمنوا وكان إيمانهم واقعياً تماماً بقولهم {آمنا برب هارون وموسى} (طه 70).

وهكذا يمكن لنا أن نعرّف المعجزات للأنبياء بما يلي: المعجزة عند كل الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم هي تقدم في عالم المحسوس “ظاهرة طبيعية” عن عالم المعقول السائد وقت المعجزة “كشق البحر” ولكنها ليست بحال من الأحوال خروجاً عن قوانين الطبيعة أو خرقاً لها لقوله تعالى: {وما كان لرسولٍ أن يأتي بآيةٍ إلا بإذن الله} (الرعد 38) ودائماً يدخل الأذن ضمن قوانين الطبيعة الصارمة.

أي هي عبارة عن قفزة زمنية إلى الأمام في تطويع قوانين الطبيعة. ولرب سائل يسأل: ألا يعد إحياء المسيح للموتى خرقاً لقانون الطبيعة؟ أقول: ليس بخرق، لأنه يوم القيامة سيبعث الناس جميعاً وهم في عداد الأموات، فما عملية إحياء المسيح للميت إلا قفزة زمنية ترينا إمكانية إحياء الموتى مادياً وهو الذي سيحصل يوم البعث. وكذلك نار إبراهيم عليه السلام فهذا يعني أن النار تحوي صفتين متضادتين في وحدة وهما الحرارة والبرودة، فالصفة الأولى لنا والصفة الثانية جاءت لإبراهيم.

3 – القرآن الكريم معجزة محمد صلى الله عليه وسلم الخالدة

لقد جاءت كل معجزات الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم مادية بحيث أن عالم المحسوس “الظاهرة الطبيعية للمعجزة” سبق عالم المعقول إما بفترة زمنية قصيرة، أو فترة زمنية طويلة الأمد. وذلك لأن الإنسان في مراحل تطوره كان عالم المحسوس المباشر عند أهم من عالم المعقولات أن أن المحسوسات سبقت المجردات المعقولات.

وهذا هو التطور الطبيعي التاريخي للمعرفة الإنسانية لأن المعرفة الإنسانية تبدأ بالإدراك الفؤادي المشخص بحاستي السمع والبصر، ثم تنتقل إلى المجردات. أما بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم فقد كانت معجزة نبوته هي القرآن نفسه أي أن القرآن هو التصديق، وهو النبوة معاً، ولم تأته النبوة والآيات البينات منفصلاً بعضها عن بعض كما كانت بالنسبة لكل الأنبياء النبوة والآيات البينات منفصلاً بعضها عن بعض.

لقد شكل القرآن من الكتاب معظمه، وبما أن محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء فيجب أن تبقى معجزته خالدة، وكلما تقدمت الإنسانية في المعارف والعلوم يظهر إعجاز القرآن بشكل أوضح، فكانت معجزته معاكسة تماماً لمعجزات بقية الأنبياء، وذلك لأن:

1 – نبوة محمد صلى الله عليه وسلم التي هي القرآن والسبع المثاني سبق فيها الطرح المعقول عن المدرك من المحسوس بصياغة متشابهة. فكلما تقدم الزمن تدخل طروحات القرآن ضمن المحسوسات المدركة، وهذا ما يسمى بالتأويل المباشر “أي مطابقة المدرك من المحسوس مع النص”: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} (فصلت 53} {لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون} (الأنعام 67} {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله.. الآية} (يونس 39) وهذا هو السبب الثاني في أنه سمي قرآناً من الاستقراء حيث أن السبب الأول هو المقارنة وهو قرن أحداث الطبيعة بأحداث التاريخ.

لقد قال تعالى {وجعلنا من الماء كل شيءٍ حي} (الأنبياء 30) وعرفنا الآن أن في الكون كله لا يمكن أن يوجد مظهر من مظهر ن مظاهر الحياة دون وجود الماء “الرطوبة” وقال: {كل في فلك يسبحون} (الأنبياء 33) والفلك في اللسان العربي هو الاستدارة كقولنا “فلك ثديا الفتاة” أي استدارا، فكل شيء في هذا الكون من أصغر الجزيئات إلى أكبرها يتحرك ضمن أفلاك أي حركة غير مستقيمة “منحنية”. هذا ما عرفناه الآن ووصفه القرآن قبل أربعة عشر قرناً في عالم المعقولات، والآن أصبح في عالم المحسوسات والمعقولات معاً.

ثم إنه قال: {ومن كل شيءٍ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} (الذاريات 49) وقال {سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنب الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} (يس 36) لقد قال منذ أربعة عش قرناً ووضع في عالم المعقولات أن هذا الكون قائم كله على الأزواج “قانون الزوجية” في كل شيء مطلقاً، في الذي معرفه والذي لا نعرفه، وقد حذرنا من أن ننسى هذه الحقيقة {لعلكم تذكرون} ثم إنه وضع لنا في عالم المعقولات قوانين جدل المتناقضات والأزواج والأَداد. ولهذا سميت آيات النبوة قرآناً من الاستقراء، فمن القرآن نستقرئ النظريات العلمية المادية والتاريخية بالإضافة إلى أنه قرن الحقيقة الموضوعية المادية مع الحقيقة التاريخية. والآن أريد أن أوجه سؤالاً: هل هذا الكلام هو من أساطير الأولين أو من أساطير الآخرين ؟؟!

قد يقول قائل: إن السادة المفسرين وعلماء المسلمين لم يشرحوه هكذا وأقول: هنا يظهر الوجه الثاني من إعجاز القرآن هو:

2 – لقد حوى القرآن الحقيقة المطلقة للوجود بحيث نفهم فهماً نسبياً حسب الأرضية المعرفية للعصر الذي يحاول فهم القرآن فيه. فهو قد حوى الحقيقة المطلقة والفهم النسبي لهذه الحقيقة بآن واحد، وهذا لا يمكن لإنسان أياً كان أن يفعله. فالمطلق عبر عنه مادياً في الصيغة اللغوية المحدثة “الذكر”، فإذا أردنا أن نعرف الأرضية المعرفية للعصر الذي عاش فيه ابن كثير فما علينا إلا أن نقرأ تفسيره وإذا أردنا أن نعرف الأرضية المعرفية لعصر الصحابة فما علينا إلا أن نتتبع تفسيراتهم وعلى رأسهم ابن عباس. فتفسير ابن كثير وغيره يحمل المعرفة النسبية لفهم القرآن لا المعرفة المطلقة، وهذا هو سر الإعجاز الأكبر في القرآن وهو “التشابه”.

3 – أما الوجه الثالث من أوجه الإعجاز فهو أننا نعلم الآن أن هناك نوعين من الصياغة اللغوية هما الصياغة العلمية الموضوعية كصياغة إسحاق نيوتن وآلبرت انشتاين وابن الهيثم لنظرياتهم، وهناك الصياغة الأدبية الخطابية والشعرية الغنية بالصور الفنية كصياغة شكسبير وبوشكين والمتنبي. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل يمكن صياغة نظريات نيوتن وانشتاين وابن سينا وابن الهيثم صياغة كصياغة المتنبي وبوشكين وشكسبير دون أن تؤثر هذه الصياغة على الدقة العلمية ودون أن تكون على حسابها؟ إلى يومنا هذا لم نر هذا النوع من الصياغة وهذا هو الوجه الثالث من الإعجاز.

إن كل ما كتب عن إعجاز القرآن عند السلف إنما يتعلق بالجزء الأدبي من الوجه الثالث للإعجاز أقول إنه لو كحان الإعجاز فقط أدبياً، وافترضنا أنه لا يمكن تقليد صياغة القرآن من الناحية الأدبية الفنية فهذا يعني أن الإعجاز واقع على العرب فقط دون غيرهم لأن الصياغة القرآنية جاءت بلسان العرب. والقرآن نفسه يقول: إنه لو كان المقصود بالإعجاز الصياغة فقط دون المضمون لأمكن للناس صياغة بعض القطع الأدبية التي تشبه القرآن من الناحية الصنعية فقط وهذا ما جاء في قوله: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سورٍ مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} (هود 13) في هذه الآية جاء النوع الأول من التحدي وهو أن يكون الموضوع غير قرآني والصياغة قرآنية.

