5 – الاستبداد السياسي

ليس القصص القرآني كتاب في التاريخ، يسرد الحوادث بترتيب زمني، لمجرد إخبارنا ماذا فعل زيد أو عمرو. فهذا النوع من السرد موجود في كتب الأخبار، وهو من اختصاص المؤرخين. لكن القصص القرآني تفسير للتاريخ وقوانينه، وخط سيره بالمعارف والتشريعات، وإيراد الظواهر الفكرية والسياسية والاقتصادية، التي هي ليست قوانين زمنية كحدث تاريخي، وإنما كقانون تاريخي. مثلا ذلك الظاهرة الفرعونية والظاهرة الهامانية والظاهرة القارونية. فالقرآن لم يذكر الاسم الحقيقي لفرعون، أو لهامان، أو لقارون، بل اكتفى بالألقاب كرموز تعبر عن ظواهر الاستبداد السياسي، والاستبداد الديني العقائدي، والاستبداد المالي الاقتصادي، وتحالفات هذه الاستبدادات الثلاثة وعلاقتها ببعضها.

فقد ورد ذكر فرعون، كرمز للاستبداد السياسي والسلطة، 74 مرة في القرآن، وتحدثت عنه الآيات أكثر مما تحدثت عن الوضوء والإرث والصدقات والزواج والطلاق والحج مجتمعة، مما يدل على أهميته، وعلى أهمية أن نفهم أن هذه الظواهر والقصص لم تأت لمجرد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم كأحداث تاريخية ثم تسجيلها بعد وقوعها. فالقصص القرآني جاء من الإمام المبين، أي من قوانين مفتوحة قابلة للتصريف، بدلالة قوله تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثا يفترى…} يوسف 111 – .

إلا أن ثمة ثلاثة قوانين مغلقة للتاريخ جاء بها القرآن ليست من القصص والإمام المبين بل هي من اللوح المحفوظ، قوانين مغلقة عامة ناظمة للتاريخ غير قابلة للتصريف، هي:

1 – القانون الذي يشير إلى أن الزمن كفيل بإهلاك كل الحضارات، وإلغاء الأشكال القديمة وإبدالها بأشكال جديدة، وأن كل حضارة تبلى من الزمن، فتبدأ بطور الجنين، ثم الطفولة، ثم الشباب، فالكهولة، فالشيخوخة، فالموت. ثم ينشأ من أحشاء هذه الحضارة جنين حضارة جديدة… وهكذا، وأن الأزمات الاقتصادية من الأسباب الرئيسية لهلاك الحضارات، كما جاء في قوله تعالى: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون} الأعراف 130 – ونلاحظ هنا قوله: {آل فرعون} ليعني سلسلة الحضارة الفرعونية بكاملها، كما نلاحظ القانون العام (السنين) والقانون الخاص {نقص من الثمرات} وهو ما نسميه الآن نقص الاستثمارات والأزمات الاقتصادية.

2 – القانون الذي يقول أن الامتيازات الطبقية تؤدي إلى دمار الحضارات (القرى) الذي ورد في قوله تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيه فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} الإسراء 16 – إلا أن المسافة الزمنية بين سيطر أصحاب الامتيازات الطبقية وبين الإهلاك قد تطول أو تقصر، فهي مفتوحة، كما ورد في قوله تعالى: {ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده، وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون * وكاين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير} الحج 47 و48 – وأكد هذا القانون في قوله تعالى: {وإذا قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذر إلى ربكم ولعلهم يتقون} الأعراف 164 – .

3 – قانون الهلاك الحتمي لكل الحضارات قبل يوم القيامة، بغض النظر عن صانع الحضارة هل هو قديس أم شيطان، وهو قانون يمكن معرفته فقط لأنه مغلق، وجاء في قوله تعالى: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا، كان ذلك في الكتاب مسطورا} الإسراء 58 – .

والحديث عن الاستبداد السياسي والاقتصادي، كمناط لتصريف الإنساني، وكقوانين مفتوحة من الإمام المبين، وكمحط للتأمل والاعتبار، يبدأ بالآيات التالية:

  • {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} القصص 5 و6.
  • {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليوم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين * فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين} القصص 7 و8.
  • {وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين} (القصص 38).
  • {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون * فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} القصص 39 – 40.
  • {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون} القصص 41.
  • {إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} القصص 76.
  • {وألقي السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون * قال فرعون أآمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون * لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين} الأعراف من 120 إلى 124.
  • {وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين * وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين} العنكبوت 38 – 39.
  • {فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من ارسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} العنكبوت 40.
  • {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب} غافر 23 – 24.
  • {وقال فرعون ياهاما ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السموات فألطع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا، وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل، وما كيد فرعون إلا في تباب} غافر 36 و37.

وسنحاول من خلال هذه الآيات تعريف مصطلحات فرعون وهامان وقارون وإعطاءها مضمونها المعاصر:

أما فرعون، فقد اشتقت من جمع فعلين في اللسان العري، وهما أصلان صحيحان، الأول (فرع) يدل على ارتفاع وعلو وسمو، ومنه (الفرع) وهو على الشيء، وفرعت الشيء فرعا إذا علوته، ويقال أفرع بنو فلان إذا انتجعوا في أوائل الناس، وفرعة الطريق ما علا منه وارتفع (ابن فارس م4 ص 491). والثاني (عون) وهو أصل صحيح ومنه اشتقت الإعانة والماعون والعوان، والضربة العوان، التي تحتاج إلى مراجعة (تاج العروس) والحرب العوان، التي كانت قبلها حرب بكر، ثم تكون عوانا كأنها ترفع من حال إلى حال أشد منها (كتاب العين للفراهيدي).

فالعوان هي التي لها قبل ولها بعد، كالبقرة العوان في قوله تعالى: {… قال إنه يقول إنها بقرة لا فراض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون} البقرة 68. والعوان في البقر هي التي قبلها بكر وبعدها فارض. ومن هذين الفعلين (فرع + عون = فرعن) نأتي إلى معنى فرعون.

ففرعون هو أعلى الهرم في السلطة ويحمل صفة الاستبداد (البطش والشدة) وهي ظاهرة كانت قبل موسى وبقيت بعده، تطلق على ممارسي الاستبداد السياسي والبطش والشدة من قل ومن بعد، بغض النظر عن أسمائهم الحقيقية كأشخاص، كرمسيس وتحتمس وأمنحوتب.

وأما هامان، فجاء من فعل (همن)، ونقول المهيمن أي الحافظ والرقيب، كما في قوله تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه…} المائدة 48 – وهامان جاء لقبا للشخص الحافظ لأوامر الآلهة والرقيب عليها بين الناس، ومثاله في قوله تعالى: {وقالوا لتذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} نوح 23 – .

فجاء ذكر الآلهة بصيغة الجمع للدلالة على تعدد الآلهة، وعلى أن لكل إله هامانه الخاص، وعلى أنه كان لقوم نوح خمسة آلهة، وعندهم خمسة هامانات، أو ما نسميهم رجال دين، يدعون أنهم حافظون لتعاليم الآلهة ورقباء على تنفيذها بين الناس، أي الحفظ كجانب إلهي من المهمة، ورقابة التنفيذ كجانب إنساني للمهمة. وحين يتعدد هؤلاء، يصبح لهم رئيس يدعى هامان، فهامان فرعون كان رئيسا للكهنة، والرجل الثاني في السلطة، أو ما نطلق عليه رأس السلطة الدينية (رئيس العلماء).

حتى في حال دين الإله الواحد خالق السموات والأرض، بعيدا عن الوثنية والأصنام وتعدد الآلهة، فكل الذين يدعون أنعهم حافظون لدين الله، رقباء على تطبيقه، وأن الدين يمر من خلالهم في الاتجاهين من الله أو من الرسول إلى الناس، ومن الناس إلى الله، هم من الهامانات، عرفوا ذلك أم لم يعرفوا، شاؤوا ذلك أم أبوا، أشخاصا كانوا أو مؤسسات، فقد جاء الإسلام للناس كافة دونما حاجة إلى هامانات، وإذا رأينا أو سمعنا من يدعي الاختصاص بهذا الدين، وأن العلم به يأتي عن طريقه وبوساطته حصرا لسبب أو لآخر، فهو هامان، بغض النر عن اللقب الذي يعطيه لنفسه.

