المنهج المتبع في التعامل مع التنزيل الحكيم وفق القراءة المعاصرة

لمحة وجيزة عن قراءتنا المعاصرة للتنزيل الحكيم

أردنا من خلال هذه اللمحة تقديم صورة وجيزة عن قراءتنا المعاصرة التي تمكّنا من الوصول إليها بالاعتماد على اللسانيات الحديثة والأرضية المعرفية المعاصرة. وقد حوت هذه اللمحة الأسس التي تقوم عليها قراءتنا المعاصرة والتي قمنا بتطبيقها في كتبنا العشرة التي نشرناها حتى الآن، ابتداءً من عام 1990، بدءا بكتاب “الكتاب والقرآن” الذي تلته مجموعة من الكتب هي: “الدولة والمجتمع”، “الإسلام والإيمان”، “فقه المرأة”، “تجفيف منابع الإرهاب”، “القصص القرآني” بجزأيه الأول والثاني، “السنّة الرسولية والسنّة النبوية”، “الدين والسلطة”، وأخيراً وليس آخراً “أمّ الكتاب وتفصيلها”. فهذه الكتب تقدّم فكراً جديداً مؤسَّساً على منهج معرفي معاصر، وبالتالي فإنّ فهم ما جاء فيها من أفكار فهماً معمّقاً يحتاج إلى الاطلاع على المنهج الذي اعتمدناه فيها وعلى قائمة المصطلحات التي توصّلنا إليها من خلال قراءتنا المعاصرة.
انطلاقاً من ذلك ارتأينا أن نقدّم في هذا الدليل النقاط الرئيسية للنظام المعرفي المتّبع في قراءتنا المعاصرة، وهي عبارة عن نقاط تتألف من المنهج اللغوي والمنهج الفكري المتبع في التعامل مع التنزيل الحكيم. وقد جرى اختصار المنهج وتكثيفه في بنود مرقمة لجعلها سهلة على القارئ، بحيث بدأنا بالبنود اللغوية، ثمّ الفكرية ثمّ الفقهية، حتّى يتسنّى للقارئ أن يستوعب كيف توصّلنا إلى الاستنتاجات التي أوردناها في الجزء الثاني من هذا الدليل والخاصّ بالمصطلحات التي تمّ التوصّل إليها وشرحها بالتفصيل في كتبنا.
سيكتشف القارئ من خلال هذا الدليل معنى ومحتوى القراءة المعاصرة، التي تمّ التوصّل إليها بفضل اختراق الكثير ممّا يسمّى الثوابت في المنظومة التراثية، وخاصّة ما يسمّى الفقه وأصوله التي وضعها أناس عاشوا في القرون الهجرية الأولى وهي – برأينا – لا تحمل أيّ قدسية لأنها تمثل المنظومة القانونية للدولة التي نشأت في ظلها، وبذلك فهي متجاوزة زمانياً ومعرفياً. لهذا نحن مقتنعون بأنّنا لن نتمكّن من تجديد الفقه والفكر الديني عامّة إذا لم يتم اختراق هذه الثوابت المتجاوزة معرفياً، ونورد في نفس السياق مقولة آينشتاين الشهيرة: “إنّ لمن الحماقة أن تعتقد أنك ستحصل على نتائج جديدة وأنت تكرّر الشيء نفسه”. وقد كان سبب اختراقنا لهذه الثوابت أننا رأينا أنّ الكثير من أطروحات التجديد الموجودة في الساحة الفكرية لا معنى لها ولا تؤتي ثمارها، لأنّها تكرار للذات وللسلف وهي مجموعة من الخطابات والكلمات الرنّانة بدون أيّ معانٍ أو أفكار مفيدة، أي إنّ الثقافة الإسلامية تعيد إنتاج نفسها إلى اليوم حتى في وسائل الاتّصال المعاصرة، لأنّ أيّ تجديد لا يُسمّى تجديداً إلّا إذا تم فيه اختراق الأصول.
كذلك علينا أن ندرك حقيقة تاريخية هامة جداً تتمثّل في أنّ التاريخ الإنساني حسب التنزيل الحكيم يمكن تقسيمه إلى مرحلتين: المرحلة الأولى مرحلة الرسالات التي انتهت برسالة محمّد (ص)، وهي الرسالة التي نُسخت فيها الرسالات السابقة لها، والمرحلة الثانية مرحلة ما بعد الرسالات التي نعيشها نحن. وقد ختمت الرسالة المحمّدية التشريع الإلهي والنسخ الإلهي وبدأت بالتشريع الإنساني والنسخ الإنساني، علماً بأنّ النبيّ (ص) مارس الحالتين معاً إذ كان عليه البلاغ في الرسالة، وفي الحالة الإنسانية شرّع لمجتمعه في تفصيل المحكم وتنظيم الحلال: {.. وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا..} (الحشر 7)، ولم يشرح أيّ شيء من رسالته سوى الشعائر. وهذا هو القانون المدني الإنساني القابل للنسخ والتغيّر باختلاف الزمان والمكان. هذا التغيّر في التشريعات هو ما ينطوي تحت ظلّ ميزة الحنيفية التي تتّصف بها الرسالة الإلهية، وهي تتماشى مع درجة تطوّر كلّ مجتمع، أي إنّ الإنسانية اليوم لا تحتاج إلى أيّ رسالة أو نبوّة، بل هي قادرة على اكتشاف الوجود بنفسها بدون نبوّات، وقادرة على التشريع لنفسها بدون رسالات. والإنسانية اليوم أفضل بكثير ممّا كانت عليه في عصور الرسالات، لأن البشرية كانت قديماً بحاجة إلى الرسالات لترتقي من المملكة الحيوانية إلى الإنسانية، أمّا الآن فقد تطوّرت ووصلت إلى مستوى بعيد جداً عن مستوى المملكة الحيوانية، لأنّ المستوى الإنساني والأخلاقي في تعامل الناس بعضهم مع بعض الآن هو أفضل بكثير عن ذي قبل وحتى عن عهد الرسالات، وبالتالي يصبح البكاء على عصر الرسالات لا جدوى منه، لأنّ مستوى الإنسانية الآن أرقى معرفياً وتشريعياً من ذي قبل. فأمّا معرفياً فتشهد عليه التطوّرات العلمية التي حصلت في مختلف مجالات العلوم والتكنولوجيا، وأمّا في التشريع فإننا نجد الإنسانية تعيش مرحلة التشريع الإنساني بعد انتهاء مرحلة التشريع الإلهي مع الرسالة الخاتمة التي جاءت للرسول (ص) بالحنيفية، بحيث أصبحت التشريعات الإنسانية ينسخ بعضها بعضاً تماشياً مع تطوّر المجتمعات من كلّ النواحي، بينما من الناحية الأخلاقية يكفينا دليلاً على ذلك أنّ ضمان حقوق الإنسان في العالم أصبح كابوساً على رأس كلّ متسلط، بالإضافة إلى أنّ المؤسّسات المدنية المحلية والعالمية التي تقوم على أساس تطوّعي، تتنامى يوماً بعد يوم، إذ تمّ إلغاء الرق عالمياً إلغاءً كاملاً، وهي مهمّة دشّنت بدايتها الرسالة المحمّدية على عهد النبي (ص) بتحويل العملية من رقّ إلى عقد عمل بين أحرار، وهي ظاهرة لم تعرفها البشرية قبل البعثة المحمّدية، ولم تُطبّق إلا بعد مرور ألف سنة على نزول الرسالة المحمّدية.
إنّ قراءتنا المعاصرة للرسالة المحمّدية التي وردت بين دفّتي المصحف جاءت من منطلق كونها خاتم الرسالات، فتمعنّا فيها بعيون وعقل عصر ما بعد الرسالات على أساس أن الخطاب الإلهي الذي جاء فيها يستوعب كلّ المستويات الإنسانية، بحيث جاء مستوعباً لمستوى الأوّلين الذين قرؤوه بعيونهم وبمستوى معارفهم، وجاء مستوعباً لمستوانا، وبالتالي علينا أن نقرأه بعيوننا وبمستوى معارفنا، كما جاء مستوعباً لمستويات مَن بعدنا من الأجيال الذين يجب عليهم أن يقرؤوه بعيونهم وبمختلف مستوياتهم المعرفية، وهذا يؤكّد مصداقية الرسالة المحمّدية على أنّها رسالة إلهية وأنّها الخاتم وصالحة لكلّ زمان ومكان، إذ لا يمكن أن تكون صلاحيتها إلى يوم الدين إلّا بهذه الصورة.