وهذا ما سماه بالإفتراء، ففي هذه الحالة طلب عشر سور ووضع الإعجاز فيها فيمكن أن نستنتج بالضرورة أن المفتري يمكنه أن يأتي بأقل من عشر سور. فهل هذا الإعجاز واقع على العرب وحدهم أو عليهم وعلى غيرهم؟ الجواب: على العرب وعلى غيرهم من الأقوام لأن المطلوب هو الافتراء من الناس، كلٍّ في لغته، العربي بالعربية والفارسي بالفارسية والإنكليزي بالإنكليزية وهكذا دواليك. فالمطلوب بالضبط هو أن يؤخذ موضوع غير قرآني مفترى. مثال على ذلك قصة حب بين رجل وامرأة أو قانون علمي موضوعي كقانون الجاذبية، وتصاغ هذه القصة أو القانون بشكل قرآني أي أنها يجب أن تحتوي على الشروط التالية:

  1. أن تحوي على القوانين المطلقة للحب بشكل يفهمها كل قارئ حسب وعيه ومداركه عن الحب أي أن تحتوي على علاقة جدلية بين المطلق والنسبي.
  2. أن تكون فيها المعقولات عن الحب تسبق المحسوسات “أي الأخبار عن الحب سبق معلومات الناس عنه”.
  3. أن تصاغ صياغة فنية رفيعة.

هذه الشروط الثلاثة وبشكل خاص الشرطتان الأول والثاني هي التي تسمح بالتأويل. هذه الخاصة نراها جزئياً عند عمالقة الأدب في العالم وليس العلم من أمثال دوستويوفسكي وشكسبير والتنبي حيث أنه على مر الأيام تعاد قراءة هؤلاء الأدباء في ضوء معطيات العصر. وقد يقول قائل:

إنه أمكن لهؤلاء تقليد القرآن بشكل افتراء. أقول: هذا غير صحيح للأسباب التالية:

لقد طلب في حالة الافتراء عشر سور، فإذا فرضنا أن السورة مؤلفة من ثلاث آيات فقط حيث أن أصغر سورة في القرآن مؤلفة من ثلاث آيات فقط، وحيث أن الآية قد تحوي وحدة المعنى، فهذا يعني أن المطلوب هو ثلاثون موضوعاً مفترى، وأن تصاغ صياغة قرآنية على شكل آيات تحتوي الشروط المذكورة أعلاه. فمثلاً أحد المواضيع يمكن أ، يكون في تاريخ مدينة دمشق، يصاغ بشكل طلق لمدينة دمشق، بحيث إذا قرأه بإنسان يراه مطابقاً لمستوى معلوماته التاريخية عن دمشق، وإذا قرأه إنسان بعد خمسين عاماً يراه مطابقاً لمستوى معلوماته الجديد عن مدينة دمشق، وإذا قرأه إنسان بعد مئة عام يراه طابقاً وهكذا “هذا مثال عن القصص والتشابه فيه” هذا ينتج عنه بالضرورة المعقول قبل المحسوس وهو الذي نسميه بالغيبيات.

هذا النوع الأول من الإعجاز الذي طلب فيه عشر سور مفتريات تحتوي على نص على شكل آيات. فإذا سألني سائل ما هي مقومات الآية القرآنية؟ أقول: هي ما يلي:

– تعريف الآية: قبل أن نبدأ بمقومات الآية لنضع تعريفاً لها:

الآية كما جاءت في الكتاب لها معنيان منفصلان:

– المعنى الأول: الآية هي النص اللغوي الموجود بين مواقع النجوم “الفواصل” فنقول: إن سورة البقرة فيها 286 آية. وهذه الآيات تتلى كقوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بيناتٍ} (يونس 15) وقوله: {وأن أتلوا القرآن} (النمل 92) وقوله: {إن الذين يتلون كتاب الله} (فاطر 29) وقوله: {تلك آيات الكتاب المبين} (يوسف 1).

لقد سميت العبارات بين مواقع النجوم آيات في الكتاب كله ولم تسم جملاً، لأن الجملة في العربية هي مجموعة كلمات تعطي معنى مفيداً يمكن الوقوف عليه. أما الآية فتحددها مواقع النجوم أي الفواصل بين الآيات في الكتاب كله، ويجب الانتباه إليها عند التأويل في القرآن أو الاجتهاد في أم الكتاب.

– المعنى الثاني: الآية بمعنى الظاهرة المادية في الطبيعة حيث أن ظواهر الطبيعة تسمى آيات الله وفي هذا المعنى جاءت في قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى تسع آياتٍ بينات} (الإسراء 101) وقوله تعالى: {هذه ناقة الله لكم آيةً} (الأعراف 73) وقوله: {وكأين من آيةٍ في السموات والأرض} (يوسف 105) وقوله: {وجعلناها وابنها آية للعالمين} (الأنبياء 91) وقوله: {ومن آياته أن خلقكم من ترابٍ} (الروم 20).

– المعنى الثالث: الاثنان معاً: الآيات التي تتلى والظواهر المادية وذلك في قوله: {تلك آيات الله نتولها عليك بالحق} (الجاثية 6) حيث كانت قبلها الآيات عن الليل والنهار وتصريف الرياح وخلق الإنسان. لذا فإن مقومات الآية القرآنية المراد تقليدها “الإفتراء” هي:

  1. ثبات الصيغة اللغوية.
  2. حركة المحتوى بشكل يتناسب مع معقولات القارئ العالم وهذا ما يسمى بالتشابه.
  3. أن يكون الموضوع غير تشريعي. حيث أن القرآن لا يحتوي على مواضيع تشريعية.

هذا فيما يتعلق بالسور العشر المفتريات. أما فيما يتعلق بالسورة الواحدة فجاء التحدي على شكلين: الشكل الأول في قوله: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورةٍ مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} (يونس 38). المطلوب في هذا التحدي هو سورة واحدة فيها كل الشروط المذكورة أعلاه وبآية لغة كانت، بحيث يكون الموضوع قرآنياً والصياغة قرآنية وموضوع القرآن هو القوانين المطلقة للطبيعة والتاريخ، فالمطلوب بهذا التحدي صياغة قوانين جدل الطبيعة وجدل التاريخ صياغة جدلية بحيث تفهم هذه الصياغة حسب الأرضية المعرفية للعصر الذي تقرأ فيه.

والشكل الثاني والذي جاء على شكل سورة واحدة هو في قوله تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} (البقرة 23) هذا النوع من التحدي يختلف عن النوع الأول حيث قال {بسورةٍ مثله}. أما هنا فقال: {بسورةٍ من مثله}. هنا يبين حقيقة التنزيل بقوله: {وإن كنتم في ريبٍ مما نزلنا على عبدنا}. وقد شرحت سابقاً معنى التنزيل بأنه نقلة خارج الوعي، والتنزيل بالنسبة للقرآن جاء بعد الإنزال أي أن الصيغة القرآنية صيغت عربية خارج وعي محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الإنزال ثم جاء القرآن من خارج وعي محمد صلى الله عليه وسلم مصاغاً جاهزاً إلى وعيه عن طريق الوحي على مدى ثلاث وعشرين سنة، وهذا هو التنزيل.

فهنا جاءت الآية للذي يشك في التنزيل، وبما أن التنزيل جاء للكتاب ومن ضمنه القرآن وهو أكثر من سورة لذا قال: {سورةٍ من مثله}.. فالذي يعتقد أن القرآن كان من محمد صلى الله عليه وسلم محتوى وصياغة فما عليه إلا أن يحاول أن يأتي من مثل هذا الذي يشك بأنه وحي مع التقيد بالشروط المذكورة سابقاً. لأن كل شيء من صنع الإنسان يمكن أن يتجاوز. وهنا لم يطلب التجاوز وإنما طلب المماثلة التي هي أقل من التجاوز.