أما قارون فجاء من فعل (قرن)، وهو أصل يدل على جمع، فالقرآن سمي قرآنا لأنه قرن بين معلومات اللوح المحفوظ والإمام المبين. وعرفه الله سبحانه بفحش الغنى في قوله: {وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة} وبأنه ليس له وطن أو قومية في قوله: {إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم} فقارون من قوم موسى لكن الله صنفه مع فرعون وهامان في قوله: {وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات} كما أخبرنا الله سبحانه في هذه الآية بأن هؤلاء الثلاثة أعوان (عوان) لهم سوابق وسيكون لهم لواحق، وذلك في قوله: {فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين}.

فقارون فرعون تمثله الآن الشركات الاحتكارية الكبرى التي ليس لها وطن (متعددة الجنسيات) وتملك من الكنوز {ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة} لكن ذلك لا يعني أبدا الرأسمالية الوطنية، أو الغنى المشروع، فقارون لقب لنوع خاص من الغنى، هو الغنى الاحتكاري الكبير، وليس الغنى بشكل عام، لأن الغنى النسبي والفقر النسبي من ظواهر جدل المجتمعات الإنسانية كما أسلفنا.

وقد أطلق القرآن على بقية الناس مصطلحا هو {المستضعفون في الأرض}، وهؤلاء المستضعفون قادرون على مواجهة فرعون هامان، كما في قوله تعالى: {… ونري فرعون وهامان وجنودهما منعهم ما كانوا يحذرون} هنا نلاحظ أنه لم يضع قارون مع فرعون وهامان، وهذا ما سنبينه عند دراسة العلاقات بين هؤلاء الثلاثة، فلنأخذ الآن صفات كل من هذه الألقاب.

لقد قلنا بأن فرعون لقب وليس اسم علم لشخص بعينه، وقلنا إنه يعني الاستبداد السياسي والانفراد بالسلطة، فمقومات هذا الاستبداد والانفراد هي: ادعاء الربوبية، وأداء الألوهية. أما ادعاء الربوبية كما في قوله: {أنا ربكم الأعلى} و (أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي}، فيدعي لنفسه صفات الربوبية التي وردت في قوله تعالى: {إن بطش ربك لشديد * إنه هو يبدئ ويعيد * وهو الغفور الودود * ذو العرش المجيد * فعال لما يريد} البروج 12 – 16.

وأما ادعاء الألوهية كما ورد في قوله تعالى: {ما علمت لكم من إله غيري} فيدعي صفة الألوهية التي جاءت في قوله تعالى: {… أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا} الكهف 26، فالحاكم المستبد يبدأ فيدعي بأن كل البلد ملكه الشخصي، ويتصرف على هذا الأساس {أليس لي ملك مصر} ثم ينتقل إلى التصرف على أساس أ الناس العاقلين ملكه أيضا، تمهيدا للادعاء الثاني، وهو ادعاء الألوهية، الذي يختص بالعاقل فقط كما في قوله: {ما علمت لكم من إله غيري} وقوله تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون} الأنبياء 23.

فالألوهية تتضمن الطاعة الكاملة من الناس لفرعون، بألا يتصرفوا بشيء بقناعاتهم الشخصية دون إذن منه، لذا قال فرعون للسحرة (ءآمنتم به قبل أن آذن لكم} وأنزل بهم العقوبة بقوله: {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين} لا لأنهم آمنوا برب موسى وهارون، وإنما لأنهم آمنوا قبل أن يأذن لهم، ولو أنهم استأذنوه لكان من الأرجح أن يأذن لهم، لأنهم باستئذانهم له، لا يتحدونه في ألوهيته.

هاتان الصفتان من صفات الحكم الاستبدادي المطلق، ومن صفات الظاهرة الفرعونية، ما تزالان حتى يومنا هذا. فليس من الضروري أبدا أن يقف المستبد ويعلن صراحة أنه رب البلد وأنه إله سكان البلد، وإنما يعرف ذلك من صلاحياته ومن نمط الحكم نفسه. مقابل ذلك، نجد أن الناس الذين يعيشون تحت سيطرته لهم صفة الأشياء، فالمجتمع عدد على الهامش، بغض النظر عن المنظمات والمؤسسات الموجودة فيه. لذا وصفهم تعالى بالفسق في ظل فرعون بقوله: {فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين} الزخرف 54.

لقد عرض الله سبحانه نوعين من الحاسب يوم القيامة، الحساب الدنيوي الفردي والجماعي، والحساب الأخروي الفردي والجماعي:

أما الحساب الدنيوي الفردي، فيقع على الذنوب الفردية عند الناس، ومن أجل هذا الحساب أعطانا الله آيات التشريع في الرسالات، وأعطانا صلاحية تطبيقها، وصلاحية سن تشريعات من أجل المجتمع، أي أن آيات التشريع الإلهي وقوانين التشريع الإنساني يجمعهما قاسم مشترك، هو أنهما تشريع لمجتمع. لكن آلية التطبيق فردية لكل حالة على حدة، فعقوبة الحد الأعلى للسرقة، قطع اليد، جاءت لكل الناس، ولكن تطبيقها فردي تماما على الشخص الذي تنطبق عليه مواصفات عقوبة الحد الأعلى.

وأما الحساب الدنيوي الجماعي، فيقع على الذين تنطبق عليهم آية (فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين} حيث جاء الحساب الدنيوي الجماعي في قوله: {فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا…الآية} العنكبوت 40 – وفي قوله عن قوم هود (وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد * واتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة، ألا إن عادا كفروا بربهم، ألا بعدا لعاد قوم هود} هود 59 و60. ونلاحظ هنا كيف ذكر العقوبة الجماعية في الدنيا والآخرة، التي تصيب كل من رضخ وصفق للاستبداد والجبروت.

ويتجلى الحساب الأخروي الفردي في قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى} النجم 39 – 40 وفي قوله تعالى: {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون} الأنبياء 94 – وفي قوله تعالى عن الدنيا والآخرة {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون} الجاثية 15.

أما الحساب الأخروي الجماعي فيتجلى في قوله تعالى: {وترى كل أمة جاثية، كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون * هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} الجاثية 28 و29. ونلاحظ كيف أن الحساب فردي وجماعي، أي على السلوك الفردي كالصلاة والصوم والصدق وشهادة الزور والفواحش، وعلى السلوك الجماعي في قوله: {كل أمة تدعى إلى كتابها}. فالحساب الفردي يأتي عن السلوك، والحساب الجماعي يأتي عن المواقف، والحياة كلها سلوك ومواقف.

وأول المواقف المطلوبة هو مكافحة الاستبداد بكل أنواعه، السياسي والديني والاقتصادي والاجتماعي، حتى في حالة العجز فالعذر غير مقبول، وذلك في قوله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفن في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} النساء 97 – ولم يستثن منهم سوى قليل الحيلة من النساء والرجال والأطفال في قوله: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا} النساء 98 – أي هؤلاء الذين إذا هاجروا كانوا عالة على الآخرين، فقد سامحهم الله بقوله: {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، وكان الله عفوا غفورا} النساء 99 – ونلاحظ كيف لم يعف عن المقتدر على مكافحة الاستبداد والوقوف في وجهه، حتى ولو صام وصلى وزكى، وكيف أن العقيدة الإسلامية لا تقبل الاستبداد والطغيان بكل أنواعه، حتى ولو كان المستبد من الصائمين، المصلين، ودافعي الزكاة.

أما الصفة الثالثة من صفات الاستبداد فهي صفة “فرق تسد” كما وردت في قوله تعالى إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا.. الآية} القصص 4 – فمن سمات الاستبداد السياسي الأساسية، سواء كان استعماريا أم محليا، أن يفرق بين الناس، ويجعلهم طوائف وشيعا، بتشجيعه الانقسام العرقي والطائفي والمذهبي.