النّظام المعرفي المتبع

النظام المعرفي أو المنهج المتّبع الذي انطلقنا منه في محاولة فهم التنزيل الحكيم وتقديم قراءة معاصرة له، سواء في موضوع النبوّة أو الرسالة، هدفه العمل على إعادة تأسيس فكر ديني معاصر، لا يتناطح مع ما توصّلت إليه المعارف الإنسانية، باستعمال أرضية معرفية متطوّرة لفهم نصوص التنزيل الحكيم، وإعادة تأسيس فقه إسلامي معاصر يقدّم رؤية مغايرة لعملية التشريع التي يجب أن تتماشى مع التطوّر المعرفي لأيّ مجتمع. على ألّا ننسى أنّ قراءتنا المعاصرة للتنزيل الحكيم ليست القراءة الأخيرة له، لأنّ القول بأنّها الأخيرة يوقعنا في ما وقع فيه السلف والسلفيون والآباء والآبائيون، لأنّ من يدّعي فهم كتاب الله ككلّ من أوّله إلى آخره فهماً مطلقاً، إنّما يدّعي شراكة الله في المعرفة في ضوء قوله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} (الرعد 43)، وبالتالي فإنّ كتب التفسير التي تفسّر التنزيل الحكيم من أوّله إلى آخره لا تعني شيئاً بالنسبة إلينا من الناحية العلمية وليس لها أيّ مصداقية لأنّها ترتكز في عمومها على التفاسير التوراتية وعلى أسباب النزول وأقوال السلف. أمّا مبادئ منهجنا المعاصر في فهم نصوص التنزيل الحكيم فهي مبادئ ذات أرضية علمية ولها مصداقيتها في التطبيق وترتكز على ما يلي:

أولاً: الإيمانيات

1- إن آيات التنزيل الحكيم عبارة عن نصّ إيماني وليست دليلاً علمياً، بحيث يمكن إقامة الحجّة بواسطتها على أتباع المؤمنين بها فقط، أمّا على غيرهم فلا يمكن. وعلى أتباع الرسالة المحمّدية المؤمنين بالتنزيل الحكيم أن يوردوا الدليل العلمي والمنطقي على مصداقيتها، وفي ذلك تتمثّل مهمّتهم الأساسية. علما أنّ كلّ الإنسانية تعمل على ذلك أعلمت بذلك أم لم تعلم: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (الروم 30).
2- إن التاريخ الإنساني ككل في مسيرته العلمية والتشريعية والاجتماعية، هو صاحب الحق في الكشف عن مصداقية التنزيل الحكيم، وهذه المصداقية ليس من الضروري أن ترد على لسان صحابي أو تابعي أو فقيه بل قد ترد على لسان كل من يقرأ نصوص التنزيل الحكيم قراءة واعية وممنهجة.
3- إن الوجود المادّي وقوانينه هما كلمات الله، وأبجدية هذه الكلمات هي علوم الفيزياء والكيمياء والجيولوجيا والبيولوجيا والفضاء… إلخ، وإنّ الكمّ المنفصل (Digital) والكمّ المتّصل (Equations) هما آليّة هذه العلوم، وهذا الوجود مكتفٍ ذاتياً ولا يحتاج إلى شيء من خارجه لفهمه، وهو لا يكذب على أحد ولا يغشّ أحداً، وفي نفس الوقت لا يساير أحداً وهو عادل في ذاته: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} (الأنعام 115).
4- بما أن التنزيل الحكيم هو كلام الله: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ} (التوبة 6)، فوجب بالضرورة أن يكون مكتفياً ذاتياً، وهو كالوجود لا يحتاج إلى أيّ شيء من خارجه لفهمه، هذا لإيماننا واعتقادنا بأنّ خالق الكون بكلماته هو نفسه موحي التنزيل الحكيم بكلامه، وهو الله سبحانه وتعالى. لذا فإن مفاتيح فهم التنزيل الحكيم ليست من خارجه بل هي بالضرورة داخله (تفصيل الكتاب) وما علينا إلّا البحث عنها فيه. وانطلاقاً من أنّ أبجدية كلام الله هي فهم المصطلحات – بحيث أوردنا جزءاً خاصّاً بها في آخر الكتيب – فإنّ فهم هذه المصطلحات يعتمد على تطبيق منهج معرفي في مهمّة التعامل مع نصوص التنزيل الحكيم. وما دامت المعرفة أسيرة أدواتها – وهذا ما سنشرحه في المنهج – فإن التنزيل الحكيم مطلق في ذاته، لكنه نسبي لقارئه لأنّ نسبيته تتبع تطوّر نظم المعرفة وأدواتها لدى الإنسان، وهذا ما نطلق عليه ثبات النص في ذاته وحركة المحتوى لقارئه في فهمه، ومن هنا نفهم لماذا كان النبي (ص) ممتنعاً عن شرح الكتاب كله إلا في الشعائر فقط.
5- الأساس في الحياة هو الإباحة، لذا فإن الوحيد صاحب الحق في التحريم هو الله فقط، ولكنّه أيضاً يأمر وينهى، والنبي كان يأمر وينهى، والناس كانوا وما زالوا يأمرون وينهَون، لأنّ هناك فرقاً شاسعاً بين التحريم والنهي. ويتّضح ذلك على أساس أنّ المحرّمات قد أُغلقت في كتاب الله وحُصرت فيه بـ14 محرّماً لا أكثر ولا أقل، وبالتالي تصبح كل إفتاءات التحريم لا قيمة لها. وهكذا فإنّ كل ما عدا الله، ابتداءً من الرسل وانتهاءً بالهيئات التشريعية، تنحصر مهمّته في الأمر والنهي فقط: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر 7)، حيث إنّ كلّاً من الأمر والنهي ظرفي زماني مكاني، والتحريم شمولي أبدي. لذا فإن الرسول (ص) لا يحرم ولا يحلل، وإنما يأمر وينهى، وكلّ نواهيه ظرفية لأنها عبارة عن اجتهادات في تفصيل المحكم كما جاء في الرسالة المحمّدية، وهي قابلة للنسخ لأنها اجتهادات إنسانية ظرفية وليست وحياً، وكانت بمثابة القانون المدني الذي سنّه لمجتمعه بناءً على اجتهاده الإنساني كقائد أعلى للمجتمع، لذا فإن اجتهاداته ليست وحيا، وجاءت طاعته فيه طاعة منفصلة أي واجبة لمن عاصره من أفراد مجتمعه فقط. علماً بأنّ الدين كما جاء في الرسالة المحمّدية يأمر وينهى ويحرّم لكنّه لا يمنع لأنه لا يملك أداة الإكراه: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ…} (البقرة 256)، أمّا السلطة في أيّ دولة فإنها تأمر وتنهى وتمنع عن طريق السلطة التشريعية فيها وذلك لأن الدولة تملك سلطة الإكراه (السلطة التنفيذية) لكنّها لا تحرّم لأنّ الله فقط هو صاحب الحق في التحريم.
6- إنّ محمّداً (ص) قد جاء نبيّاً مجتهداً غير معصوم في مقام النبوة: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ} (التوبة 117)، وجاء رسولاً مبلّغاً ومعصوماً في مقام الرسالة: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (المائدة 67)، وبناءً على ذلك فهناك نوعان من السنّة: سنّة رسولية وسنّة نبوية، بحيث يوجد المحرّمات الإلهية الـ14 في السنة الرسولية لأنّ مهمّة الرسول (ص) فيها تمثّلت في تبليغ ما أوحي إليه من ربّه فقط، أمّا السنة الثانية فكانت مناط اجتهاده من مقام النبوّة كقائد أعلى للمجتمع، وبالتالي ليس فيها محرّمات إطلاقاً وإنما جاءت على شكل أوامر ونواهٍ ظرفية لزمانه. وعلى هذا الأساس فإنّ طاعته في حالتيه كرسول مُبلِّغ وكنبي مجتهد جاءت لمقام الرسالة لأنّ الطاعة تكون للقانون لا للقوّة. فأمّا طاعته في السنّة الرسولية فطاعة متّصلة أي لمن عاصره من أفراد مجتمعه ولمن بعدهم بطاعته في ما أوحي إليه من ربّه من نصوص تشريعية، وأمّا طاعته في السنة النبوية فطاعة منفصلة أي كانت لازمة لمن عاصره من أفراد مجتمعه فقط وليست واجبة على من بعدهم بطاعته في تشريعاته التي سنّها لهم كقائد أعلى للمجتمع.