أما التحدي الأكبر فهو اجتماع الإنس والجن قاطبة لغاية واحدة وهي الإتيان بمثل هذا القرآن. أي لو جند الإنس والجن علماءهم وأدباءهم ومعاهد أبحاثهم لهذه الغاية فقط فإنهم مع ذلك لا يستطيعون تحقيقها. إنه من الخطأ القول كما قال بعضهم: إنه تحدى العرب بالقرآن، فعندما عجزوا تحداهم بعشر سور، وعندما عجزوا تحداهم بسورة، والخطأ في ذلك أن كل آية من آيات التحدي تمثل نوعاً من التحدي مختلفاً عن الآخر. والتحدي في كل أنواعه لم يكن للعرب وحدهم وإنما كان للناس جميعاً كل في لسانه، وليس من الضروري على غير العربي أن يتعلم العربية لكي يشمله الإعجاز.

4 – قواعد التأويل

{فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب} آخر الآية 7 من سورة آل عمران.

إن أم الكتاب هي الكتاب المحكم وهي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن القرآن والسبع المثاني هما المتشابه وهما نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع تفصيل الكتاب. وبما أن النبوة فيها قوانين الحق والباطل التي تنطبق على كل إنسان، شاء أم أبى، وجاءت بصيغة متشابهة “تغير المحتوى وثبات النص ونسبية الفهم”.

لذا قال: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} حيث أن القرآن {هدى للناس} والكتاب {هدى للمتقين}. فمثلاً إذا قلنا لأكبر ملحد في العالم: إن هذا الكون مبني على جدل داخلي يقوم على صراع تناقضي في اتجاه واحد بين عنصرين مكونين لكل شيء مادي {مخلق وغير مخلقة} {صنوان وغير صنوان}، وعلى جدل خارجي هو جدل تلاؤم الزوجين {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} (الذاريات 49). فسيكون جوابه بالإيجاب مباشرة، فإذا قلنا: هذا القانون العام الكوني هو من القرآن، فسيقول: لا مانع، وإذا قلنا: جاء هذا القانون من الله تصديقاً لأحكام أم الكتاب من صوم وصلاة وعبادات وأحكام.. الخ والتي جاءت من الله أيضاً.

فعندئذٍ سيقول: كلا، أنا أقبل بهذا القانون، ولكن لا أقبل بالصوم. وهنا بيت القصيد في قوله. {فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه} فأحد معاني الزيغ في اللسان العربي هو النقصان، فإذا أعطينا زيداً مئة تفاحة وزاغ في العد فهذا يعني أنه عدها أقل من مائة، وإذا عدها أكثر من مائة فإنه طغى في العد، وقد وضع الله سبحانه وتعالى الزيغ والطغيان من المتضادات بقوله: {ما زاغ البصر وما طغى} (النجم 17).

فبذلك يصبح المعنى: إن الذين يقبلون القرآن ويتبعونه لأنه قوانين موضوعية، ولا يقبلون اتباع أم الكتاب هم ذوو عقول ناقصة لأنهم رفضوا أم الكتاب. لماذا؟ لأن الذي يؤول القرآن ويستنتج منه النظريات والقوانين العلمية والتاريخية ويطبقها لأنها أساس التقدم العلمي والتكنولوجي يفتن الناس، وكلنا يعلم مدى فتنة الناس بالصعود إلى القمر وبالكمبيوتر والتلفاز إّ أ الذين تمكنوا من الصعود إلى القمر واختراع الكمبيوتر وصناعته تمكنوا من فتنة الناس وهذا ما حصل فعلاً.

أما قوله {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم}. فهو: بما أن القرآن حقيقة مطلقة فتأويله الكامل لا يكون إلا من قبل واحد فقط، وهذا الواحد هو الله المطلق. ولهذا قلت: إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم التأويل الكامل للقرآن بكل تفاصيله لأنه يصبح شريكاً لله في مطلق المعرفة. أما معرفة التأويل المتدرج المرحلي فهو من قبل الراسخين في العلم كلهم مجتمعين لا فرادى. وهنا يجب أن نفهم أن الراسخين في العلم هم مجموعة كبار الفلاسفة وعلماء الطبيعة وأصل الإنسان وأصل الكون وعلماء الفضاء وكبار علماء التاريخ مجتمعين.

ولم نشترط لهذا الاجتماع حضور الفقهاء، لأنهم ليسوا معنيين-في رأينا- بهذه الآية، لأنهم أهل أم الكتاب. والراسخون في العلم مجتمعين يؤولون حسب أرضيتهم المعرفية ويستنتجون النظريات الفلسفية والعلمية، ويتقدم التأويل والعلم في كل عصر حتى قيام الساعة، فعند ذلك يتم تأويل كل الآيات التي تتعلق بهذا الكون وهذه الحياة” حيث تصبح هذه الآيات بصائر”. لذا فالراسخون في العلم مجتمعين لا فرادى، وكل حسب اختصاصه يؤولون القرآن بالشكل التالي:

– الحالة الأولى: تحويل بعض الآيات إلى بصائر حية “أي مطابقة مباشرة مع الحقيقة الموضوعية” وهذا أقوى أنواع التأويل، أي التأويل الحسي.

– الحالة الثانية: استنتاج واستقراء لنظريات فلسفية وعلمية بالتأويل وذلك حسب أرضيتهم المعرفية المتوفرة.

من هذا المنطلق نفهم الحالة الأولى التي جاءت في قوله تعالى: {لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون} (الأنعام 67)، والحالة الثانية {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} (فصلت 53). فكل نبأ جاء في القرآن “ومن هنا جاءت كلمة النبوة” له زمن سيستقر فيه، أي يصبح تأويله نهائياً “مبصراً”. أما قوله “ٍسنريهم” فالرؤيا من اختصاص الفؤاد، وهو الإدراك المشخص بالحواس.

إن هؤلاء الراسخين في العلم هم بالضرورة من المؤمنين لأنهم يقولون: {آمنا به كل من عند ربنا} (أم الكتاب والقرآن وتفصيل الكتاب).

فمن هم الراسخون في العلم؟ لقد وضع الكتاب تعريفاً لهم بقوله: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} (العنكبوت 49). هنا نلاحظ التشابه الكبير بقوله {في صدور الذين أوتوا العلم} فالصدر هنا ليس جوف الصدر ولا جوف الرأس “الجمجمة”، وإنما هو كما يقول الشاعر:

ونحن أناس لا توسط بيننا لنا الصدر دون العالمين أو القبر

فالصدر هنا تعني ما نقوله الآن “الصدارة” كأن نقول إن إسحاق نيوتن يحتل مركز الصدارة بني علماء الرياضيات، وإن أينشتاين يحتل مركز الصدارة بين علماء الفيزياء. فالراسخون في العلم هم من الناس الذين يحتلون مكان الصدارة بين العلماء والفلاسفة، وهؤلاء من أمثال “البيروني، الحسن بن الهيثم، بابن رشد، إسحاق نيوتن، أينشتاين، تشارلز داروين، كانت، هيجل”.

وهذا أيضاً نفهم قوله تعالى في سورة الناس: {قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس * من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس} بأن الاستعاذة بالله سبحانه وتعالى من الوسواس الخناس الذي يوسوس في الناس الذين يحتلون مكان الصدارة في مجتمعهم أو في العالم بأسره.

إن النتيجة المباشرة لما قلنا، هي أن كل التفاسير الموجودة بين أيدينا ليست أكثر من تفاسير تاريخية مرحلية للقرآن، أي لها قيمة تاريخية لأنها نتاج أشخاص عاشوا منذ قرون.

قلنا: إن آيات القرآن والسبع المثاني متشابهات، وإن خاصية التشابه هي الفهم النسبي للحقيقة المطلقة والتي عبر عنها بصيغة ثابتة “النص الثابت”. فما هي الشروط التي يجب اتباعها لكي يتم التأويل الآن أو في المستقبل؟

فالتأويل مشتق من “أول” وهذا الفعل من أفعال الأضداد في اللسان العربي فنقول أول الأمر وهو عكس آخره، هذا المعنى الأول وفي هذا المعنى جاء قوله تعالى: {هو الأول والآخر} (الحديد 2). أما المعنى المضاد أي بمعنى آخر الأمر فنقول: إن السرقة تؤول بصاحبها إلى السجن. هنا جاءت بمعنى تنتهي به. فالتأويل هو ما تنتهي إليه الآية” أي ما تؤول إليه” من قانون عقلي نظري أو حقيقة موضوعية مباشرة.