أما الصفة الرابعة، فهي وجود بطانة تنفذ أوامره وتعتبره إلها حقيقيا، أطلق عليها سبحانه اسم الملأ في قوله: {وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} القصص 38 – وتشكل هذه البطانة طبقة كاملة لابد منها لكل حاكم مستبد، تؤيده في كل شيء، ومن صفاتها أنها تأخذ سلطاتها من سلطات فرعون، فتتكلم باسمه، وتأخذ من الناس ما تشاء باسمه، وتزرع الرهبة في القلوب باسمه، وتتمتع بامتيازات يحرم المستضعفون في الأرض منها تماما، وتنشرا لدعاية لفرعون على أنه الإله وأن كل ما يريده هو عزتهم ومنعتهم، لأنه يعلم مصالح الناس أكثر منهم، ولا يسمح بأن يسمع أي شيء مغاير، حتى لو كان من البطانة والمقربين، كما ورد في قوله تعالى: {يا قوم لكم الملك اليوم ظهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا، قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهيدكم إلا سبيل الرشاد} غافر 29.

والصفة الخامسة هي زيادة الفساد في الأرض. فالاستبداد السياسي طغيان، والصلاح والفساد من قوانين جدل الإنسان والمجتمعات، لكن النظام الاستبدادي يغلب الفساد على الصلاح إنما لا يبيده، ونعني بالفساد فساد الوظائف وأجهزة الدولة والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وهذا من سمات الطغيان الأساسية في قوله تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذي الأوتاد * الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد} الفجر 6 – 12.

لنتأمل الآن حجج الاستبداد السياسي عندما يواجه من قبل خصومه، المستضعفين في الأرض، حين يطلبون منه التنازل عن الاستبداد. والمراحل التي يمر بها نضالهم ضد الظاهرة الفرعونية الاستبدادية، ثم نتأمل علاقة فرعون بهامان، وعلاقة فرعون بقارون، وعلاقة قارون بهامان، وعلاقة هؤلاء بالمستضعفين، دون أن ننسى أن علاقة فرعون بالمستضعفين، علاقة ربوبية وألوهية.

تبدا مراحل مواجهة الاستبداد السياسي من قبل المستضعفين في الأرض، بمرحلة النضال السلمي، والمجادلة بالتي هي أحسن، والقول الحسن. كما في قوله تعالى: {اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} طه 43 و44 – ولما كانت صورة المستبد عند الناس هي صورة البطش والإرهاب، فقد أجاب موسى وهارون {… إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى} طه 45 وذلك لأنه يملك مقاليد الأمور كلها بيده، من سلطة وأموال يسخرها الحاكم المستبد وبطانته لاستعباد الناس وإذلالهم، كما في قوله تعالى: {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} يونس 88

– أي أن عقوبتهم ليست في الآخرة فقط، وإنما في الحياة الدنيا، وعلى أيدي المستضعفين في الأرض.

ونجد أن الحاكم المستبد يواجه هذا القول اللين لتحرير الناس من العبودية بالتكذيب أولا، وبالتشكيك في النوايا، كما قوله تعالى: {وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين * قوم فرعون، ألا يتقون * قال رب إني أخاف أن يكذبون} الشعراء 10 – 12. لكن الدعوة بالقول اللين، في مرحلتها السرية، تكسب بعض الأنصار من البطانة نفسها، نراها في قوله تعالى: {وقال رجل من آل فرعون يكتم إيمانه…} غافر 28 – .

كما نرى أن موقف الأنصار المؤمنين سرا، موقف وسط وحياد، يأخذه كثير من الناس في هذه المرحلة، نجده في قوله تعالى: {… وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصيبكم بعض الذي يعدكم..} غافر 28 – لكن هذا الموقف ينقلب إلى مواجهة علنية، بعد إيمان السحرة، وانتشار الدعوة.

هنا ينتقل الحاكم المستبد من التكذيب إلى ابطش والإعدام، كما في قوله تعالى: {فلما جاءهم بالحق من عندنا قاولا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال * وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} غافر 25 و26. ولكن من هؤلاء الذين (قالوا اقتلوا)؟ لقد جاء الجواب في غافر 23 و24 بقوله تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب}.

فالذي اتخذ قرار القتل ثلاثة هم فرعون رأس السلطة السياسية، وهامان رأس السلطة الدينية، وقارون ممثل الأغنياء، وأغنى واحد فيهم.

فالتحالف غير المقدس قائم بين هذه السلطات الثلاث لقمع المطالبة بالحرية والتحرير، ولكن رأس السلطة السياسية المستبدة هو المنفذ لرغبات هذه السلطات الثلاث، كما يوضح قوله تعالى: {وقال فرعون ذروني أقتل موسى}.

فبعد فشل السحرة أمام موسى وسجودهم له وإيمانهم به (انظر سورة الأعراف 110 – 116) لجأ فرعون إلى الاتهام بقلب نظام الحكم {يريد أن يخرجكم من أرضكم}، وحجته التآمر، التي يلجأ إليها كل حاكم مستبد، عندما يتهدد نظام حكمه. فالوطن ليس أثر من شركة تجارية، رأسمالها السلطة، ومجال نشاطها الوطن، وعندما تتهدد هذه الشركة، تطرح نظرية المؤامرة على الوطن كواجهة، كما جاء في قوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون} الأعراف 117 – .

ونلاحظ هنا كيف انتصر الطرح الجديد على الاستبداد بأنواعه وعلى رأسه الاستبداد السياسي في المواجهات الفكرية والعلمية، فقال بعدها (فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون} الأعراف 118 – واندحر الطرح البالي الذي استرهب الناس، وأصبح هشا صغيرا (فغلبوا هناك وانقلبوا صاغرين} الأعراف 119 – وآمن السحرة لأنهم تكنوقراط وليسوا من الملأ، لأن الإنسان المهني يعرف أسرار مهنته، وإذا كان مخلصا لها، فإنه يقبل الطرح الأقوى والأكثر علمية، أما رجال الدين فلهم وضع هاماني خاص بهم، لا يقبلون معه بأية طروحات علمية، لأنها تهدد وضعهم الهاماني، وممارساتهم في الاستبداد الفكري والعقائدي.

وهنا يأتي دور هامان في صياغة نظرية المؤامرة بقلب نظام الحكم. فهامان هو رئيس الكهنة والحافظ لدين الآلهة، الرقيب على تنفيذها وانتشارها ين الناس، والتزام الناس بها. وبما أن دعوة موسى جاءت للتوحيد ولنقض تعددية الآلهة السائدة آنذاك، وتحرير بني إسرائيل من الاستعباد، فقد كان هناك خطر كبير على هامان ومنصبه، وعلى فرعون وسلطته، فعلاقة هامان بفرعون هي إعطاء الشرعية للسلطة المستبدة، التي ترضى عنها الآلهة.

وكان طبيعيا أن يطلب فرعون من هامان أن يعرفه بإله موسى، وبما أن مفهوم الربوبية والألوهية في ذلك الوقت، مفهوم مجسد مشخص، يصور الآلهة مخلوقات تعيش بين النجوم أو على النجوم، ولها قوة خارقة، فقد جاء طلب فرعون من هامان يعكس هذا المفهوم والتصور.

ولهذا كان سؤال فرعون لموسى عن ربه يتعلق بالوجود المادي {قال فمن ربكما يا موسى} ويجيبه موسى {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} طه 49 و50. كما كان سؤاله يتعلق بالوجود التاريخي {قال فما بال القرون الأولى} ويجيب موسى {قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى} طه 51 و52. ويتوافق ذلك كله مع التصور المشخص للإله عند فرعون، في طلبه من هامان أن يدله على الإله الذي يزاحمه في مقاما لألوهية {وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري، فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين} القصص 38 – .

ونلاحظ هنا أمرين، أولهما أن إله موسى نافس فرعون في ألوهيته وهذا ما لا يسمح به فرعون، وثانيهما أن مفهوم الألوهية وخدمة الآلهة هي من اختصاص هامان، وأنه المعني بها مباشرة، لذا طلب منه أن يجعل له صرحا، ليطلع إلى إله موسى في الأعلى، كما هو مشخص في تصوره.