7- تذكرة الدخول إلى الإسلام هي الإيمان بالله واليوم الآخر تسليماً، والإسلام يقوم على هذه المُسَلَّمة، والعمل الصالح هو السلوك العامّ للمسلم، وكلّ مؤمن بالله واليوم الآخر تسليماً ويعمل صالحاً فهو مسلم مهما كانت ملّته الدينية، فيما التنزيل الحكيم سمّى أتباع ملّة محمّد (ص) “مؤمنون” لأنهم بالإضافة إلى إيمانهم بالله واليوم الآخر كغيرهم من المسلمين فإنهم يقتدون بالنبي (ص) في الشعائر، لأنّ اختلاف الملل الدينية يقوم على اختلاف الشعائر في ما بينها، وكلّ عمل هو وقفٌ على أتباع الملّة المحمّدية ولا يقوم به غيرهم هو من الإيمان بنبوّة محمّد (ص)، مثل الصلوات الخمس وصوم رمضان ونصاب الزكاة وصلاة الجنازة، حيث إنّ هذه الشعائر هي من أركان الإيمان وليست من أركان الإسلام ويكون الإبداع فيها بدعة ومرفوضاً. وبما أنّ القيم الإنسانية من العمل الصالح فهي من الإسلام وليست وقفاً على أتباع الرسالة المحمّدية فقط، مثل برّ الوالدين والصدق وعدم قتل النفس وعدم الغشّ والأمانة… إلخ. وما دام العمل الصالح من الإسلام، فأبدع ما شئت، ولك الأجر أنت ومن اتّبعك. ورأس الإسلام هو شهادة أنْ “لا إله إلّا الله” شهادة شاهد: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} (الأنبياء 108)، أمّا شهادة أنّ “محمّداً رسول الله” فهي رأس الإيمان، والإيمان بها تصديقاً. وبناءً على ذلك فإنّ أتباعه (ص) هم “المسلمون المؤمنون” لأنّهم يشهدون شهادة الإسلام وشهادة الإيمان. إنّ الإسلام دين عالمي إنساني، وهو الدين الوحيد الذي ارتضاه الله لعباده، لأنّه دين الفطرة، وقد تراكم من نوح حتى محمّد (ص). أمّا أركان الإيمان فهي ضدّ الفطرة تماماً كصوم رمضان والصلوات الخمس، ولا يمكن للإنسان أن يقوم بها إلّا إذا أمره أحد بها وهداه إليها ثمّ قبِلَ هو بها، لذا قال تعالى عن الإسلام والإيمان: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (الحجرات 17). وبناءً عليه، يصبح أهمّ إصلاح ثقافي نحن بحاجة إليه هو تصحيح أركان الإسلام وأركان الإيمان بالتمييز بينهما، لأنّ أركان الإيمان وُضعت على أنها أركان الإسلام في منظومتنا التراثية، ما أوقعنا في أزمة ثقافية وأخلاقية كبيرة جداً وعزلنا عن بقيّة العالم. لأننا نلاحظ في الأركان التي وضعوها للإسلام غياباً تامّاً للأخلاق والقيم العليا بحيث جعلوا الإسلام دين تكليف مع أنّه دين يتماشى مع الفطرة على عكس الإيمان القائم على التكليف.

ثانياً: الأوّليّات

عند دراسة أيّ نص لغوي، مهما كان نوعه، نجده يتأسّس على الأركان التالية: المؤلّف – النصّ – القارئ أو السامع. فالقارئ يتعرّف إلى المؤلف من خلال النصّ وقراءاته له، وليس ضرورياً أن يذهب القارئ إلى المؤلف ويجلس معه ليفهم منه ماذا يريد بكتابه. فإذا فهم القارئ النصّ مئة بالمئة كما أراد المؤلف، فهذا يعني أنّه دخل إلى عقل المؤلف وصار مثله في المعارف الواردة في النص. وعندما يقرأ القارئ النصّ فإنّه يوظف معلوماته المكتسبة تلقائياً ليفهمه، فإذا لم يفعل ذلك فإنّه يعطّل فكره ولا يفهم شيئاً، وهذا ما يحصل مع شديد الأسف عند الكثير من الناس حين يقرؤون آيات الذكر الحكيم. ففي التنزيل الحكيم، ولله المثل الأعلى، المؤلِّف هو الله المطلق المعرفة، والنصّ هو التنزيل الموحى، والسامع هو الناس المحدودو المعرفة من زمن التنزيل إلى أن تقوم الساعة، بمختلف مداركهم ومعارفهم المتطوّرة والمتقدّمة دائماً. لذا لا يمكن لإنسان واحد أو لمجموعة من البشر في جيل واحد، فهم معاني نصوص التنزيل الحكيم فهماً كاملاً ومطلقاً كما أراده صائغه، وإلّا أصبح شريكاً لله في المعرفة، بدلالة قوله تعالى: {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} (الأنعام 67). وما دام الأمر كذلك، وإذ لن يأتي وحي ولا تنزيل بعد محمّد (ص) الخاتم، كي يضع الأنباء في مستقرّها، وما دام الله يعلم بعلمه الكليّ اختلاف القارئ – إلى أن تقوم الساعة – حسب اختلاف الأرضية المعرفية والمدركات لكلّ زمن، جاء تنزيله عزّ وجلّ يحمل ظاهرة التشابه، أي ثبات النصّ وحركيّة المحتوى في النبوّة، وجاءت الأحكام في هذا التنزيل حنيفيّة، تحمل مرونة التطابق مع المتغيّرات الزمانية والمكانية، في تحرّكها بين حدود الله الدنيا والعليا في الرسالة، تاركة للمجتمع فهم معاني النصوص وفق الأرضية المعرفية لكلّ مجتمع، واختيار النقطة الملائمة ضمن هذه الحدود حصراً لتقف عليها وتأخذ بها، مقلدة التشريع الإلهي في مؤسّساتها التشريعية بإصدار شرائع حدودية ظرفية بالاجتهاد في تفصيل المحكم الذي يتضمّن الحدود الدنيا والعليا التي جاءت في الرسالة الإلهية، علماً بأنّ الثابت في التشريع هو الآيات المحكمات وفيها كلّ المحرمات، أمّا حنيفية التشريع فتتجلّى في تفصيل المحكم.

ثالثاً: اللغويّات

1- الألفاظ خدم للمعاني، فالمعاني هي المالكة لسياستها والمتحكّمة فيها. ووظيفة اللغة هي آليّة التفكير ونقل ما يريده متكلم إلى سامع.
2- حين يخاطب المتكلم سامعاً، فهو لا يقصد إفهامه معاني الكلمات المفردة، لذا فالثقافة المعجمية غير كافية لفهم أيّ نصّ لغوي، فما بالك إن كان النصّ هو التنزيل الحكيم. فالمعاني موجودة في النظم، لا في الألفاظ كلّ على حدة، وحين نقول إنّ الولد أكل تفاحة حمراء، فنحن نعني ضمناً وبالضرورة أنّ هناك تفّاحاً بألوان أخرى. وعندما نقرأ قوله تعالى: {وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} (الأعراف 33)، فنحن نفهم ضمناً وبالضرورة أنّ هناك إثماً وبغياً بحقّ، ولو لم نقل ذلك لفظاً بالنص، وهذا ما يسمىّ المسكوت عنه.
3- اللغة حاملة للفكر، وتتطوّر معه. وهناك تلازم لا ينفصم بين اللغة ووظيفة التفكير عند الإنسان، حتى الأحلام التي يراها النائم، يراها ضمن حامل لغوي.
4- جاء التنزيل الحكيم على أعلى مستوى من البلاغة التي لا يمكن تجاوزها أو الإتيان بمثلها في أداء المعنى وتوصيله إلى السامع. فهو الكتاب الوحيد الذي يمثّل في جميع آياته الخيط الفاصل بين الإطالة المملّة والإيجاز المخلّ. لهذا علينا أن نقرأ المسكوت عنه الذي اقتضته البلاغة، كما في آية المواريث حيث سكت عن الذكر في قوله تعالى: {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} (النساء 11)، وفي قوله تعالى: {فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} (النساء 11).