فلدينا الآيات التي جاءت بصيغة نظرية، وعندما نؤولها نستنتج منها قانوناً ينطبق مع العقل والحقيقة أي علينا أن نفهم القاعدتين التاليتين:

أ‌ – أن الوحي لا يناقض الفعل (Revelation does not contradict with reason).

ب‌ – أن الوحي لا يناقض الحقيقة (Revelation does not contradict reality).

ومن هنا ننطلق، إن كل ما أوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم هو من عالم الحقيقة ومن عالم المعقولات حيث لا يوجد شيء في الوجود المادي غير قابل لأن يعقل ولكن هناك عجزاً وقصوراً للعقل، وبالتالي لا يوجد آ]ة من آيات الكتاب غير قابلة أن تعقل الآن أو في المستقبل. فبدلاً من أن نكيل الاتهامات للقرآن بأنه غير قابل أن يعقل من الناس، علينا أن نتهم أنفسنا بالقصور عن فهم آياته.

وفي معنى التأويل جاءت الآيات التالية:

  • {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} (آل عمران 7) أي الراسخون في العلم يعلمون ما هي النظريات والحقائق العلمية التي يمكن استنتاجها من الآية القرآنية، كل حسب اختصاصه وحسب الأرضية المعرفية لعصره. وحيث يمكن استنتاج نظريات علمية جديدة تعتبر قفزات هائلة في المعرفة الإنسانية مثل نظرية النشوء والارتقاء لداروين لأنها تعد نموذجاً حياً ممتازاً للتأويل.
  • {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله} (يونس 39) هنا لاحظ كيف أنهم استعجلوا بتكذيب القرآن ولم يؤول بعد.
  • {وقال يا أبتِ هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً} (يوسف 100).

هذه الآية من سورة يوسف أعطتنا معنيين هامين جداً: المعنى الأول هو معنى التأويل والمعنى الثاني معنى الحق.

ففي المعنى الأول: لقد رأى يوسف في المنام ما رآه، ثم تتالت الأحداث حتى وصله أهله إلى مصر وهو وزير، عندها تحول المنام من مجرد رؤيا في وعي يوسف إلى حقيقة موضوعية مادية خارج وعيه. هذا التحول هو التأويل. وفي المعنى الثاني {جعلها ربي حقاً} أي غير صيرورتها من مجرد رؤيا إلى حقيقة ملموسة خارج وعي يوسف، لذا استعمل كلمة “حقاً”.

فيصبح معنى الآية: قال يا أبت هذا ما انتهت إليه “آلت” رؤياي التي كانت مجرد أفكار في وعيي إلى حقيقة ملموسة خارج وعيي. وهذا أيضاً ما قاله يوسف لصاحبيه في السجن {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله} (يوسف 37) التأويل هنا: ما يأتيهم من رؤيا فيها طعام إلا أخبرهم بما تنتهي به “تؤول” إلى حقيقة موضوعية.

وبما أن القرآن بتأويله الكامل الكلي لا يكون إلا يوم القيامة لأن كل آياته تصبح مبصربة، بما فيها آيات الساعة والصور والبعث والحساب والثواب والعقاب. فقد قال: {يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوهُ من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق.. الآية} (الأعراف 53).

وفي قصة موسى مع العبد الصالح في سورة الكهف نبأه العبد الصالح عما تؤول “ما تنتهي” إليه الأحداث التي قام بها، ولم يستطع موسى الصبر عليها لذا قال له: {سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً} (الكهف 78) وبعد الانتهاء من التأويل قال له: {ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبراً} (الكهف 82).

وفي قوله في سورة الإسراء: {وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خيراً وأحسن تأويلاً} (الإسراء 35) فهنا جاء التأويل بمعنى النهاية تماماً. أي أن إيفاء الكيل والوزن بالقسطاس سؤولان “سينتهيان” بكم إلى الأحسن.

ضوابط التأويل أو قواعده

– القاعدة الأولى:

– التقيد باللسان العربي على الأسس التالية:

أ- إن اللسان العربي لا يحتوي خاصية الترادف، بل بالعكس اللفظة الواحدة يمكن أن يكون لها أكثر من معنى مثل فعل “أمر”.

ب- إن الألفاظ هي خدم المعاني، وأن المعاني هي المالكة سياستها “الجرجاني”.

ج- إن الأساس عند العرب هي المعاني، فإذا حصلوها تساهلوا في العبارة عنا “ابن جني”.

د- لا يفهم أي نص لغوي إلا على نحو يقتضيه العقل والمطابقة الموضوعية أو العقل فقط “الاستقراء” فيما يتعلق بالأمور التي ما تزال في الغيبيات.

هـ- الأخذ بعين الاعتبار أصالة اللسان العربي من حيث أفعال الأضداد في المعاني مثل فعل “عبد” و”خفي”. وأفعال الأضداد في المعاني والأصوات مثل “علق-قلع” “كتب-بتك” “ضاف-فاض” أي ضرورة معرفة فقه اللغة.

– القاعدة الثانية:

فهم الفرق بين الإنزال والتنزيل حيث أن هذا الفرق يعتبر من أسس نظرية المعرفة الإنسانية، أي العلاقة بين الوجود الموضوعي “التنزيل” والوعي الإنساني لهذا الوجود “الإنزال”.

– القاعدة الثالثة:

– الترتيل: {ورتل القرآن ترتيلاً} (المزمل 4):

بما أن مواضيع القرآن متفرقة في السور. فمثلاً موضوع آدم موجود في سورة البقرة والأعراف وطه وسور أخرى. وكذلك قصة نوح موجودة في سورة نوح وهود والأعراف والمؤمنون. وكذلك قصة موسى موجودة في كثير من السور فكيف نفهم هذا الموضوع إذا لم يتم ترتيله؟

والترتيل هنا هو أخذ الآيات المتعلقة بالموضوع الواحد وترتيلها بعضها وراء بعض. والرتل في اللسان العربي هو الصف على نسق معين. ولا يقصد بالترتيل التلاوة ولا التنغيم، كما ذكرنا.

والله سبحانه وتعالى نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم على أرتال بقوله {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملةً واحدةً كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً} (الفرقان 32) أي جاء القرآن إلى النبي صلى الله عليه وسلم على أرتال ولم يأته دفعة واحدة. ونحن الآن نستعملها فنقول رتلاً أحادياً أو ثنائياً. ونقول رتل دبابات “انظر مثالاً عن الترتيل في ترتيل قصتي نوح وهود”.

وهناك موضوع واحد جاء مرتلاً في القرآن هو قصة يوسف التي جاءت كلها دفعة واحدة في سورة واحدة.

إن قاعدة التنزيل هي من قواعد البحث العلمي الحديث ومن دونها لا يمكن لأي بحث علمي أن يعطي أي نتائج إيجابية. فإذا أخذنا دراسة حول موضوع معين يتعلق بالمياه الجوفية مثلاً، فأول شيء نفعله هو جمع المقالات المختلفة التي نشرت في هذا الموضوع، حيث أنه في هذا الجمع يتم إخراج موضوع يحتوي على المعلومات الواردة في كل المقالات المختلفة، وكذلك في مواضيع القرآن يجب علينا إجراء عملية الترتيل. فموضوع خلق الكون أو خلق الإنسان لم يأت في مكان واحد دفعة واحدة كقصة يوسف. فوجب علينا ترتيلها أولاً.

إن قاعدة الترتيل لم تتبع إطلاقاً في التفاسير التاريخية المتوفرة بين أيدينا. وأهم نتيجة نستنتجها من قاعدة الترتيل هي ترجمة الكتاب إلى لغات غير عربية حيث أن الترجمة الحرفية للآيات بالتتالي الموجودة في الكتاب يعتبر ضرباً من ضروب مضيعة الوقت حيث تشوه المعنى. ولكن يمكن ترجمة الكتاب مرتلاً حسب المواضيع الواردة فيه مع شرح هذه المواضيع من قبل أخصائيين وكل موضوع على حدة. فمثلاً يمكن أن نترجم نظرية خلق الكون في القرآن أي نورد آيات الخلق كلها مرتلة ثم نشرح نظرية الخلق. هذه العملية تتطلب جهداً كبيراً جداً من قبل معاهد أبحاث وفريق كبير من العلماء.