ونعود إلى نظرية المؤامرة كنهاية مطاف، وردت في قوله تعالى: {قال فرعون ءآمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا مكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون} الأعراف 123. هذا الخطاب والتهديد موجه للسحرة الذين آمنوا برب موسى وهارون، وبه تأتي مرحلة البطشة الكبرى (لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين} الأعراف 124 – {وقال فرعون ذروني أقتل موسى…} غافر 26 – وهي ما نسميه الآن مرحلة التصفية الجسدية. ولكن الحاكم المستبد يحتاج إلى مبرر لهذه البطشة، وهذا المبرر هو الادعاء بوجود مؤامرة في البلد لاستلام السلطة، وقلب نظام الحكم {… إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة…}(1).

لقد استعمل فرعون هذا المكر السيء في مواجهة موسى ومن آمن معه، واستعمل نظرية المؤامرة لتبرير البطشة الكبرى. فقد طلب موسى وهارون من فرعون تحرير بني إسرائيل {فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم} فاتهمهما فرعون بتغيير الدين وإظهار الفساد في الأرض، وبعد فشله اتهمهما بالتآمر على قلب نظام الحكم.

ولننظر إلى قوله: {لتخرجوا منها أهلها} وتقديم الجار والمجرور على المفعول به، فموسى وهارون يريدان السكان (بني إسرائيل) ولا يريدان المدينة، أي أنهما يريدان إخراج أهلها منها، لكن فرعون يقلب القصد، ويتهمهما بالتآمر والمكر للاستيلاء على المدينة بأن يخرجوا منها أهلها. وهذا يعني قلب نظام الحكم الذي يستحقان عليه عقاب المتآمرين.

وقد حصل هذا مع النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته لمواجهة النظام القائم، بأبعاده العقائدية والاجتماعية والفكرية والسياسية، وتما لمكر بالنبي صلى الله عليه وسلم من قبل النظام القائم في ثلاث مراحل متتالية، جاءت في قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} الأنفال 30.

فمن خلال مراحل السيرة النبوية، كانت السيرة الذاتية للنبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة نظيفة جدا ولا غبار عليها، حتى لقب بالصادق الأمين، فلم يستطع كفار قريش القدح بسيرته الذاتية. وكان صلى الله عليه وسلم معروفا بينا لناس ومن أوساطهم، فلم يستطع كفار قريش الطعن بجذوره، ومن هنا تجلت أول مرحلة عند قريش بعرض المال والثروة، ثم بعرض الملك، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم، فلجأوا إلى المكر السيء والاتهام بالتآمر، حين أدركوا أن في تركه ودعوته نهاية النظام القائم وتدميره كليا. فانتقلوا إلى المراحل التي مازالت سارية المفعول حتى يومنا هذا، في مواجهة كل دعوات التحرير والعدالة.

المرحلة الأولى {ليثبتوك}، ثبت أصل واحد في اللسان العربي هو الدوام على الشيء (ابن فارس) ففي هذه المرحلة يحاول المستبد صرف المعارضة عن هدفها، وتثبيتها على ما كان دارجا في المجتمع، أي بإثبات الوضع القائم، باستعمال شتى أنواع الترغيب من مال ومنصب وجاه.

المرحلة الثانية والثالثة {أو يقتلوك أو يخرجوك}. وتأتي هاتان المرحلتان بشكل متناوب، أو تندمجان معا، فقد حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم أن كفار قريش حاولوا تثبيته فلم يفلحوا، وعندما اكتسبت الدعوة أنصارها حاولوا تثبيت هؤلاء الأنصار، فأفلحوا مع البعض، ولم يفلحوا مع الكثير، وتعرض الأنصار بعد ذلك إلى التعذيب الجسدي، سقطت سمية، أول شهيدة في الإسلام، وهرب أنصار الدعوة بانفسهم إلى الحبشة، ليصل الوضع بعدها إلى مرحلة التصفية الجسدية، فتآمر كفار قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم لقتله، وواكب ذلك هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وهذا يفسر ما قلناه أن القتل والإخراج قد يتناوبان فيسبق أحدهما الآخر، أو يأتيان معا، فيخرج الحاكم المستبد عددا من المناضلين المطالبين برفع الاستبداد والحرية من أوطانهم، ويلجأ إلى التصفية الجسدية، ولكن يبقى عليه تبرير هذا العمل. ويأتي التبرير بادعاء المؤامرة على قلب نظام الحكم التي ابتدعها فرعون.

ويؤكد التنزيل الحكيم مرة أخرى على أن حاشية الحاكم المستبد، المستفيدة من الأوضاع القائمة والامتيازات، هي التي تحرضه على البطش، وتنصحه بذلك، كما في قوله تعالى: {وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك، قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون} الأعراف 127 – وهذا الإجراء مازال يمارس إلى يومنا هذا.

6 – الاستبداد الاقتصادي

تمثل في قارون ظاهرة الاستبداد الاقتصادي، فقد وصفه الله سبحانه بقوله: {وآتيناه منا لكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة…}. وأشرنا سابقا إلى وجوب التمييز بين هذا النوع من الاستبداد، وبين ظاهرة الغنى والفقر، التي هي من ظواهر جدل الإنسان والمجتمعات، ومن القوانين المغلقة التي لا يمكن معها نفي أحدهما في أي عصر وأي مجتمع. أما الظاهرة القارونية، الاستبداد الاقتصادي، فليس لها وطن ولا قومية.

فقارون كان من قوم موسى، لكن ذلك لم يمنعه من أن يطغي ويبغي عليهم، وهذه سمة الشركات الاحتكارية العالمية ذات الجنسية الواحدة، أو متعددة الجنسيات. فالقارونية لا علاقة لها بالغنى الوطني (البروجوازية الوطنية) التي تلعب دورا إيجابيا في تطور المجتمع وعلاقاته الاقتصادية. وخير مثال على الظاهرة القارونية، احتكارات النفط، والكمبيوتر، والسيارات، والتعدين، والصناعات الكيميائية الأيرويابانية، التي ليس لها وطن، بل هي متعددة الجنسيات تضع الدول وأجهزتها في خدمتها. وفي الظاهرة القارونية يجب أن نميز بين نوعين:

النوع الأول، القارون الإنتاجي. ومثاله الشركات والمصارف الأمريكية – اليابانية والأوروبية التي تحكم العالم عمليا، داخل بلادها وخارجها. وما السلطات التنفيذية في هذه الدول سوى أداة تنفيذ لمصالح هذه الشركات والمصارف الكبرى(2). ولهذه الشركات معياران في التعامل، من حيث أنها إنتاجية، الأول معيار داخلي. فقد وجدت هذه الشركات لكونها تؤمن بالعلم والعقل، أن الليبرالية في المجتمع، والديموقراطية في السياسة، والرأسمالية في الاقتصاد، وحرية الصحافة، هي الشكل العلمي العقلاني للحياة في وجوهها المختلفة.

ولما كانت هذه الشركات التي تمولها المصارف، شركات منتجة، بحاجة إلى مجتمع قادر على شراء منتجاتها، مما يستلزم أن يكون دخل أفراد هذا المجتمع كافيا لشراء تلك المنتجات، لهذا نرى أن دخل الفرد هناك يرتفع، ونجد في تلك المجتمعات نسبة كبيرة من التكنوقراط الفنيين المتخصصين، كما نجد أيضا تسهيلات للشراء.

أما المعيار الثاني فخارجي، تنظر من خلاله هذه الشركات إلى العالم الثالث على أنه حقل تجارب، ومصدر للمواد الخام، ومستهلك. فهي لا تعنى بالتقدم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لهذه الدول، بل تتعامل معها معاملة السيد للعبد، وبطريقة ذرائعية، على مبدأ فرق تسد، فإذا راجعنا تاريخ القرن التاسع عشر، وهو قرن ذروة الاستعمار والنهب الأوروبي، لرأينا هذين المعيارين مترافقين، ولرأينا أيضا أن هذا القرن هو قرن التحرير وتشكيل المجتمعات والشركات الوطنية المستقلة، داخل هذه الدول.