5- جاء التنزيل الحكيم ليطوّر اللغة العربية، بحيث ألغى الترادف في الألفاظ وفي التركيب، وانتقل باللغة العربية إلى مستوى التجريد الكامل بحيث تستوعب أكبر المكتشفات. فاللوح المحفوظ غير الإمام المبين، والكتاب غير القرآن، و”للذكر مثل حظّ الأنثيين” لا تعني “للذكر مِثلا حظّ الأنثى”. ومن يقُلْ بالترادف في المفردات والتراكيب فكأنما يقول إنّ التنزيل الحكيم نزل على مبدأ “ما أعذب هذا الكلام لا أكثر من ذلك” مقارنة بالشعر الذي لا يعيبه الترادف والكذب والخيال. وبالتالي فإنّ القول بأنّ الناقة لها خمسون اسماً من باب الترادف يمثّل مرحلة ما قبل التجريد النهائي في اللغة العربية الذي جاء به التنزيل الحكيم، ويمثّل بدائية اللغة، لذا لا نأخذ به الآن لأنّ التنزيل الحكيم تجاوزه تماماً.
6- التنزيل الحكيم كتاب دقيق في تراكيبه ومعانيه، انطلاقاً من أنّ الدقة فيه لا تقلّ عن مثيلتها في الكيمياء والفيزياء والطبّ والرياضيات. وهذا الأمر طبيعي، انطلاقاً من اقتناعنا بأنّ صانع هذا الكون من أصغر ذرّة إلى أكبر مجرّة، وخالق هذا الإنسان بأعصابه وأوردته وشرايينه وعظامه ولحمه وجلده وشعره وأجهزة السمع والبصر والإدراك، هو ذاته صاحب التنزيل، الذي لا بد من أن تتجلّى فيه دقة الصانع ووحدة الناموس. فلكلّ حرف فيه وظيفة، ولكلّ كلمة فيه مهمّة، وقوله تعالى: {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ…} (النساء 11)، لا تعني أبداً “ولوالديه لكلّ واحد منهما السدس”. لذا فإنّ تطوّر مستوى الدقة عندنا أعلى بكثير من ذاك الذي كان عند السلف، فالكون هو الكون، ولكنّ مستوى الدقة عندنا الآن في دراسة الكون أعلى بكثير ممّا كان عليه في القرن الماضي. واستعمال دقة العصر في العلوم والتشريع هو من أساسيّات القراءة المعاصرة.
7- عند تأويل آيات التنزيل الحكيم لا بدّ من الإمساك بالخيط اللغوي الرفيع الذي لا يجوز تركه، والذي يربط ويصل الشكل بالمضمون، لأنّه إذا انقطع هذا الخيط بين البنية والدلالة تصبح احتمالات معاني الآيات لانهائية.
8- نحن ننطلق في قراءتنا المعاصرة من أنّ إرساء أسس التدوين والتقعيد، جاء لاحقاً للسان العربي ولاحقاً للتنزيل الحكيم لا سابقاً له. فإذا قال سيبويه إنّ الفعل يجب أن يماثل الفاعل في الإفراد والتثنية والجمع، ثمّ نقرأ قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا} (الحج 19)، فهذا لا يعني أنّ الله أخطأ في القواعد التي أرساها سيبويه، بل يعني أنّ سيبويه حين أسّس لقواعده لم يُحْكِم ما أسّسه على ما ينبغي، وهذا يفسّر لنا خلافات مدارس النحو وأهله في المئات من المسائل. إنّ أسس النحو والصرف قُعِّدت بعد أن وُجدت اللغة واللسان لا قبلهما. والمتأمّل في هذه القواعد والأسس، يجد أنّها تتبع النصوص كيفما تحرّكت، وأنّها مصوغة أصلاً استخراجاً ممّا تحرّكت به النصوص، وأنّ الحكم في صحّة القاعدة أو في عدم صحّتها هو لما قاله العرب وسمعوه، ونحن نؤكد أنّ السلطة للنصّ على القاعدة وليس العكس، وخاصّة في التنزيل الحكيم.
9- نرى أنّ التنزيل الحكيم جاء يحمل في ذاته تطويراً لغوياً لم يعرفه الجاهليون في لسانهم قبله بحيث ألغى الترادف، لأنّ استعمال الترادف كان موجوداً في اللغة العربية وخاصة في الشعر ويمثّل مرحلة ما قبل التجريد الكامل التي جاء بها التنزيل من خلال إلغائه للترادف، إذ يمتاز التنزيل الحكيم بأسلوب متميّز في النّظم يخرجه كليّة من دائرة الشعر أو الخطابة التي عرفها العرب قبله، وفيه مصطلحات مستحدثة انفرد بها، لم تكن موجودة قبله. وهذا وأشباهه كثير كثير، يؤكّد استحالة اعتبار مفردات الجاهلية كافية بذاتها لفهم التنزيل الحكيم، مع الإشارة إلى أنّ معنى الترادف الذي كان مستعمَلاً يومها هو وجود مفردتين أو أكثر بمعنى واحد، وهو ما ألغاه التنزيل الحكيم لإزالة التداخل في معاني المصطلحات، أما أن تكون هناك مفردة أي مصطلح ذي معنيين أو عدّة معانٍ، فهذا وارد ويدلّ على تطوّر اللغة وموجود في كلّ لغات العالم، مثل مفردة “نساء” التي تأتي كجمع لمفردة نَسيء وقد تأتي كجمع لمفردة “امرأة”، وكذلك مصطلح “عبد” فهو أيضاً يحمل معنى الطاعة ومعنى المعصية، ومفردة “أمر” لها أيضاً خمسة معانٍ؛ وبالتالي يُفهم المعنى المقصود منها حسب المعنى العام لسياق الجملة التي وردت فيها ووفق نظمها.
10- لقد وضع الخليل وسيبويه قواعد اللسان العربي على مبدأ الشكل: المرفوعات والمنصوبات والمجرورات، وهو ما يُسمّى علم النحو، ثمّ جاء علم البلاغة (المعاني) وكأنّه قام بالفصل بين النحو والبلاغة كلّ على حدة، بحيث نجد أنّ سيبويه والجرجاني وابن جنّي وأبا علي الفارسي وكلّ علماء اللغة ظهروا في القرون الهجرية الأولى. ونحن الآن في بدايات القرن الحادي والعشرين، نعلم أنّ علوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك والطبّ وكلّ العلوم الأخرى تقدّمت تقدّماً هائلاً لا يقاس أصلاً بالماضي، بالإضافة إلى علوم اللسانيات، لكنّ علماء الدين نسوا أنّ علوم اللغات تطوّرت أيضاً تطوّراً هائلاً. فكيف لنا نحن ألّا نأخذ في الاعتبار هذا التطوّر الهائل لعلوم اللسانيات عند دراسة آيات التنزيل الحكيم لفهمها بنحو أفضل ومعاصر؟

رابعاً: المنهج الفكري

التنزيل الحكيم، كتاب منزل من إله عالم كامل العلم والمعرفة، ذي علم مطلق. لهذا لا يمكن لكتابه أن يحتمل الخطأ أو التناقض. وبالتالي فإنّ فهمه على نحو لامتناقض يحتاج إلى منهج فكري يساعد على التعمّق فيه لإزالة الإشكالات التي قد تبدو لنا فيه قبل ذلك. وقد وضعنا منهجنا الفكري لفهم نصوصه بالارتكاز على ما توصّل إليه كل من علمي اللسانيات والإبستمولوجيا الحديثين. فجاء منهجنا مبنيّاً على المبادئ التالية:
1- لا يمكن فهم أيّ نصّ لغوي إلّا على نحو يقتضيه العقل.
2- اللغة حاملة للفكر الإنساني، لكن الفكر الإنساني يمكن أن يكون صادقاً، ويمكن أن يكون كاذباً، وهذا يعني أن توفر الرباط المنطقي، وصحّة الشكل اللغوي في النصّ، لا يعنيان بالضرورة أنّه حقيقي، وجمال التركيب اللغوي ومتانته في النصّ لا يعنيان بالضرورة أنّه صادق. من هنا لا يمكن الاقتصار على إعجاز التنزيل في القول بأنّه استعمل مختلف أدوات وأساليب البلاغة والبيان التي عرفها العرب، بل يجب – بالإضافة إلى ذلك – الإيمان بأنّ النبأ القرآني صادق وحقيقي، وأنّ التشريع في الرسالة واقعي وعالمي، وكلّ من يعمل في حياته للبرهان على صدقية التنزيل الحكيم في أنبائه وواقعيته في تشريعاته فهو من الصدّيقين. لقد كان يعنيني كثيراً صدق النبأ في النصّ القرآني، وواقعية التشريع في آيات الأحكام (أمّ الكتاب والتفصيلها) أكثر ممّا يعنيني جمال التركيب والصياغة فصدق النبأ الإلهي عندي أهمّ من تصديق المراجع كائناً من كان مؤلفها.