إن وظيفة الترتيل تنحصر في فهم القرآن فقط، أما في فهم أم الكتاب فلا حاجة للترتيل، وإنما تلزم المقارنة فقط مثل مقارنة محارم الزينة مع محارم الزواج. فآية المداينة واحدة وآية الوضوء واحدة وكذلك الصوم جاء متتالياً، وآية الإرث وآية المحارم، وآية اجتناب الخمر والميسر وكذلك الوصايا الواردة في سورة الأنعام.

– القاعدة الرابعة:

عدم الوقوع في التعضية لقوله تعالى: {كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} (الحجر 90-91)، فالتعضية جاءت من “عضن” وقد شرحها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله “لا تعضية لوارث” “الزمخشري فعل عضن”.

والتعضية هي قسمة ما لا ينقسم. فإذا ورث ذكران من أبيهما سيفاً وحصاناً وسيارة فالتعضية هي قطع السيف إلى قطعتين وكذلك الحصان والسيارة، وفي هذه الحالة يفقد السيف والحصان والسيارة أية قيمة لها.

والتعضية في القرآن تعني أن الآية القرآنية قد تحمل فكرة متكاملة وحدها أو فقرة من موضوع كامل. وبعد الترتيل مثل آيات آدم وخلق الكون، ونظرية المعرفة الإنسانية فإن جمع كل مواضيعها مع بعضها يخرج الموضوع الكلي كاملاً.

مثال: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون} (يس 80).

– القاعدة الخامسة:

فهم أسرار مواقع النجوم: لقوله تعالى: {فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم * إنه لقرآن كيم} (الواقعة 75-76-77) إن القرآن قوانين لأحداث موضوعية. والموضوع الواحد جاء في عدة آيات “أي قسم إلى عدة آيات” فمثلاً {والفجر * وليالٍ عشر * والشفع والوتر * والليل إذا يسر * هل في ذلك قسم لذي حجر} (الفجر 1-2-3-4-5). لنأخذ الآيات الأربع الأولى: كان من الممكن أن تصاغ كما يلي أي آيتين عوضاً عن الأربع: والفجر وليال عشر* والشفع والوتر والليل إذا يسر)

فإذا أخذنا قاعدة عدم التعضية وهي أن الآية قد تحمل فكرة متكاملة فكانت الفكرة في آية {والفجر} ثم {وليال عشر} فتصبح “والفجر وليال عشر” لذا قال بعد ذلك {هل في ذلك قسم لذي حجر} أي أن ذا التقسيم للآيات مهم جداً لكل ذي حجر.

إن الانتباه لمواقع النجوم في الكتاب كله، وهي الفواصل بين الآيات، لا مواقع النجوم في السماء، هي من مفاتيح تأويل القرآن وفهم آيات الكتاب كله، حيث أن مواقع النجوم جاءت بين آيات الكتاب كله وبالتالي فكل آية من آيات الكتاب تحمل فكرة متكاملة. فإذا نظرنا إلى آيات الكتاب والفواصل بينها رأينا أموراً عجيبة، ويزول العجب إذا فهمنا مبدأ الفكرة المتكاملة.

مقال: {قال إني أشهد الله وأشهدوا أني بريء مما تشركون} (هود 54} {من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون} (هود 55). لاحظ الفاصلة جاءت بعد قوله تعالى “مما تشركون” وأتت الآية بعدها بقوله “من دونه” أي لاحظ موقع الفصل “التنجيم” بين الآية 54 والآية 55 “هود”.

وفي حالة المن والسلوى قال عند التنزيل في سورة طه: {يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى} (طه 80} {كلوا من طيبات ما رزقناكم … الآية} (طه 81).

أما عند الإنزال في نفس موضوع المن والسلوى كما جاء في سورتي الأعراف والبقرة: {وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم} (الأعراف 160). لاحظ هنا عندما قال: {ونزلنا عليكم المن والسلوى} كيف انتهت الآية “تنجيم” وجاءت الآية {كلوا من طيبات ما رزقناكم}. {وأنزلنا عليهم المن والسلوى} جاءت {كلوا من طيبات ما رزقناكم} غير منجمة متصلة دون انقطاع.

مثال آخر قوله تعالى في سورة المؤمنون:

{وأنزلنا من السماء ماءً بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون} (المؤمنون 18). {فأنشانا لكم به جناتٍ من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون} (المؤمنون 19). {وشجرةً تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين} (المؤمنون 20).

– الآية 18: أصل الماء الموجود في الأرض هو من السماء “أي من خارج الأرض” نزل على الأرض واستقر فيها {فأسكناه في الأرض}، وكان يمكن “أن يحصل كما حصل في كواكب أخرى أن يوجد فيها الماء” ثم يذهب إلى الجومرة أخرى لذا قال: {وإنا على ذهابٍ به لقادرون}.

– الآية 19: إن الماء أساس الحياة على الأرض وفي كل مكان وأينما وجدت الحياة فهذا يعني وجود الماء “الرطوبة” فأنشأ بهذا الماء جنات من نخيل وأعناب وما ذكره في هذه الآية هو ما يصلح للطعام الآدمي لذا قال {ومنها تأكلون}.

– الآية 20: معطوفة على الآية 19 ولكنها مفصولة عنها “منجمة” ذكر في هذه الآية شجرة واحدة فقط، وما هي هذه الشجرة لا ندري، ولكننا نقول إنها مهمة جداً لأنها في آية وحدها، ومن المرجح أيضاً أنها لا تصلح للطعام الآدمي لذا قال: {وصبغ للآكلين}.. ولو كانت هذه الشجرة كما يقول بعضهم هي الزيتون لوضعها في الآية 19 الزيتون طعام للآدمي.

هنا نرى أهمية مواقع النجوم وعدم التعضية، لذا قال عن تقسيم القرآن إلى آيات مفصولٍ بعضها عن بعض-وهذا هو عين التنجيم- {فلا أقسم بواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} (الواقعة 75-76). لاحظ مواقع النجوم في هاتين الآيتين، ففعل “أقسم” في الآية الأولى بمعنى القسم “اليمين”. وفي الآية الثانية لفظ “ٌسم” بمعنى التقسيم. لذا تم الفصل بين الآيتين.

مثال آخر: قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم} (العلق 1-5) هنا نلاحظ أهمية مواقع النجوم لفهم الآيات. كان من الممكن أن يقول: اقرأ باسم ربك الذي خلق الإنسان من علق * وأيضاً: الذي علم الإنسان بالقلم. لنأخذ الآيتين لنرى الفرق في المعنى فيما إذا كانتا آيتين أو أية واحدة. ففي قوله {الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم} يكون القلم هو وسيلة التعليم لكل شيء.. الملائكة والإنسان والحيوان والجاد. أي كل شيء أراد الله أن يعلمه، فوسيلة للتعليم هي القلم. هذا معنى الآية {الذي علم بالقلم}. هنا التعليم مطلق لأي شيء.

ثم تأتي الآية التي بعدها {علم الإنسان ما لم يعلم}. فإذا سألنا: بماذا علم الله الإنسان؟ فنقول: بالقلم، أي عندما قال: {علم آدم الأسماء كلها} (البقرة 31) نقول كيف علم الله آدم الأسماء كلها؟ فالجواب بكل تأكيد: بالقلم.

لو جاءت الآيتان بدون تنجيم أي بالشكل: الذي علم الإنسان بالقلم أو: علم الإنسان ما لم يعلم بالقلم. لأصبح المعنى أن القلم هو وسيلة التعليم للإنسان فقط وأن بقية المخلوقات تتعلم بوسيلة أخرى غير القلم وهذا غير صحيح. لأن الله يقول إن القلم هو وسيلة التعليم المطلقة. فما هو القلم؟؟! هذا ما سنبحثه في فصل “جدل الإنسان”.