فإذا أخذنا فرق المستوى المعرفي والتكنولوجي بين هذه الدول ودول العالم الثالث، أدركنا أنه كبير جدا، وأن المستويات المعرفية والأيديولوجية المطروحة في العالم العربي، لم تبلغ بعد مستوى مواجهة الطروحات والإمكانيات الموجودة لدى ما يسمى بالعالم المتقدم، والعالم العربي اليوم هو خير نموذج لطريقة تعامل هذه الدول مع الدول المتخلفة، إذ يكفي أن ننظر إلى معايير تعامل هذه الدول مع إسرائيل ومع العرب حتى نعي النهج الذي تسير عليه في سياساتها.

أما النوع الثاني، فهو القارون الريعي، وهو الذي بدأ يتشكل في العالم العربي والإسلامي بعد الخلافة الراشدية مباشرة، فالدولة العربية الإسلامية كانت تجني الأموال لتصرف معظمها على العسكر (الأمن)، وكان ولاء العسكرتاريا للخليفة شخصيا لا الوطن، وأصبح الخليفة ذو سلطة يملك من خلالها مفاتيح بيت المال بيده. والتاريخ حافل بالمكافآت التي كان يغدقها الخلفاء على الشعراء المادحين، وكيف أعطوا الضياع والأراضي للمقربين، لأن الأراضي ملك الدولة، وبالتالي ملك للخليفة يعطيها من يشاء، وكان الحكم إقطاعيا، كل شيء يتبع مزاج الخلفية، وبالتالي لم ينشأ هذا الارتباك الكبير بين الفلاح والأرض، فكان من السهولة طرد الفلاحين مزاجيا.

يقول ابن جبير بهذا المجال أنه زار الإمارات الصليبية في سواحل بلاد الشام، وتأسف أشد الأسف حين رأى أن الفلاحين المسمين، الذين تدخل أراضيهم ضمن الإمارة الصليبية، ينعمون بالأمن والاطمئنان، أكثر بكثير من الفلاحين الذين يعملون في أرض تابعة لإمارة الحكام المسلمين(3).

لقد أخذ الحاكم في البلاد العربية والإسلامية دور فرعون قوارون معا، لأنه أولا حاكم مستبد، وثانيا لأن كل أموال الدولة تحت تصرفه، فكان أسو نموذج لاتحاد فرعون وقارون الريعي، الذي يجمع الكنوز ولا ينتج شيئا، ورأسماله السلطة والعسكر في شخص واحد. ومنذ ضعف الخلافة العباسية المدنية، ابتداء من عهد المعتصم والمتوكل، انتقلت السلطة إلى العسكر مباشرة، فأصبحوا الحكام الحقيقيين لكل البلاد العربية والإسلامية، وتحولت الخلافة إلى منصب شكلي صرف يدعو إلى الرثاء. وأصبح لكل بلد أميرها الخاص، هو فرعونها وهو قارونها، وكان الهامانات يبررون لهؤلاء الفراعنة والقوارين كل تصرفاتهم، حتى أصبحت الطاعة الشرعية واجبة لذي الشوكة، أي أن كل من استلم السلطة بالقوة طاعته واجبة.

وصار ذلك جزءا من الفقه الإسلامي(4). وقد لعب التصوف دورا هاما في تدجين الناس وتهيئتهم لقبول كل شيء، وتحول الجهاد إلى جهاد النفس ضد الهوى، وأصبحت الحياة العامة متشرذمة فردية، وأصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوعا من السخرية، تم حصره في المرأة قبل كل شيء، تأكيد الذكورية المجتمع. وقد حقق الصوفية والفقهاء نوعا من المصالحة الأبدية بين الناس وحكامهم، كائنا من كان الحاكم.

وبغض النظر عن كيفية وصوله إلى الحكم، حتى أن مشروعية الحاكم، التي تكمن في طريقة وصوله إلى الحكم، وفي نوع صلاحياته المحدودة، أصبح أمرا غير قابل للبحث، وإذا ظهرت بعض أصوات الاحتجاج فالأجوبة جاهزة لإسكاتها: دعوا الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها، عليك بالسمع والطاعة للحاكم ولو أوجع ظهرك وأخذ مالك، هذه ذنوبكم لأنكم ابتعدتم عن الله، الطاعة لذي الشوكة والغلبة، اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، الظالم سيف الله في الأرض ينتقم به ثم ينتقم منه.

وهذه الأجوبة الجاهزة، وغيرها كثير، تغلغلت ورسخت في تراثنا الشعبي والفصيح، بأشكال شتى وصور مختلفة، أبرزها الجبرية، فالعمر محتوم، والرزق مقسوم، ولا قيمة لما يفعله الإنسان بالغا ما بلغ في زيادة رزقه، أو الهرب من مكتوبه المقدر على جبينه(5). ولعل في المقتطفات التالية، التي اقتطفناها من مصادرها في التراث ما يوضح ما نريد:

  • يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن (العقد الفريد ج1 ص 7).
  • نصح الإمام ولزوم طاعته واتباع أمره ونهيه في السر والجهر فرض واجب لا يتم إيمان إلا به ولا يثبت إسلام إلا عليه. (العقد الفريد ج1 ص 9).
  • من تعرض للسلطان أرداه، ومن تطامن له تخطاه، وإذا زادك السلطان إكراما فزده إعظاما، وإذا جعلك عبدا فاجعله ربا. (العقد الفريد ج1 ص 18).
  • ينسب ابن قتيبة في عيون الأخبار إلى عبد الله بن مسعود قوله: إذا كان الإمام (أي الحاكم) عادلا فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان جائرا فعليه الوزر وعليك الصبر. (ج1 ص 3) أما ابن عبد ربه في العقد الفريد فينسبه إلى عبد الله بن عمر (ج1ص 8).
  • سلطان تخافه الرعية خير للرعية من سلطان يخافها 0عيون الأخبار ج1 ص 2).
  • خير السلطان من أشبه النسر حوله الجيف وليس من أشبه الجيفة حولها النسور (عيون الأخبار/كتاب السلطان).
  • يقول أبو موسى الأشعري: الكرامات للأولياء حق، وهي من وجه تصديق الأنبياء وتأكيد المعجزات (الملل والنحل للشهرستاني ص 104).
  • أصحاب عيسى بن صبيح المردار أبي موسى: يكفرون من لابس السلطان (أي كان من حاشية الداخلين والخارجين عليه) وأنه لا يرث ولا يورث (الملل والنحل ص 72).
  • والمريد الذي يؤدبه الشعراني (هو عبد الوهاب الشعراني الصوفي صاحب الطريقة له كتاب “البحر المورود”) رجل يقبل كل شيء، ليس له أن يثور على الحكام وإن كانوا ظلمة، لأن الله لا يرفع أحدا إلا لحكمة، وقد يكون الحاكم الظالم سوطا سلطة الله على المذنبين. (التصوف الإسلامي – زكي مبارك ج2 ص 192).
  • من حدثنا أنه قرأ القرآن كله بالحروف ثلثمائة ألف مرة في يوم وليلة فهو صادق، لأنه إذا تجردت الروح عن هذا الجسم الكثيف فعلت ذلك. (البحر المورود – الشعراني ص 268).
  • قال وهب بن منبه: ومما ناجى الله به موسى عليه السلام: … واعلم أنه من أهان لي وليا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وبادأني وعرضني لنفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي… (عيون الأخبار –كتاب الزهد ص 266).
  • عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل قال: من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب. وعن الإمامين الجليلين أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنه قالا: إن لم يكن العلماء أولياء الله فليس له ولي. و

قال الإمام الحافظ ابن عساكر رحمه الله: إعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب، ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. (التبيان في آداب حملة القرآن للنووي/الباب الثالث في إكرام أهل القرآن والنهي عن أذاهم).