3- بالإضافة إلى أنّ التنزيل الحكيم يحوي المصداقية، أي إنه صادق ومتطابق مع الواقع ومع القوانين الطبيعية والفطرة الإنسانية، فهو أيضاً يحوي الأهمية وهو خالٍ من العبث ومن الأخبار غير المهمّة والمعروفة عند الناس. فالناس لا تحتاج إلى وحي لتعرف، مثلاً، أنّ الجرّة تنكسر إذا وقعت من ارتفاع عالٍ، ولا تحتاج إلى وحي لتعرف أنّ الفيل ذنبه قصير وخرطومه طويل. لكنّنا إذا قرأنا قوله تعالى: {… فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ…} (البقرة 196)، وسلّمنا بما ورد في التفاسير بشأنها، وجدنا أنّ الله في الآية يعلّم الناس أنّ: (3 + 7 = 10)، مع أنّ هذا خبر كان يعرفه كل الناس عند نزول الوحي ولم يكونوا بحاجة إلى وحي لمعرفته، وهذا غير معقول في ضوء خلوّ التنزيل الحكيم من العبث. وعلى أساس هذا التفسير التراثي للآية، إذا حذفنا كلمة (كاملة) من الآية السابقة، لن يتأثّر المعنى الذي ذهب إليه المفسّرون وهو أنّ الله يعلّم الناس الجمع والحساب، وهذا غير صحيح في ضوء خلوّ التنزيل من الحشو. مما يستدعي إعادة قراءة للآية تحقّق مصداقية كلام الله وتجعله لا يخلو من كلّ الفرضيات دون استثناء، ويغطي: صدق التنزيل، وخلوّه من الحشو، وبُعده عن العبث في سَوق المعارف المألوفة عند الناس. وهي القراءة التي تنتبه إلى وجود أكثر من نظام واحد للعدّ عند الناس، إذ هناك النظام العُشري والنّظام السُباعي والنظام الاثنا عشري والنظام الست عشري، فالعشرة في النظام الاثني عشري مثلاً ناقصة نعبّر عنها بالشكل التالي (10/12)، أمّا العشرة في النظام العُشْري فهي عشرة كاملة، وقوله تعالى: (كَامِلَةٌ) في الآية إشارة إلى نوع نظام العدّ الذي جاءت آية الحج على أساسه.
4- لا يمكن فهم التنزيل الحكيم، من خلال أسلوب فهم الشعر الجاهلي ومفرداته، فالمجتمع الجاهلي له أرضيته المعرفية وعلاقاته الاجتماعية والجمالية والأخلاقية الخاصّة به، بحيث جاءت مفردات شعره عاكسة لذلك كله ومعبّرة عنه ومُقيَّدة به، ونحن لا نجد كلمات أو مفردات عند العرب وقتها تدلّ على الجاذبية الأرضية أو على كرويّتها لأنّهم لم يعرفوها أصلاً. ولو حصرنا فهم التنزيل الحكيم بمعاني مفرداتهم، لما حقّ القول إنّ المكتشفات الحديثة العلمية أكّدت مصداقية القرآن. من هنا نقول إنّ المجتمعات هي التي تشارك في صنع المعاني حسب تطوّر معارفها، لكنّ هذه التطوّرات نفسها محسوبة في التنزيل، بحيث مهما امتدّت واتسعت، فسيجدها الإنسان منسجمة مع النصّ الإلهي، مصدّقة له ودائرة في فلكه.
5- جاء التنزيل الحكيم من عند إله هو كينونة في ذاته (موجود في ذاته)، وبذلك يُعدّ التنزيل الحكيم كينونة في ذاته أيضاً، ويظهر هذا جلياً في ثبات النصّ، وبتعبير آخر ثبات الذكر في صيغته اللغوية المنطوقة. إنّ النصّ اللغويّ المنطوق للتنزيل الحكيم هو الشكل الثابت فيه، الذي لا يخضع للصيرورة ولا للسيرورة. ولا أحد يملك الإدراك الكلّي له في كليّاته وجزئيّاته حتّى لو كان نبيّاً ورسولاً، لأنّه يصبح بذلك شريكاً لله في علمه الكلّي، وشريكاً لله في كينونته في ذاته، تعالى الله عمّا يصفون. لكنّنا نستطيع الإحاطة به تدريجاً من خلال الصيرورة المعرفية النسبية المتحرّكة، وتصبح الإحاطة به كليّة يوم تقوم الساعة، أي عند قيام الساعة والبعث والحساب يتمّ التأويل الكامل والنهائي للقرآن. إنّ الإنسان يقرأ التنزيل الحكيم ضمن مستوى أدواته المعرفية ومشاكله الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وإشكالياته المعرفية، فيجد فيه أشياء لم يجدها غيره، ويفهم منه أشياء لم يفهمها غيره، وهذا يثبت أنّ التنزيل يحمل صفة الحياة، وأنّه كينونة في ذاته فقط لكنّه سيرورة وصيرورة لغيره، وهذا ما نعنيه دائماً حين نتحدّث عن ثبات النص وحركية المحتوى والجدل بين النص والمحتوى. من هنا نجد التنزيل الحكيم يحمل دائماً صفة القراءة المعاصرة، فأنت حين تقف كقارئ في نقطة معيّنة من التاريخ، منطلقاً من نظام معرفي معيّن، حاملاً إشكاليات اجتماعية ومعرفية معينة، ستفهم من التنزيل ذي النصّ اللغوي الثابت أموراً معيّنة لكنّ غيرك قد يفهم أموراً أخرى مع تغيّر إحداثياته ومنطلقاته، لأنّ كلّ واحد منّا يستعمل المنطق (قوانين العقل) وفق مستواه المعرفي.
6- إنّ التنزيل الحكيم هو كلام الله غير المباشر الذي أوحاه عن طريق جبريل للنبي (ص) وفيه بعض الآيات هي كلام الله المباشر والمتمثلة في كلامه عزّ وجلّ المباشر لموسى عندما كلّمه بالواد المقدّس: {… وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} (النساء 164)، بحيث نجد هذا الكلام في قوله تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْني وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} (طه 11-14). أمّا كلمات الله فهي الوجود والقوانين الناظمة له بفرعيه الكوني والإنساني، فمن فهمنا لكلمات الله نفهم كلامه لأنّ مصداقية كلام الله (الرسالات السماوية) لا تظهر إلّا في كلماته (الوجود الموضوعي الكوني والإنساني)، وما علينا كي نفهم كلامه إلّا أن ندرس كلماته في الوجود الكوني والإنساني بسننه وقوانينه وتشريعاته، لكنّ فهمنا لهذه السنن والقوانين يخضع للسيرورة والصيرورة، وبناءً على ذلك نقول إنّ فهمنا لكلام الله هو فهم متطوّر غير ثابت، بينما كلام الله فثابت في كينونته كنصّ إلهي مقدّس.
7- بما أنّ التنزيل الحكيم هدى للناس ورحمة للعالمين، فهو يحمل الطابع الإنساني لا العروبي، وبالتالي يجب أن نرى مصداقيته رأيَ العين في كلّ أنحاء العالم لا في المجتمع العربي فقط، وعلى مرّ العصور والدهور لا في عصر النبوّة والصحابة فقط. فمثلاً هناك مفردات: كالعِرض والشرف والمروءة والشهامة غير موجودة أصلاً في التنزيل الحكيم مع أنّها مفردات فصحى عربية وكانت تقوم عليها الثقافة العربية قبل البعثة المحمّدية ودارت حولها أحداث تاريخية كثيرة.
فالتنزيل الحكيم يحمل الخاصّيتين التاليتين:
أ‌- الوحي لا يناقض العقل (Revelation doesn’t contradict reason).
ب‌- الوحي لا يناقض الواقع (Revelation doesn’t contradict reality).
8- يؤكّد القرآن النظرية المادّية في المعرفة الإنسانية التي يعبّر عنها مبدأ أنّ: العلم يتبع المعلوم وأنّ المعلومات تأتي من خارج الإنسان عن طريق الحواسّ والوحي (الإلهام) وغيرها. أمّا عندما يتبع المعلوم العلم فذلك من صفات الله فقط ولا يدخل في نطاق المعرفة الإنسانية. ويُعدّ التجريد الفكري لدى الإنسان هبة من الله وهبه إيّاها بنفخة الروح، ويُعبَّر عنها باللغة والرياضيّات المجرّدة التي تأتي سابقة لعلم الفيزياء. وهذا يؤكد أنّ الله عزّ وجلّ خلق الوجود من العدم، والعدم هو وجود الدالّ بدون مدلول وهذا الأمر نجده في الرياضيّات المجرّدة.