مثال آخر: قوله تعالى: {خلقكم من نفسٍ واحدةٍ ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلقٍ في ظلماتٍ ثلاثٍ ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون} (الزمر 6). هذه الآية تحمل فكرة متكاملة. فالفكرة هي تاريخ خلق البشر ومراحل تطوره حتى أصبح الشكل الذي نراه عليه الآن. وهذا الموضوع لا يمكن فهمه وإخراج نظرية نشوء الإنسان على الأرض إلا من خلال الترتيل أولاً. ثم فهم كل آية على حدة لأنها تحوي “حلقة كاملة في نظرية الخلق”.

فلنأخذ هذه الآية على سبيل المثال لنفهم منها حلقة من حلقات وجود البشر على الأرض. تبدأ الآية {خلقكم من نفس واحدةٍ}: أي أن أساس الخلق أحادي دون قانون الزوجية، فعندما وجدت الحياة على الأرض وجدت خلية واحدة تكاثرت عن طريق الانقسام الذاتي لا عن طريق التلاقح الزوجي. وبعد ذلك تطورت وحيدة الخلية هذه لتصبح كثيرة الخلايا مع اختلافها بالنوع لذا قال: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج} (الإنسان 2). وقد مرت الحياة حتى نضج فيها البشر بثلاث مراحل من الخلق “التصميم”: المرحلة الأولى: المرحلة البحرية. المرحلة الثانية: المرحلة البحرية البرية.

المرحلة الثالثة: المرحلة البرية. ففي ثلاث مراحل يوجد ظلمة: الظلمة البحرية، الظلمة البحرية البرية، الظلمة البرية “الرحم”. فحتى وصل الإنسان إلى الشكل الذي نراه عليه الآن مرت الحياة العضوية على الأرض بهذه المراحل الثلاث، فكان الإنسان وليد المرحلة البرية. وفي هذه المرحلة كان التكاثر زوجياً. أي عن طريق اللقاح بين الذكر والأنثى. أي كان الفصل موجوداً بين الذكورة والأنوثة لذا قال: {ثم جعل منها زوجها} والجعل هو التغير في الصيرورة، و”ثم” هي للتعاقب مع التراخي. لذا فإننا نرى أن الجنين في بطن أمه يمر في هذه المراحل الثلاث.

وبما أن الفواصل الفعلية بين هذه المراحل عبر ملايين من السنين قال: {خلقنا من بعد خلق} أي تصميماً من بعد تصميم، ولم يقل خلقاً بعد خلق. والآن يظهر السؤال التالي: متى ظهر البشر حيث ظهر على اسم التطور في المرحلة البرية؟ فيأتي الجواب مباشرة {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} لاحظ قوله “وأنزل” ولم يقل “نزل” أي أن البشر ظهر نوعاً مميزاً بين الأنواع مع ظهور الإبل والبقر والغنم والماعز، فتزامن ظهور البشر مع ظهور الأنعام. فإذا أردنا أن نبحث عن بداية ظهور البشر نوعاً مميزاً على سلم التطور والنشوء، فعلينا أن نبحث في مرحلة ظهور الأنعام على نفس السلم، حيث كانت غذاء له حتى وهو في مرحلته الحيوانية.

إنه من الوهم أن نظن {خلقاً من بعد خلقٍ في ظلماتٍ ثلاثٍ}. أن الظلمات الثلاث هي غشاء الخلاص وغشاء الرحم وغشاء البطن، لأن الجنين عندما يكون في بطن أمه تغلفه ثلاثة أغشية وظلمة واحدة. وليس ثلاثة أغشية وثلاث ظلمات، لأن وجود غشاء واحد يؤدي إلى الظلمة، فإذا وجد خارج هذا الغشاء عدد لا متناه من الأغشية فتبقى الظلمة واحدة، فإذا وجد إنسان ما في غرفة محكمة الإغلاق مظلمة تماماً وكانت هذه الغرفة موجودة داخل غرفة أكبر منها أو غير موجودة، فالظلمة واحدة، فالظلمة لا تعد بعدد الأغشية. ثم تنتهي الآية بقوله: {ذلكم الله ربكم له الملك} هنا جاءت النهاية لتقول لنا: إن هذه الآية من آيات الربوبية بقوله: {ذلكم الله ربكم له الملك} وهي لإثبات الألوهية للعاقل بقوله: {لا إله إلا هو فأنى تصرفون}.

لقد أوردت هذه الأمثلة فقط لشرح المنهج الذي يجب أن يتبع في تأويل القرآن وهو الترتيل والإنزال والتنزيل، والتعضية، ومواقع النجوم. أما الآية فإنها قد تحوي فكرة متكاملة في الكتاب كله لآن كل الكتاب آيات.

– القاعدة السادسة:

– قاعدة تقاطع المعلومات (Cross Examination) تقتضي هذه القاعدة انتفاء أي تناقض بين آيات الكتاب كله في التعليمات وفي التشريعات. فمن هذه القاعدة تم فهم الإنزال والتنزيل حيث تم مقارن ومقاطعة المعلومات الواردة في آيات الإنزال والتنزيل، وتم فهم معناهما بحيث انطبق على الآيات كلها، وتم فهم الفرق بينهما. وكذلك إذا أردنا أن نفهم الآية 31 من سورة النور وهي آية الزينة، فعلينا أن نقاطع المعلومات الواردة فيها مع المعلومات الواردة في آيات المحارم في سورة النساء، وعند ذلك نفهم معنى الزينة بشكل ينطبق مع العقل والواقع، وبشكل لا يناقض بعض الآيات بعضها الآخر.

بعد أن شرحنا قواعد التأويل، نتساءل كيف يمكن أن نطبقها بشكل عملي ونحن على أبواب القرن الحادي والعشرين الميلادي وفي بداية القرن الخامس عشر الهجري؟

نطبق هذه القواعد طبقاً للمنهج التالي:

1 – علينا أن نعتبر أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي حديثاً، وجاءنا الكتاب بالترتيب الذي هو عليه الآن، حيث أن ترتيب الآيات في الكتاب توقيفي. وأن القرآن جاء لنا ولمن بعدنا. هذا إن كنا نعتقد حقيقة لا تشدقاً ونفاقاً أن القرآن صالح لكل زمان ومكان، وأن القرآن حوى الحقيقة المطلقة والفهم النسبي بآن واحد، ونعتقد أن الرسالة صالحة لكل زمان ومكان لسبب آخر غير التشابه.

2 – نستنتج نظرية في المعرفة الإنسانية مباشرة وتصاغ. وصياغة هذه النظرية يعتبر من أهم الأمور إلحاحاً بالنسبة للعرب والمسلمين. وصياغة هذه النظرية هي من اختصاص الفلاسفة.

3 – فهم الآيات القرآنية المراد تأويلها من قبل العلماء، وكل حسب اختصاصه بحيث تصبح ضمن المعقولات أولاً، حيث أن القرآن كله قابل لأن يدخل ضمن المعقولات {إنا جعلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون} (الزخرف 3).

4 – مطابقة ما توصل إليه العلم الموضوعي من انجازات علمية، وكل حسب اختصاصه، وهذا ما نسميه المدرك من عالم المحسوسات مع الفهم العقلاني للآيات المراد تأويلها، أي مطابقة المحسوس بالمعقول مطابقة كاملة مثل كروية الأرض ودورانها وحركة الموجودات وقوانين الجدل. وفي حال المطابقة الجزئية، مثل آيات خلق البشر، فقد تم تأويلها في هيكلها العام من قبل العالم الكبير تشارلز داروين. لكن هذه النظرية غير كاملة لاشتمالها على حلقة مفقودة. ففي هذه الحالة يتم التأويل بتصحيح النظرية إن كان فيها أخطاء وإتمامها إن كان فيها نواقص.

5 – بالنسبة للآيات ذات المواضيع التي لم تدخل حيز العلم الحسي نهائياً، يمكن تأويلها بوضع نظرية تبقى في عالم المعقول مرحلياً، بحيث تنتقل مع الزمن إلى عالم المحسوس. مثال على ذلك قوله تعالى: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكناً ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً} (الفرقان 45). {ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً} (الفرقان 46).

إذا أردنا أن نعقل هذه الآيات نستنتج منها النظرية التالية:

أ‌ – أن الظل له وجود قائم في ذاته ولا علاقة للنور بإيجاده.