  • المحاربي عن الأفريقي قال، حدثنا ابو علقمة عن أبي هريرة قال، إن أهل السماء ليرون بيوت أهل الذكر تضيء لهم كما تضيء الكواكب لأهل الأرض.
  • حدثني محمد بن داوود قال، حدثنا أبو الربيع الزهراني قال، حدثنا أبو عوانه عن المغيرة عن إبراهيم، في الرجل يرى الضوء بالليل قال، هو من الشيطان، فلو كان هذا فضلا لأوثر به أهل بدر (عيون الأخبار ج1 ص 216).
  • قال أبو عبيدة (من أئمة اللغة): تقول الروم لولا ضجة أهل رومية وأصواتهم، لسمع الناس جميعا صوت وجوب القرص في المغرب (يعني انطفاء الشمس في البحر من جانب الغرب) (البيان والتبيين ج1 ص 90).
  • قال الوليد بن عبد الملك للزهري، ما حديث يحدثنا به أهل الشام، أن الله إذا استرعى عبدا، كتب له الحسنات ولم يكتب عليه السيئات؟ قال باطل يا أمير المؤمنين، أنبي خليفة أكرم على الله أم خليفة غير نبي؟ قال بل نبي خليفة. قال فإن الله يقول لداوود {يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله. إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} فقال الوليد: إن الناس ليغووننا عن ديننا (العقد الفريد ج1 ص60).
  • قال زياد بن أبيه لأصحابه: من أغبط الناس عيشا؟ قالوا: الأمير وأصحابه. قال: كلا، إن لأعواد المنابر لهيبة، ولقرع لجاما لبريد لفزعة، لكن أغبط الناس عيشا رجل له دار يجري عليها كراؤها، وزوجة قد وافقته في كفاف من عيشه، لا يعرفنا ولا نعرفه، فإذا عرفنا وعرفناه أفسدنا عليه آخرته ودنياه. (العقد الفريد ج1 ص 83).
  • سأل عمر بن الخطاب رجلا عن شيء فقال: الله أعلم. فقال عمر: قد شقينا إن كنا لا نعلم أن الله أعلم، إذا سئل أحدكم عن شيء لا يعلمه فليقل لا أدري. (البيان والتبيين ج1 ص 177).

لقد كان دور الهامان والمتصوفة ولا زال، صلة الوصل بين فرعون وقارون من جهة، وبين الناس من جهة أخرى، بدعوة الناس إلى الرضى بأوضاعهم، وإيجاد المصالحة الدائمة بينهم وبين فراعنتهم وقوارينهم، واستمر هذا الدور مرورا بالمماليك والدولة العثمانية، وازداد نفوذ الهامانات على الناس، وازدادت مكاسبهم وامتيازاتهم عند فرعون وقارون، فحكم العسكر الأغراب (المماليك) ظاهرة لم تشهد لها المجتمعات الإنسانية مثيلا في أي مجتمع آخر، والعالم العربي الآن عالم ذو إنتاج يقل كثيرا عن إمكانياته الطبيعية والبشرية، عالم اندمج فراعنته بقوارينه، لذا لا نرى أثرا إيجابيا يذكر للبرجوازية الوطنية المنتجة غير الريعية.

لقد حدث الله سبحانه عنا لهامانات والفراعنة والقوارين السابقين للبعثة المحمدية، وكيف أخذهم، وذلك في قوله تعالى: {فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} العنكبوت 40 – ويتضح أمامنا كيف هلك الأقوام المذكورون بظواهر طبيعية، أي بحرب ربانية مباشرة، والسبب أن المستضعفين في الأرض كانوا عاجزين عن أخذ حقوقهم بأيديهم، فجاءتهم مساعدة من الله مباشرة بإهلاك الأقوام الظالمين.

لكن هذه الظاهرة انتهت ببعثة الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم التي كانت ثورة معلومات وتعاليم بإمكانيات بشرية صرفة، فالتحرر من الفراعنة والقوارين والهامانات لا يكون بقيام الليل، نصلي وندعو الله ليحارب عنا، بل علينا أن نساعد أنفسنا لكي يساعدنا الله، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا في معركة بدر بعد أن استنفذ كل التدابير المادية البشرية، وهذه هي السنة التي يجب التأسي بها.

ثمة نوع آخر من أنواع الاستبداد، هو ما يسمى باستبداد الأكثرية. فكثير من الناس ينادي بنظام حكم تحت شعار الأكثرية، ويجدون فيه نظاما شوريا ديموقراطيا تريده الأكثرية. ولكن هذه الدعوة قد تخفي وراءها استبدادا ينطوي على فرض رأي الأكثرية بالقوة على الأقلية.

ظهر هذا النوع من الاستبداد في القرن العشرين عند الحزب النازي في ألمانيا، الذي استلم السلطة عام 1933 إثر انتخابات حرة، حاز فيها على أكثرية المقاعد في البرلمان الألماني (الرايح ستاغ)، ولكن ماذا حصل بعد ذلك؟ لقد جرى القضاء على المعارضة جسديا، تحت شعار أغلبية مقاعد البرلمان، وجرى قمع حرية الرأي والتعبير، ووضعت كل أجهزة الدولة والإعلام في خدمة الحزب، وتم انتهاك حقوق الإنسان على أبشع صورة.

لقد حاولت الأحزاب الشيوعية أن تسلك نفس الطريق في أوروبا الغربية، لكن وعي المواطن الأوروبي بأن الديموقراطية وحرية التعبير عن الرأي التي تنادي بها هذه الأحزاب، مجرد مرحلة تكتيكية لتصل بها إلى السلطة، تتحول بعدها إلى ديكتاتورية قمعية تحت شعار أكثرية البروليتاريا، جعله يحرص على إبقاء هذه الأحزاب ضمن صفوف المعارضة، لا تتعداها، كما جعله لا يعطي صوته لهذه الأحزاب بشكل تصل فيه إلى السلطة، لأنها إن وصلت فعلى الديموقراطية السلام.

يقول فريدريك أنجلز: إن البروليتاريا بحاجة إلى الدولة لا من أجل الحرية، بل من أجل قمع خصومها(6).

وثمة تيارات في الحركات السياسية بالوطن العربي والبلدان الإسلامية، بغض النظر عن موقعها في السلطة أو المعارضة، وبغض النظر عن عدد الملتزمين معها قل أم كثر، بعضها يدعي العلمانية، والثاني يطرح شعار (الإسلام هو الحل).

فإذا كان التيار الذي يدعي العلمانية (ماركسيا كان أم غير ماركسي) يريد السلطة للقضاء على خصومه، لا من أجل حرية كل الناس في الري والتعبير عنه، كان طبيعيا أن نجد عنده الشعارات الرنانة جاهزة، والتهم جاهزة (عدو الثورة والشعب، ورجعي، متآمر، إمبريالي، بورجوازي، الخ..) والإعدامات جاهزة والسجون تنتظر الساكنين الجدد. وإذا كان التيار الإسلامي يريد السلطة من أجل القضاء على خصومه، لا من أجل حرية العقائد لكل الناس، وممارسة العبادات والتعبير عن الرأي، كانت أيضا الشعارات الرنانة جاهزة، والتهم أيضا جاهزة (ملحد، مرتد، زنديق، كافر، فاسق)، وأحكام الإعداد جاهزة أيضا، والسجون ومعسكرات الاعتقال تنتظر المقيمين الجدد.

فهل تستحق هذه الشعارات سفك الدماء، وبذل الأموال، ووضع الناس في السجون؟ هل نريد التحية بالغالي والرخيص من أجل استبدال نظام استبدادي يحمل شعارا، بنظام استبدادي آخر يحمل شعارا آخر؟ إننا نرى أن هذه من أهم الأسئلة المطروحة الآن على كل من يعمل في السياسة بالوطن العربي والإسلامي.

أما إذا كان الشعار تحقيق نظام ديموقراطي قائم على التعددية الحزبية، وعلى حرية التعبير عن الرأي، ويلتزم بالقيم الأخلاقية التي بدأت مع نوح واكتملت بمحمد، مرورا بموسى وعيسى، عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام، وبالحفاظ على حقوق الإنسان وكرامته وحرياته، فهذا هوا لهدف النبيل الذي يستحق التأييد والتضحية، بغض النظر على شكل الحكم الذي يتبناه، وهذا هو الهدف الذي يربط الدنيا بالآخرة، ويجعل من الدنيا مزرعة الآخرة.

وبدون هذا الهدف نصل إلى حلقة مفرغة، مازلنا نعيشها حتى ويمنا هذا، هي جعل الدولة وسيلة لتصفية الخصوم والقضاء عليهم، لا وسيلة للمحافظة على حقوق الناس، كل الناس، وحرياتهم، الأمر الذي برر للمعارضة استخدام العنف المضاد على مدى قرون مضت حين يتسنى لها ذلك، ولا حل لهذه المعضلة إلا بالمؤسسات الديموقراطية التي تلفظ كل من يخالفها. وبمجرد أن نعطي لأنفسنا الحق باستعمال العنف فإننا نعطي للطرف الآخر هذا الحق، في دوامة لا خروج منها.