9- تقوم المعرفة الإنسانية على مبدأ التقليم وهو تمييز الأشياء بعضها عن بعض (Identification)، ثمّ يتبعها التسطير وهو ضمّ الأشياء بعضها إلى بعض في نسق واحد وهو ما نسمّيه التصنيف (Classification). والفؤاد هو الإدراك المشخّص بالحواسّ وهو ردّ الفعل الغريزي لدى الإنسان وهو الذي يعطيه المادّة الأوليّة الخام للفكر والعقل.
10- إنّ مبدأ الكمّ والكيف (العدد والإحصاء – القدر والمقدار) هو النافذة التي يطل بها الإنسان على العالم الخارجي، بحيث يبدأ الإنسان بالكيف ثمّ ينتقل إلى الكمّ والعكس.
11- إن عناصر المعرفة الإنسانية بالعالم الموضوعي هي المادة والبعد والموقع والحركة، ومن هذه العناصر الأربعة تنتج الوظيفة والتطوّر.
12- إن العالم الموضوعي في التنزيل الحكيم يقوم على جدلية أساسية هي الصراع بين البقاء والهلاك، ويكون النصر دائماً للهلاك. من هذه الجدلية نستنتج الجدليات التالية في الطبيعة:
أ‌- جدليّة التناقضات في الشيء الواحد: {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} (الحج 5).
ب‌- جدليّة الأزواج أي التأثير والتأثر المتبادل بين الأشياء: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا} (يس 36).
ت‌- جدليّة الأضداد (في ظواهر الأشياء أو في السلوكيات): الليل والنهار – الفجور والتقوى – الهداية والضلال.
13- إنّ الحرّية هي أساس الحياة الإنسانية وهي القيمة العليا المقدّسة وفيها تكمن عبادية الناس لله. وهي الكلمة التي سبقت لأهل الأرض. والعبودية غير مطلوبة أصلاً لا من الله ولا من غيره، وإن طُلبت أو وُجِدت فهي لغير الله حتماً.

خامساً: أسس التشريع المعاصر

1- يضمّ التنزيل الحكيم بين دفّتيه نبوّة محمّد (ص) كنبي، ورسالته كرسول. وتنقسم آياته من هذه الزاوية قسمين: أولاً آيات النبوّة التي تشرح نواميس الكون وقوانينه وقوانين التاريخ وأحداث الرسالات والنبوّات (القصص)، وقد جاء في هذه الآيات ردود على أسئلة الفلسفة الكونية كالوجود الموضوعي ونظرية المعرفة الإنسانية، وهذه الآيات تحتمل التصديق والتكذيب. وثانياً: آيات الرسالة التي تشرح الأحكام والأوامر والنواهي وتحتمل الطاعة والمعصية. وبناءً على ذلك فإنّ آيات النبوّة هي الآيات المتشابهات التي تخضع كلّها لثبات النصّ وحركيّة المحتوى، ويمكن إعادة قراءتها في ضوء تطوّر الأرضية المعرفية على مرّ العصور والدهور. أمّا آيات الرسالة فهي على قسمين: قسم منها ثابت النصّ والمحتوى وهو الآيات المحكمات (أمّ الكتاب) وهي آيات مغلقة لا اجتهاد فيها (ثبات النصّ والمحتوى)، ومن خلالها تظهر الحاكميّة الإلهيّة وقد وجدنا عددها في التنزيل الحكيم (19) آية فقط. بينما آيات تفصيل المحكم (تفصيل أمّ الكتاب) فهي آيات تتميّز بثبات النصّ وحركية المحتوى لأنّها تخضع للاجتهاد الإنساني، ومن خلالها تظهر الحاكمية الإنسانية الحنيفية، وهي تشتمل على حدود التشريع. وفي نطاق آيات تفصيل المحكم تجتهد كلّ البرلمانات والسلطات التشريعية في العالم، علمت بذلك أم لم تعلم، لأن الحنيفية فطرة الله التي فطر الناس عليها: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (الروم 30).
2- ليس ثمّة ناسخ ومنسوخ بين آيات الرسالة في التنزيل الحكيم، لأنّ النسخ حصل بين الرسالات الإلهيّة لا في رسالة محمّد (ص). هذه الرسالة هي الخاتمة وتتكوّن من آيات محكمات هي عبارة عن آيات مغلقة لا اجتهاد فيها وعددها (19) كما وجدناه بالبحث والدراسة التي حصلت لأول مرّة في تاريخ الرسالة، وتتكوّن من آيات تفصيل وتمثّل مضمار الاجتهاد الإنساني. وبناءً على ذلك فإنّ مصداقية قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة 106) تتجلّى في عملية النسخ بين مختلف الرسالات الإلهية، إذ جاءت بعض المحرّمات في شريعة موسى، ثم حلّل المسيح عيسى بعده بعضها بدلالة قوله تعالى: {وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} (آل عمران 50). بعد ذلك جاءت رسالة محمّد (ص) لتنسخ بعض الأحكام التي جاءت في رسالتي موسى وعيسى، كأحكام الزنا واللواط واستبدالها بأحكام أخرى، كما أضافت أحكاماً لم تنزل من قبل كالسحاق والوصيّة والإرث… أمّا النسخ بالمعنى والمفهوم الشائع اليوم، الذي يصل بعدد الآيات المنسوخة إلى عدّة مئات، والذي يُحوّلُ الجهاد إلى غزو، ويستبدل الموعظة الحسنة بالسيف، فهو ليس عندنا بشيء. فنحن ننطلق من أنّ صاحب التنزيل هو وحده صاحب الحق في النسخ الإلهي بالحذف والتعديل والإضافة في نصوص كتابه الحكيم، ومقتنعون بأنّ ما وصلنا هو النسخة النهائية لكتابه بتمام نصوصها، وعلى ذلك لا يمكن أن تحتوي بين صفحاتها نصوصاً ينسخ بعضها بعضاً لأنّ ذلك يصبح ضرباً من العبث، بأن يرسل عزّ وجل كتاباً للإنسانية جمعاء وصالحاً ليوم الدين ثمّ يشتمل على نصوص يناقض بعضها بعضاً وينسخ بعضها بعضاً. هذا مرفوض لدينا، فنحن نراه كتاباً كاملاً وخالياً من أيّ تناقض لأنّه الصيغة الخاتمة لكتابه عزّ وجل، وجاءت فيها الرسالة على شكل محكم وتفصيله. وبالتالي يكون الاجتهاد في نطاق التفصيل بمراعاة الظروف الموضوعية والاجتماعية لكلّ مجتمع وفق مستواه المعرفي. وبما أنّ النسخ الإلهي انتهى بين الرسالات مع الرسالة المحمّدية التي جاءت مجرّدة ومُعلِنة بداية عصر ما بعد الرسالات، أي عصر الاجتهاد الإنساني، الذي تبدأ فيه الاجتهادات الإنسانية هي التي ينسخ بعضها بعضاً والتي تدور جلّها في فلك تفصيل محكم الرسالة، وبذلك فقط تظهر مصداقية الرسالة الإلهية الخاتمة.
3- علينا أن نميّز بين النصّ التاريخي وتاريخية التفاعل مع النصّ، إذ هناك جزء من القرآن يحتوي آيات القصص القرآني يُعدّ نصوصاً تاريخية. فقد جاء حسب التنزيل الحكيم أنّ هذه النصوص تحمل صفة العبرة فقط ولا تحمل أيّ تشريع فيها، فالأنباء كلّها بما فيها أنباء الرسل، ومن ضمنها القصص المحمّدي وهي الآيات الواردة في سيرة النبي (ص) كآيات موقعة بدر وأُحد والخندق والأحزاب وتبوك وفتح مكة… وسورة التوبة، عبارة عن نصوص تاريخية ولا تؤخذ منها أيّ أحكام شرعية، ولا علاقة لها بالرسالة. فبالنسبة لنصوص القصص المحمّدي، لها مناسبات نزول لا أسباب نزول. أمّا آيات الرسالة (أمّ الكتاب وتفصيلها) كآيات الوصيّة والإرث… فليست نصوصاً تاريخية لأنها آيات تشريع وهي أبدية وتستوجب الطاعة المتّصلة، والاجتهادات في آيات تفصيل الرسالة هي التي تحمل صفة التاريخية لأنها اجتهادات إنسانية ينسخ بعضها بعضاً. وبناءً على ذلك نستنتج أن آيات القصص القرآني بما فيها القصص المحمّدي نصوص تاريخية، أمّا آيات الرسالة فليست نصوصاً تاريخية بل إنّ الفهم الإنساني لها هو التاريخي بمعنى أنّ الاجتهاد فيها هو الذي يحمل صفة التاريخية لأنه إنساني قابل للنسخ.