ب‌ – أن نور الشمس هو الذي دلنا على الظل، أي أن النور لا يتسبب في إيجاد الظل وإنما يدل عليه دلالة لأن الظل له وجود دون نور.

إنني أعتقد-وأنا لست من علماء الفيزياء- أن علوم الفيزياء حتى يومنا هذا تعتقد أن الظل هو المعلول وأن النور علته، في حين يقول القرآن إن للظل وجوداً ذاتياً منفصل عن النور، ثم جاء النور بعد ذلك ليدلنا عليه فقط. هذه نظرية في الفيزياء، ولا أدري هل علوم الفيزياء الحديثة تقر هذا أو لا تقره؟! فإن كانت لا تقه فيمكن أن يأتي يوم تنقلب فيه بعض الموازين في علم الفيزياء أو كلها، والله أعلم.

6 – تؤول آيات الساعة والصور والبعث واليوم الآخر والجنة والنار بحيث تدخل ضمن عالم المعقولات ويتم تأويلها ضمن نظرية كونية شاملة بحيث تدخل كلها ضمن المعقولات، فبداية الكون يمكن أن تدخل ضمن المعقولات والمحسوسات معاً، أما نهايته فتدخل ضمن نظرية شاملة مع بدايته ضمن المعقولات بحيث تدخل حين قيام هذه الأحداث ضمن المحسوسات. فالتأويل الحسي للساعة هو حدوثها فعلاً. ولكن يمكن أن تؤول تأويلاً عقلياً قبل حدوثها. وعندما تدخل هذه المصطلحات ضمن المحسوسات تتحقق الآية: {يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل بنا بالحق} (الأعراف 53).

7 – علينا أن لا ننسى أن التأويلات التي نؤولها في عهدنا قابلة للتطور أو النقض على مر السنين لأن تأويلات عصرنا تقوم على أساس نسبية معرفتنا للحقيقة. وهذا هو أهم بند علينا أن لا ننساه وعلينا أن نؤكد عليه للأجيال القادمة لكي لا تتحجر ولا تتزمت، ولكي تكون روح المنهج العلمي في البحث عن الحقيقة هي المهيمنة على أجيالنا المقبلة.

8 – علينا أن نسحب القرآن- قبل أن يفوت الأوان- من أيدي السادة الوعاظ المعروفين بالعلماء الأفاضل، أو رجال الدين حيث يجب أن يكون موقف هؤلاء “العلماء الأفاضل” من القرآن هو كموقف العامة تماماً: التسليم، لأن معلوماتهم بالنسبة للقرآن لا تزيد عن معلومات العامة بتاتاً. وإن كان لهؤلاء الناس دور فدورهم وعظي بحت.

5 – نموذج من التأويل-تأويل سورة القدر

في ضوء ما تقدم سنطرح تأويلاً لسورة القدر:

بسم الله الرحمن الرحيم

{إن أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر}.

لقد قلنا: إن الإنزال هو دخول الشيء في عالم المدركات، وهذا إما أن يكون له وجود مسبق غير مدرك فتغير في صيرورته فأصبح مدركاً، وفي هذه الحالة ينطبق عليه فعل الإنزال والجعل معاً، وهذا ما حصل للقرآن دفعة واحدة في ليلة القدر. حيث غير في صيرورته بشكل أصبح قابلاً للإدراك، وفي هذا نقول: إن الإنزال والجعل تلازما في القرآن حيث أن القرآن مخزن في لوح محفوظ وإمام مبين. وهذه الصيغة القابلة للإدراك الإنساني هي الصيغة اللسانية العربية حيث أنها في لفظها الصوتي هي الذكر وفي محتواها المعرفي هي القرآن ولذا قال عن الذكر إنه “محدث”.

الآن لماذا أطلق على الإنزال والجعل قوله {في ليلة القدر} ويفهم منها أنها تحمل طابعاً زمنياً معيناً؟ لنأخذ أولاً مفهوم “القدر” حيث جاءت في اللسان العربي من “قدر” وهي تدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته، يقال “قدره كذا” أي نهايته “ابن فارس م5 ص62”. وبما أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء، والقرآن هو خاتم النبوات، وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصل اللسان العربي إلى مرحلة اللسان العربي المبين فوصل إنزال القرآن إلى مبلغه وغايته.

ثم لنأخذ الآن مفهوم “ليلة” فهل هي الليل؟ فإذا كانت ليلة القدر تعني الليل، فالسؤال في أي ليل هو؟ هل هو ليل مكة أم ليل لوس أنجلوس وكلاهما على الكرة الأرضية؟ حيث يوجد في الكرة الأرضية بشكل مستمر ليل ونهار معاً وعلى هذا لا يستقيم المعنى. إما إذا فهمنا الليل على أنه الظلام كقوله تعالى: {الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور} (الأنعام 1) وقوله: {والفجر * وليالٍ عشر} فهذا يعني أن اللوح المحفوظ والإمام المبين لا يخضعان لمفهوم الليل والنهار ولكن بما أن الظلام في الوجود سبق النور حيث أنه بعد الانفجار الكوني الأول مرت المادة بعدة مراحل للتطور حتى أصبحت شفافة للضوء وظهر النور.

هذا الإنزال حصل في وقت يقابله عندنا في الأرض شهر رمضان ولكن رمضان من أية سنة؟ لا ندري. لذا عندما شرحها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ان صح “العشر الأخير من رمضان” حددها ضمن برهة زمنية ولم يحددها في ليلة بعينها، وهذا كلام دقيق من الناحية العلمية ينطبق على كل الكرة الأرضية. فليلة القدر هي مصطلح يعني صدور أمر رب العالمين بإشهار القرآن بلسان عربي مبين، أي تم إنزال القرآن وجعله عربياً، ففي هذا انتقل إلى صيغة قابلة للإدراك الإنساني، أي أنه لم يعد سراً بل تم اشهاره.

لذا قال: {ليلة القدر خير من ألف شهر} وهنا الشهر لا تعني الشهر الزمني كأن نقول ألف شهر 83 سنة وثلث، أما إذا فهمناها على أنها من الشهرة والإشهار فيتطابق المعنى مع مفهوم الإنزال والجعل وهنا كلمة ألف: إما أن تعني أن اشهار القرآن خير من ألف إشهار آخر حيث قال في سورة الدخان إنه في ليلة القدر تصدر أوامر كثيرة وليس فقط أمر إشهار القرآن وذلك في قوله {إنا أنزلناه في ليلةٍ مباركةٍ إنا كنا منذرين} (الدخان 3).

{فيها يفرق كل أمرٍ حكيم} (الدخان 4). {أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين} (الدخان 5) هنا نلاحظ تسلسل الآيات الثلاث: الإنزال للقرآن وهو النبوة وقد أكد بشكل قاطع أنه في ليلة القدر صدر أمر رب العالمين بالإشهار بقوله {أمراً من عندنا} وبما أن الرسالة بحاجة لنبوة، فقد صدر أمر النبوة من أجل الرسالة. وقد أكد أنه في ليلة القدر تصدر أوامر أخرى كثيرة بقوله: {فيها يفرق كل أمرٍ حكيم} وهكذا تفهم “ألف شهر” أي أمر إشهار القرآن خير من ألف أمر آخر صدر في ليلة القدر أو نفهم ألف شهر؛ “ألف” تعني تأليف الأشياء بعضها مع بعض كأن نقول الأليف والألفة والتأليف. فنفهم “ألف شهر” على أنه إذا جمعت كل الأوامر الأخرى الصادرة من رب العالمين و”تألفت” بعضها مع بعض فإن أمر إشهار القرآن خير منها جميعاً، وأنا أميل إلى هذا المعنى.