أما الدولة العربية الإسلامية فلابد أن تقبل أن الملحد إنسان حقوقه مصانة، وسلامته محفوظة، له رأيه الحر الذي يعبر عنه بالطرق المشروعة السلمية والمفتوحة للجميع، وله دوره في صنع القرارات الديموقراطية، فالعنف في الإسلام مبرر فقط من أجل حرية الناس، كل الناس، وحرية اختيارهم، والتعبير عن رأيهم، حتى لو كان كفرا وإلحادا، لكنه غير مبرر من أجل فرض عقيدة بعينها، أو أحكام بعينها كما يتوهم البعض. ولكن كيف يولد العنف الذي يلد العنف المضاد؟

كل إنسان، فردا كان أم مجموعة، يعتقد أنه يملك الحقيقة المطلقة، يصبح مستبدا حتما وبشكل آلي، ولا يبقى أي مجال للحوار معه، ولا أمل عنده في قبول الرأي الآخر والتعايش معه، وتصبح المثل العليا لديه أسيرة الحقيقة المطلقة التي يتوهم أنه يملكها، ويسخر كل شيء من أجل ذلك. وأول ما تجلت فكرة الحقيقة المطلقة هذه في التاريخ القديم، تجلت في شخص الحاكم بأنه ابن الآلهة، أو الإله نفسه، أو أنه على الأقل القائم على تنفيذ رغبات الآلهة. فالعدل المطلق فيه، والسلطة المطلقة بيده، والإلهام المطلق منه.

كما تجلت الفكرة ذاتها في الماركسية حين ظنت أنها ملكت الحقيقة المطلقة، بمقولة الحتمية التاريخية للوصول إلى المجتمع الشيوعي، فأغلقت بذلك باب الحوار معها، وأصبح عندها كل من لا يقبل بحقيقتها المطلقة تلك امرتدا، منحرفا، رجعيا، بورجوازيا…الخ. كما أصبح للماركسية (هامانات) يطلقون عليها اسم “المنظرين”. ما المسلمون فلهم موقف مغاير من الحقيقة المطلقة.

فالله الحق، المطلق العدل، كامل المعرفة، أرسل تنزيلا من عنده إلى الناس، لكن الناس محدودو المعرفة، والإنسان كائنا من كان، وليد مجتمعه ومعارفه ونظمه، وحين يقرأ التنزيل الذي جاء من المطلق، يفهمه فهما محدودا نسبيا، طبقا لنظمه المعرفية، وتطوره الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. ووجد المسلمون أنفسهم أمام تيارين: “كيف يمكن الوصول إلى المعنى الموضوعي للنص القرآني؟ وهل في طاقة البشر بمحدوديتهم ونقصهم الوصول إلى القصد الإلهي في كماله وإطلاقه؟ لم يزعم أحد من أهل الأرض إمكان هذا.

غاية الأمر أن المؤولة (أهل الرأي) كانوا أكثر حرية في الفهم وفتح باب الاجتهاد، بينما تمسك (أهل الحديث)، وإن لم يقرروا ذلك صراحة، بإمكانية الفهم الموضوعي الكامل من قبل أهل القرن السابع/الصحابة”(7).

ومع الأسف تغلبت على العامة مدرسة أهل الحديث، فجمد الإسلام، وأغلق باب النقاش والحوار، وأصبح سلوك الصحابة وفهمهم الموضوعي للتنزيل في عصرهم جزءا لا يتجزأ من الدين الإسلامي (الإجماع ثم القياس)، وأصبحت المدرسة السلفية تدعي لنفسها الحقيقة المطلقة، تماما كما ادعتها الماركسية لنفسها، فلا حوار ولا رأي آخر، بل فرض فوقي بالقوة لنموذج بعينه على المسلمين، برزت معه الاستبدادية الفكرية والاجتماعية والسياسية كأمر لا مناص منه باعتبار أن كل من خرج عنها أو حتى ناقشها، مرتد أو زنديق أو كافر أو فاسق.

علينا ان نعي، ن كل من يدعي أنه يملك الحقيقة المطلقة، هو مستبد، فردا كان أم جماعة أم حزبا. وعلينا أن لا ننخدع بالكلام المعسول والوعود البراقة وأنهار اللبن والعسل وصورة المجتمع المثالي في مثل هذا الطرح الخادع، كما يجب ألا ننخدع بإطلاق اللحى والاعتكاف في التكايا وقيام الليل والنهار، ففي الحالتين تفوح رائحة الاستبداد والقهر وفرض الرأي بالقوة.

ولا يجوز أن تحتوي الديموقراطية على أية بذور للاستبداد، حتى ولا تحت شعار الأكثرية، وقد أعطانا الله سبحانه مبادئ أساسية لضمان ذلك:

1 – حياة الإنسان هبة من الله سبحانه، لا تخضع للتصويت، ولا تؤخذ فرديا ولا جماعيا إلا بأمر صريح منه يرد في آيات أحكامه وحدوده، ولهذا فقد ذكر سبحانه جميع حالات قتل النفس، الفردية والجماعية، صراحة في أم الكتاب، ليخرجها من دائرة الاجتهاد والفتوى والقياس وإجماع الجمهور.

2 – كرامة الإنسان، فقد قال تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم…} الإسراء 70 – وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أكبر العمل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس واصطناع المعروف إلى البر والفاجر. وقال علي بن أبي طالب في رسالته للأشتر النخعي: الناس اثنان، أخ لك في الدين، ونظير لك في الخلق.

3 – حرية المعتقد والاختيار، فقد أعطاها الله لكل الناس، حتى في الكفر والإيمان بقوله: {لا إكراه في الدين}. فحرية العقيدة أيضا من المثل العليا في الإسلام التي لا تخضع للتصويت أصلا.

4 – حرية التعبير عن الرأي، فقد وهبها الله لكل عباده، ولا يحق لأحد انتزاعها منهم لأي سبب كان، في قوله: {فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر} الغاشية 21 و22. وهي حرية لا تخضع بدورها للتصويت.

5 – تجاوز حدود الله لا يخضع للتصويت، وكذلك المثل العليا. فالسماح باللواط مثلا، لا يخضع للتصويت كما فعلت بعض برلمانات الدول الأوروبية.

6 – اختلاف القوميات والعروق، فهي من قوانين وسنن الله في خلقه، كما في قوله: {ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم…} الروم 22. ولهذا فإن من المثل العليا الإسلامية اختلاف القوميات والعروق، وتكافؤها في وجودها، فكل إلغاء لهوية قومية أو عرقية تحت أي شعار، مخالف لسنن رب العالمين، ولا يخضع أيضا للتصويت.

7 – اختلاف الثقافات، سنة أخرى من سنن الله تعالى في قوله: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم..} هود 118و 119. فاختلاف الثقافات غاية الخلق، ولهذا لا يحق لأحد فرض ثقافته على الآخر بالقوة، إضافة إلى أنه أمر غير خاضع للتصويت.

من هنا نتبين بوضوح صمام الأمان الذي أعطانا إياه الله سبحانه ضد ديكتاتورية الأكثرية واستبدادها، والمتمثل في المثل العليا التي لا تخضع للتصويت، كعمود فقري لدستور الدولة العربية الإسلامية، إلى جانب البحث العلمي والبينات التي يقدمها العلم.

الخلاصة:

وهكذا نرى أن أبرز خواص الاستبداد، التي وردت في قوله تعالى: {الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد} الفجر 11 و12

– هي إعاقة النمو العقلي والروحي والاقتصادي والاجتماعي في المجتمع.

فمن الناحية العقلية، يطرح المستند نفسه على أنه المانح المانع، وأنه المسؤول عن كل خيرات ونعم البلاد. فأول ما يقتل في الناس شعورهم بالمسؤولية. فالمواطن في المجتمع الاستبدادي لا يشعر بأية مسؤولية تجاه المجتمع وقضاياه الصغرى والكبرى، لكونه بالأصل يعيش على الهامش، ولا رأي له، واعتاد على كلمة (نعم) دائما. مما يقتل عنده روح المحاكمة العقلية، ويتبلد ذهنه، لوجود من يتخذ القرارات عوضا عنه.