4- يأتي الاجتهاد في النص المقدّس حصراً بالاجتهاد في آيات تفصيل المحكم فقط. وصحّة نتيجة الاجتهاد تحدّدها المصداقية بين النصّ والواقع دون إيقاع الناس في الحرج وفيه الحدّ الأدنى من تقييد حرّيتهم. فالاجتهاد صحيح ومقبول بمقدار ما يتجاوب مع الواقع الموضوعي، وبعبارة أخرى، بمقدار فهم قارئ النصّ للواقع الموضوعي في لحظة القراءة التاريخية. ومعيار مصداقية فهم المجتهد للنصّ هو تجاوب اجتهاده مع الواقع، هذا الأمر هو الذي يحدّد صحّة القراءة أو خطأها، ودرجتها من الصواب والخطأ، وهذا أيضاً ما يحدّد نجاح أو فشل أيّ برلمان في تشريعاته، إذ كلّما كانت التشريعات متطابقة ومتجاوبة مع الواقع الموضوعي كان البرلمان ناجحاً في مهمّته لفهمه الصحيح للواقع المعيش. بهذا نفهم أنّ صاحب الحق الوحيد في إظهار مصداقية كلام الله هو الخط الكامل للسيرورة والصيرورة الإنسانية كلها، منذ آدم الى أن تقوم الساعة لقوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (آل عمران 137) وقوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (العنكبوت 20)، وليس على لسان صحابي أو تابعي أو فقيه.
5- الإجماع هو إجماع الناس الأحياء على تشريع ما (أمر، نهي، سماح، منع) ولا علاقة له بالمحرّمات الـ 14 التي جاءت في التنزيل الحكيم. فالتدخين مثلاً ليس من المحرّمات وبالتالي لا يمكن تحريمه بل يمكن فقط منعه بعد ثبوت أضراره عن طريق الاستفتاء والمجالس التشريعية والبرلمانات. وكذلك الأمر بالنسبة للتعدّدية الزوجية التي أحلّها التنزيل الحكيم ولا يمكن تحريمها ولكن يمكن فقط تقييدها أو منعها قانوناً وذلك عن طريق الاستفتاء أو البرلمان، لأنّ المنع أو النهي يختلف عن التحريم بحيث إنّ الله عزّ وجلّ هو حصراً صاحب الحقّ في التحريم، وتحريمه عينيّ وأبديّ، أمّا النهي والمنع والسماح فتكون بالاجتهاد في تقييد الحلال وتدخل في نطاق الاجتهاد الإنساني وهي ظرفية مرحلية وقابلة للنسخ.
6- القياس هو ما يقوم على البراهين المادّية والبيّنات العلمية التي يقدّمها علماء الطبيعيات والاجتماع والإحصاء والاقتصاد… فهؤلاء هم المستشارون الحقيقيون للسلطة التشريعية والسياسية، وليس علماء الدين ومؤسّسات الإفتاء. وبواسطة هذه البيّنات المبنيّة على أسّس علمية يكون الاجتهاد في السماح والمنع لا في التحليل والتحريم.
7- إن توضيح الفرق بين التحريم والنهي والمنع وبين التحليل والأمر والسماح، ومعرفة الدور الإلهي ودور السلطة ودور الناس في كلّ منها، يظهر على ضوء أنّ المحرّمات الـ 14 لا تخضع للاجتهاد ولا للإجماع ولا للقياس، وفيها تتجلى الحاكمية الإلهية، والاستثناء الذي جاء فيها هو حصراً استثناء إلهي عيني، ورد في آية تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، ولا يمكن إسقاطه على بقيّة المحرمات تحت شعار “الضرورات تبيح المحظورات”. بهذه الرؤية العقلانية للحلال والحرام وحدها نتمكن من إخراج الخطاب الإسلامي من حيّز المحلية إلى حيّز العالمية لبيان مصداقية الرسالة المحمّدية بأنها جاءت رحمة للعالمين، ولا يحقّ لأحد (مفتٍ – مجلس إفتاء – برلمان – استفتاء) أن يزيد عدد المحرّمات الـ14 الواردة في التنزيل الحكيم. ومن يقُلْ بذلك يكُن قد تقوّل على الله بغير علم لقوله تعالى: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة 169)، علماً بأنّ التقوّل على الله هو إضافة محرّم إلى محرّماته أو تحليل أحد محرّماته وهو أصلاً من المحرّمات الـ14 الواردة في كتاب الله. ونحن نرى أنّ هذا هو الحلّ الوحيد لخروج الخطاب الإسلامي في مجتمعاتنا من إطار الظرفية الزمانية والمكانية (شبه جزيرة العرب في القرن السابع ميلادي) إلى العالمية والأبدية، أي صلاحيّته كدين إنساني وحيد ارتضاه الله عزّ وجلّ للناس جميعاً في كلّ زمان ومكان إلى أن تقوم الساعة.
8- ضرورة فهم اجتهادات النبي (ص) في عصره على أنّها اجتهادات إنسانية وليست وحياً، وهي تدور في حقل تقييد الحلال وإطلاقه فقط، لأنّ الأساس في الحياة هو الإباحة، لأنّ كلّ حرام مرفوض لكن ليس كلّ حلال مقبولاً لأنه يخضع للعرف والقانون. فالتشريع الإنساني عبارة عن تنظيم الحلال وتقييده حسب الأعراف والتقاليد، وقد مارس (ص) كلّ اجتهاداته الشخصية كوليّ أمر أي مُشرّع لمجتمعه لبناء مجتمع مدني (المدينة المنوّرة) ودولة ضمن ظرف تاريخي معيّن يخضع لمتغيّرات الزمان والمكان (تاريخياً وجغرافياً وفكرياً). هذا الفهم لاجتهادات النبي (ص) هو تطبيق صحيح لما سمّاه علماء الأصول مبدأ “الأحكام تتغيّر بتغيّر الأزمان”، وهو مبدأ ينطبق على كلّ الاجتهادات الإنسانية بما فيها اجتهاداته (ص) في مهمّة تنظيمه لمجتمعه في المدينة، فهي اجتهادات ينطبق عليها قوله تعالى: {… وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا…} (الحشر 7)، فقوله “ما آتاكم” تعني ما صدر منه من تشريعات إنسانية قابلة للنسخ تلزم فيها طاعة الرسول طاعة منفصلة أي كوليّ أمر بمعنى في حياته فقط من أفراد مجتمعه، وكون النبي (ص) قائداً أعلى من مقام النبوّة فلم تأت أيّ آية فيها: “أطيعوا النبيّ”، بل كلّ آيات الطاعة فيها: (أَطِيعُوا الرَّسُولَ) لبيان أنّ الطاعة تكون للقانون لا للأشخاص. وولاة الأمور هم المشرّعون في أيّ مجتمع، والطاعة لا تكون لأشخاصهم ولا لمالك السلاح بل تكون للقانون الذي يمثّلونه في حياتهم فقط، علماً بأنّ السلطة التشريعية لا تملك أداة الإكراه.
9- هناك سنّتان للرسول (ص): سنّة رسولية وسنّة نبوية، وهما مختلفتان تماماً إحداهما عن الأخرى. فأمّا السنّة الرسولية فهي ما ثبت عنه (ص) من رسالة إلهية موحاة إليه وموجودة في المصحف حصراً ونجدها في آيات الرسالة وهي أمّ الكتاب وتفصيلها (الآيات المحكمات وتفصيلها)، وهي من عند الله مباشرة. وقد قام الرسول (ص) بمهمّة تبليغها فقط لقوله تعالى: {مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} (المائدة 99)، وهي التي تجب طاعته فيها طاعة متّصلة من قبل أتباعه من أمّته في حياته (ص) وبعد مماته. أمّا السنة النبوية فتتمثّل فيما ثبت عنه (ص) من أقوال وأفعال جاءت فيها اجتهاداته (ص) لتنظيم مجتمعه سياسيّاً واجتماعيّاً وفق الأعراف التي كانت سائدة يومها، وتمثل هذه الاجتهادات القانون المدني الذي وضعه (ص) لمجتمعه. وهي اجتهادات إنسانية ظرفية ولا تحمل الطابع الأبدي، لهذا جاءت طاعته فيها (ص) طاعة منفصلة أي كوليّ أمر وبالتالي واجبة على من عاصره من أفراد مجتمعه فقط، لأنّ طاعته فيها جاءت مرتبطة بطاعته فيما أتاهم من عنده من تشريعات في قوله تعالى: {… وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا…} (الحشر 7)، أي في ما سنّ لهم من قوانين باعتباره مشرّعاً لمجتمعه، وهي أوّل اجتهاد إنساني في نصوص الرسالة الإلهية الخاتمة، وأوّل اجتهاد واجب نسخه لأنّه متجاوز زمانياً ومعرفياً.