وبما أنه صدرت وتصدر أوامر أخرى القرآن خير منها جميعاً، وأنا أميل إلى هذا المعنى. وبما أنه صدرت وتصدر أوامر أخرى في ليلة القدر قال: {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} قارن هذا القول مع قوله {فيها يفرق كل أمرٍ حكيم}. أما فيما يتعلق بالأوامر الأخرى فاستعمل مصطلح التنزيل لا الإنزال. فالإنزال جاء للقرآن وقد حصل مرة واحدة. أما التنزيل فلم ينته حتى يومنا، وبما أن التنزيل نقلة موضوعية خارج المدركات الإنسانية، فالأوامر الحكيمة التي تصدر تنفذ دون أن يعلم الناس بها ودون أن تشهر، أي لا يحصل فيها إنزال كأن يبلغ الله سبحانه وتعالى زيداً من الناس أنه صدر بحقه أمر كذا وكذا.

فوضع الله سبحانه وتعالى ليلة القدر “إشهار القرآن” بمثابة موسم لإصدار بالأوامر كالعفو. الخ. لذا يتوجه الناس بالعبادة والتضرع إلى الله في هذه الليلة. وهذه الحالة موجودة عند الناس الآن، ولله المثل الأعلى، كأن نقول يصدر الرئيس مراسيم بالعفو عن المجرمين بمناسبة يوم الدستور أو العيد الوطني للدولة. ولكن هذه الأوامر تصدر عن رب العالمين كما قلنا بدون إشهار “إنزال” بل تنزيل فقط لذا قال: {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمرٍ}.

أما القول القائل: إنه في ليلة القدر تحصل ظواهر غير طبيعية فيما يتعلق بشروق الشمس أو الأشجار أو مشاهدة ظواهر غريبة فهذا وهم كالخرافة الشائعة التي تقول إن فلاناً شاهد ليلة القدر، أي علينا أن نعلم أ، كل الأوامر الصادرة في ليلة القدر بحق أي إنسان هي أوامر غير قابلة للإشهار ولا يتبلغها أحد. ولكن كل ما نعلمه أن ليلة القدر هي موسم من رب العالمين.

والآن نطرح السؤال التالي: هل ليلة القدر حصلت مرة واحدة وهي عندما أشهر القرآن وجعل عربياً، أم أن هذا الموسم مستمر يتجدد كل سنة في شهر رمضان؟ هذا ما أخبرنا به الله سبحانه وتعالى بقوله: {سلام هي حتى مطلع الفجر}. أي أن هذا الموسم موسم إشهار القرآن سلمه الله لنا وهو سالم يتجدد كل عام ما دام هذا الكون قائماً وسينتهي هذا الموسم بالنفخة الأولى في الصور وقيام الساعة حيث يحصل الانفجار الكوني الثاني ليتشكل على أنقاضه كون جديد فيه البعث والحساب والجنة والنار ولذا قال: {حتى مطلع الفجر}. أما فهم {حتى مطلع الفجر}. على أنه فجر الشمس “الصبح” فهو فهم ساذج، والله أعلم.

6 – استنتاجات في الإعجاز القرآني

ما هي الاستنتاجات التي يمكن أن نستنتجها من مبحث الإعجاز؟

إن الاستنتاج الأساسي الذي يمكن أن نستنتجه من مبحث إعجاز القرآن هو الجواب على السؤال التالي: هل القرآن الكريم يدخل ضمن التراث العربي الإسلامي أم لا يدخل؟ للجواب على هذا السؤال يترتب علينا تعريف التراث.

التراث: لقد تم تعريف التراث في مقدمة الكتاب على أنه النتاج المادي والفكري الذي ورثته مجموعة من الناس عن سلفها بحيث أن هذا النتاج لعب دوراً أساسياً في تكوين شخصية هذه المجموعة وهويتها أي في تكوين عقلها الباطن وسلوكها الظاهر. وهذا الفهم للتراث يعني أن الجزء الأساسي من السلف الذي كون هذا النتاج هو في عداد الأموات.

من هذا المنطلق ننظر إلى القرآن، فالذي أنزل القرآن هو الله، والله سبحانه وتعالى مطلق حي باق والناس نسبيون ميتون. لذا فالقرآن ليس تراثاً وقد صيغ القرآن بصيغة متشابهة لهذا السبب بحيث حوى الحقيقة المطلقة من الله والفهم النسبي لهذه الحقيقة من قبل الناس بآن واحد.

وبما أن القرآن ليس تراثاً وجب علينا أن نفهم أن صياغته متشابهة وأنه جاء من حي إلى أحياء. فالله حي والعرب في القرن السابع الميلادي أحياء فتفاعلوا معه حسب أرضيتهم المعرفية، ونحن الآن في القرن الخامس عشر الهجري أحياء والله حي. فما علينا إلا أن نتفاعل معه طبقاً لأرضيتنا لمعرفية، ففي هذه الحالة فقط لا يكون القرآن تراثاً لأننا نفهمه على أساس أنه تنزل علينا.

فإذا كان القرآن ليس تراثاً فما هو التراث العربي الإسلامي؟ الجواب: التراث العربي الإسلامي هو تفاعل الناس مع القرآن ابتداء من النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وصدر الإسلام مروراً بكل أنواع التفاسير على مر القرون. هذا النتاج الفكري والحضاري الهائل الناتج من هذا التفاعل هو التراث العربي الإسلامي. فإذا تفاعلنا نحن في القرن الخامس عشر الهجري مع القرآن فما أن يأتي القرن السادس عشر الهجري حتى يصبح تفاعلنا تراثاً بالنسبة للناس بعدنا.

هكذا فقط يمكن التعامل مع القرآن إذا أردنا أن ننظر إليه على أنه كتاب حي صادر عن حي إلى أحياء أي من شاهد إلى شاهد وليس من غائب إلى شاهد. وخاصية التشابه تسمح لنا بذلك.

فماذا قدم السادة العلماء للناس؟ لقد تصدر العلماء المجالس والإذاعة والتلفزيون على أنهم علماء المسلمين وجلهم ناقل وليس بمجتهد أي أنهم قدموا لنا ماذا فهم السلف من القرآن على أنه تفسير للقرآن. والواقع أنهم بذلك لم يقدموا ما يؤكد أن القرآن صالح لكل زمان ومكان بل قدموا تفاعل هؤلاء الناس مع القرآن وبالتالي قدموا الأرضية المعرفية التاريخية لهؤلاء الناس إلينا ونحن في القرن العشرين، أي قدموا لنا تراثاًُ إسلامياً ميتاً. وكل الشواهد التي نراها في القرن العشرين هي أن الإسلام دين خارج الحياة جاء للناس جميعاً وهو عبء عليهم. والمشكلة أنهم نقلوه عن أموات وأهملوا أن صاحبه حي باق. وبعض رجال الدين شاؤوا أم أبوا، بموت النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة حولوا القرآن تراثاً ولم يعلموا أن كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة هو الاحتمال الأول لتفاعل القرآن مع العرب في القرن السابع الميلادي (الثمرة الأولى).

وبذلك أصبح الإسلام دين نقل ومات العقل والنظرة النقدية إلى النصوص، وعند مشايخنا فهم القرآن هو عن.. عن، وقال مجاهد وعكرمة وابن عباس وابن كثير والزمخشري، علماً بأن أقوال هؤلاء ليس لها قيمة علمية كبيرة بالنسبة لنا ولكن لها قيمة تراثية أكاديمية بحتة. والقيمة الحقيقية هي للنص القرآني الحي المتشابه. وهكذا يمكن لنا أن نقدم التبرير العلمي لإصرار النبي صلى الله عليه وسلم على تدوين الوحي وبنفس الوقت إصراره على عدم تدوين أقواله الشخصية لأن الله هو الحي المطلق ومحمد صلى الله عليه وسلم نبي ولكنه إنسان. هكذا فقط، يمكن أن نقول بكل جرأة علمية: إن الإسلام صالح لكل زمان ومكان.

 

(1) تعليقات
  1. د. محمد
    كيف استنتجت أن الفاصل بين الآيات تسمى نجوم
    اذ ان الاصل فيها هو فصل الايتين
    من سمى هذه الفاصلة نجم او نجمة.


    الأخ نعيم
    إذا أعطيتك مئة دولار ورددتها لي 5، ثم 8، ثم 4، ثم 20، وهكذا على مراحل، منقول رددتها لي منجمة، وهكذا مواقع النجوم، تفصل بين الآيات، الآية 5، الآية 10، وغيرها.

اترك تعليقاً