لهذا فإن أكبر إشكالية تقف في وجه ممارسة الديموقراطية ببلد تعودت الاستبداد لمدة طويلة، هي أن المواطن اعتاد على الخمول والكسل ولم يتعود على حمل المسؤولية، بينما النظام الديموقراطي القائم على التعددية الحزبية المتكافئة وعلى حرية التعبير عن الرأي، يتطلب مواطنا يشعر بالمسؤولية ويتحملها. ونحن نرى أن علاقة الشعوب التي اعتادت العيش تحت الاستبداد طويلا، بالمستبدين، أشبه ما تكون بعلاقة الطفل المفطوم حديثا بأمه، فالفطام هو لمصلحة الطفل ليبدأ الاعتماد على نفسه في تناول الطعام، ثم في الحصول عليه، لكننا نرى الطفل يقاوم عملية الفطام بضراوة، لأنه تعود على الحصول على الحليب من ثدي أمه بأسهل الطرق، وعلى أن أمه تحمل مسؤولية كل شيء عنه.

ومرحلة مقاومة الفطام هذه قد يصاب بها شعب بأكمله إذا استمرأ الاستبداد، واعتاد على وجود من يقر له كل الكبائر والصغائر، ثم تعرض إلى الفطام السياسي والاجتماعي، فلا نستغرب تأييده للاستبداد تحت شعار الاستقرار والطمأنينة، ولا نستنكر دعاءه للمستبد بطول العمر، لأنها تدل على ظاهرة انخفاض وعي الذات، وانخفاض وعي المجتمع، وهي ما نطلق عليه اسم (الظاهرة الطفولية في مقاومة الفطام)، التي تؤدي إلى إعاقة نمو الطفل.

أما من الناحية الاقتصادية، فقد برهن التاريخ على أن النسان الحر ينتج أكثر من العبد، في جميع مجالات العطاء والإنتاج. والإنسان الذي يعمل في ظل نظام ديموقراطي يحفظ عليه كرامته ولا يضطهد رأيه، ينتج أكثر من الذي يعمل في ظل نظام مستبد لا توجد فيه حرية رأي. فالنظام الديموقراطي يسمح بالاجتماعات والتظاهرات السلمية للعمال إذا لحق بهم إجحاف فيشرحون مشكلتهم ومطالبهم ويتوقف العمل فترة إلى أن تنحل المشكلة، ليعود الإنتاج إلى مسيرته الجدية، أما في النظام الاستبدادي، فالمجتمع يعيش حالة إضراب غير معلن سنوات وسنوات، يذهب الناس خلالها إلى العمل ولا ينتجون، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى كوارث اقتصادية.

وأما من الناحية الاجتماعية، فالاستبداد السياسي يعيق تقدم وتعميق العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع. فلا أحد يأمن جانب أحد، وتنتشر ظاهرة غياب الضمير (قول الحق بدون خوف) حتى بين أفراد الأسرة الواحدة، ويقل فعل الخير بين الناس، وتتشوه المثل العليا لمجتمع، ويصبح الذي يحصل على المال دون أن يعمل (فهلويا)، والذي يتحايل على القانون (شاطرا)، والذي يحتكر ويغش المواصفات (تاجرا ماهرا)، وتنمو ظاهرة الغنى غير المنتج (الريعي) مما يزيد من نمو الأحقاد بين الناس، وتفشو ظاهرة الاعتماد على الحظ، فالذي يحصل على الملايين دون أن ينتج محظوظ، وهذه الملايين رزق ساقه الله إليه، أما في المجتمع الديموقراطي، حيث حرية الضمير وتحمل المسؤولية.

فالناس تخاف من الغنى غير المنتج، لأنه يعرضها للمساءلة من قبل الآخرين، الذين يبدون رأيهم بصراحة في ظل ديموقراطية المجتمع. لهذا سمى الله تعالى الذين يعيشون في ظل الاستبداد ويستمرئونه، ولا يفعلون ضده شيئا، بالفاسقين في قوله: {فاستخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قوما فاسقين} الزخرف 54.

(1) مكر في اللسان العربي أصل صحيح يدل على الاحتيال والخداع (ابن فارس). وقال الليث المكر: احتيال في خفية، ومكر به: كادة (تاج العروس). والمكر: صرف الإنسان عن مقصوده بحيلة. وهو نوعان محمود يقصد به الخير، ومذموم يقصد به الشر (محيط المحيط).

والمكر في التنزيل الحكيم صنفان، مكر سيء ورد في قوله تعالى: {… ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله} فاطر 43 – والقول بالمكر السيء يعني أن هناك مكرا غير سيء، وصف الله تعالى نفسه به في قوله: {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} آل عمران 54. فالأب يمكر بطفله ليسقيه الدواء، والطبيب يمكر بالمريض بمساعدة أهله لشفائه، والمرشحون فيا لحزب الواحد، يمكر بعضهم ببعض في تكتيكات انتخابية للفوز بالكراسي والمناصب، فإذا أخذنا مفهوما لمكر بهذا النوع من التآمر الحسن، نرى أن الحياة الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية مليئة به، لكنه ليس بالضرورة مكرا سيئا. أما أن نفهم المكر بمعناه السلبي فقط، فهذا خطأ فادح وقعنا فيه، وعزونا معه كل خيباتنا وفشلنا إلى نظرية مؤامرة نحوكها ترى خارجية تتآمر علينا.

مما انعكس بشكل مخيف على عقليات الحكومات والمنظمات السياسية والأفراد، كتفسير ساذج للأحداث الداخلية والخارجية حين يقع الفشل والعجز. فعندما تطالب الدولة في الداخل، بتحقيق العدالة النسبية، وبحرية التعبير عن الرأي، فالاتهام المباشر هو التآمر ثم التصفية، وهذا حاصل أيضا على صعيد المنظمات السياسية، فكل منها تتهم الأخرى بالتآمر عليها لتبرر عداوتها لها. أما في الحقل الخارجي، فكل فشل في حرب أو في خطة تنمية أو تحقيق وحدة، يعزى إلى التآمر الخارجي، كذريعة لتبرير الفشل في مواجهة الأحداث العالمية ومواكبة ركب التطور.

وتعزى هذه الظاهرة في العقل العربي، إلى علة تتجلى في سببين رئيسيين: أولهما، أن العقل العربي عقل غير جدلي، ينظر إلى الأشياء والأحداث منفصلة عن بعضها البعض. ثانيهما، أن العقل العربي الحالي لا يعمل إلا من خلال الآخر، فهو عقل غير مبدع، لم يستطع إلى الآن إظهار إمكانياته وتحقيق الاستقلالية التاريخية.

(2) انظر كتاب “رجال المال والمصارف يحكمون العالم”، ترجمة أحمد عبد الكريم، دار الأهالي، دمشق، 1992.

(3) انظر “الحروب الصليبية كما يراها العرب”، أمين معلوف.

(4) انظر “الأحكام السلطانية” للماوردي.

(5) انظر كتاب “ألف ليلة وليلة”.

(6) لينين، مختارات دار التقدم 1968 موسكو ج2 الدولة والثورة ص 287.

(7) الدكتور نصر حامد أبو زيد “إشكاليات القراءة وآليات التأويل”.

(1) تعليقات
  1. السلام عليكم كتاب رائع ومفيد ولكن هناك اخطاء املائية لايستهان بها ولايجب ان تكون في كتاب قيم كهذا يحمل طرحا جريئا يدعو لقرائته الكثير من خصوم الفكر التنويري والتجديدي لربما لاصطياد الاخطاء وترويجها للانتقاص من الفكر الذي يتمتع به استاذنا الكبير محمد شحرور فاول ما يصطاد تلك الاخطاء الاملائية كنقطة ضعف للكتاب -مثال-واتينامنالكنوز- الاية القرانية-واتيناه من الكنوز- استفسار عن كتاب -القصص القراني – كيف يمكن الحصول عليه لانه لاينفتح عندي -ولكم جزيل الشكر

اترك تعليقاً