10- السنّة النبوية هي بمثابة الاجتهاد الإنساني الأول في عملية التفاعل مع الرسالة الإلهية المطلقة، وهو اجتهاد يقتصر على الأمر والنهي فقط ولا يتجاوزهما إلى التحريم إطلاقاً. وقد اجتهد النبي (ص) لتنظيم المجتمع النبوي في المدينة المنوّرة، وهو أول رسول توكل له مهمّة الاجتهاد لأنه أول رسول يقوم بتنظيم مجتمع مدني انطلاقاً من اجتهاداته الإنسانية كقائد أعلى، لذا فإن اجتهاداته ليست وحياً. وكان ذلك إيذاناً ببداية التشريع المدني الإنساني في ظلّ عصر ما بعد الرسالات، لكنّ هذا الاجتهاد ليس الاجتهاد الإنساني الأخير وليس الوحيد في عملية التفاعل مع الرسالة الإلهية، بل هو التنظيم الأول للواقع المعيش في شبه جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي على ضوء ظروف ذلك الزمان ومعطياته. والنبي (ص) تعامل مع التنزيل الحكيم من خلال السيرورة والصيرورة التاريخية البحتة للعرب في شبه جزيرتهم، أي في حدود التاريخ والجغرافيا يومها، ضمن مستواهم الاجتماعي والمعرفي، وضمن الإشكاليات التي كانت مطروحة أمامه، بحيث أسّس دولة مركزية، وحقق بذلك قفزة نوعية وقتها. وكان المرآة الصادقة الأولى لتفاعل التنزيل ككينونة في ذاته مع حقبة تاريخية زمنية معيّنة، ومجتمع معيّن قائم على أرض الواقع الإنساني الموضوعي المباشر. فالنبي (ص) لم يكن فيلسوفاً ولا رجل فكر، بل كان رجل دعوة جاءه الفكر الموحى من المطلق وطبّقه هو في عالم نسبي محدود زمانياً ومكانياً بواسطة الاجتهاد فيه. بحيث كان المجتهد الأول في تعامله مع الفكر المطلق الموحى إليه وصاغ اجتهاده في قالب تطبيقي بوضع قانون مدني لمجتمعه وفق سيرورة وصيرورة تاريخية تحكم وجوده ووجود مجتمعه. ونحن على اقتناع بأنّ تطبيق النبي (ص) لآيات الأحكام جاء بمراعاة الواقع الذي كان يعيش فيه وهو تطبيق نسبي تاريخي، ما يدفعنا إلى إبطال القياس الذي وضعه الفقهاء في القرن السابع الميلادي، لأنّه لا يمكن قياس شاهد على غائب لاختلاف معطيات وظروف كلّ واحد منهما من الناحية الموضوعية ومن ناحية اختلاف المستوى المعرفي. فالرسالة الإلهية جاءت خاتمة تحمل بين جنباتها المحكم (أمّ الكتاب) وتفصيلها الذي يُجتهَد في حقله لاستيعابه لكل الاجتهادات الإنسانية على مرّ العصور. ولذا فإنّ المبدأ الأهم في ممارسة عملية الاجتهاد هو الاعتماد على العقل باستعمال المنطق الواقعي حتى تظهر مصداقية أيّ اجتهاد إنساني في الواقع الموضوعي، ضمن النظام المعرفي المتّبع والإشكالية الموضوعية التي يواجهها، من خلال تقديم الأدلة والبيّنات على مطابقة (مصداقية) الاجتهاد في النصّ مع الواقع الموضوعي المباشر (الإشكالية) ضمن رابط بينهما هو النظام المعرفي المتبع.
11- لقد أنزل الله سبحانه وتعالى الذكر بصيغته المنطوقة، ليبلّغ الرسول (ص) للناس ما أنزل إليه من ربّه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (المائدة 67). أمّا البيان الذي جاء في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (إبراهيم 4)، فليس المقصود منه التفصيل كما فهمه البعض واسترسل البعض الآخر فيه حتى وصل إلى القول بحاكمية الخبر النبوي على نصّ التنزيل الحكيم ونسخه له، انتهاءً بأخطر نتيجة قد يصل إليها عقل هؤلاء، تتمثّل في أنّ القرآن أحوج إلى السنّة من حاجة السنّة إلى القرآن، سبحانه وتعالى عمّا يصفون. وإنّما المقصود بالبيان هو الإعلان وعدم الإخفاء، فالرسول (ص) جاء مبلّغاً للوحي وليست له أي علاقة بالصياغة اللفظية للتنزيل الحكيم كذكر (الإنزال) بل تنزَّل عليه مصوغاً جاهزاً (التنزيل)، كما لا علاقة له بمضمون ما تنزّل عليه من محرّمات وأوامر ونواهٍ. وبالتالي فنحن أمام نصّ إلهي موحى، صاغه الله تعالى بشكله المنطوق، فتنزلت هذه الصياغة على النبي، وتحدّدت مهمته كرسول في إعلانها للناس ببيانها وعدم إخفائها كلياً أو جزئياً وفي تبليغها لهم بلاغاً مبيناً، أي معلناً مذاعاً بشكل واضح وصريح دون زيادة أو نقصان وبيان الشعائر وتبليغ أحكام الرسالة. وقد قام محمّد (ص) بكلّ من مهمّته كنبي، ومهمّته كرسول على أكمل وأتمّ وجه. فقد كان (ص) الناطق لآيات الذكر الحكيم والله هو القائل لقوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} (النجم 3-5)، وقد أخطأ الشافعي عندما قال بالترادف بين النطق والقول في الآية فزعم أنّ السنّة وحي ثابت انطلاقاً من الترادف، فالوحي الوحيد هو ما جاء في كتابه عزّ وجل وهو الوحيد المقدّس باعتباره نصّاً إلهيّاً. وبما أن ّ دوره (ص) كرسول جاء بإظهار ما أوحي إليه من نصوص التنزيل الحكيم وعدم كتمانها، وفي إعلانها وإذاعتها على الناس، فإن أطروحة أن النبي (ص) شرح في سنّته القرآن هي أطروحة غير صحيحة. لأننا عندما نظرنا إلى السُوَر الطوال في التنزيل الحكيم كسورة الأنعام والأعراف وهود ويوسف ويونس… لنبحث ماذا قال النبي (ص) في شرحها، لم نجد شيئاً بخصوصه اللهم إلّا بعض جمل إن صحّت عنه. وعدم شرحه (ص) للقرآن، يؤكد لنا أنّه نبي، ويؤكد لنا أنّه الخاتم، وأنّه ليس مؤلّف التنزيل الحكيم.
12- بالنظر إلى كلّ من آيات التشريع ذات الكينونة المطلقة (أمّ الكتاب وتفصيلها) والفقه الذي يمثّل تفاعل الناس وفهمهم للتشريع في فترة زمانية تاريخية معينة، نجد الفرق بينهما واضحاً جداً وبشكل لا يقبل الشك، انطلاقاً من كون الرسالة الخاتمة (أمّ الكتاب وتفصيلها) أبدية لأنها إلهية، بينما الفقه الذي هو عبارة عن اجتهادات إنسانية ظرفية إنساني تاريخي بحت. ونحن نؤكد أنه دون إدراك هذا الفرق الشاسع بينهما وأخذه في الاعتبار، لا أمل لشعوب أمّة محمّد (ص) في الخروج من المأزق الذي تتخبّط فيه منظومتها الفكرية، لأنّ الفرق بينهما سيجعل هذه الشعوب تدرك أنّ الفقه الإسلامي الذي بين أيدينا اليوم يمثّل القراءة الأولى والفهم التطبيقي الأول (التشخيص الأول) لنصوص الرسالة الإلهية (أمّ الكتاب وتفصيلها)، وهذا التطبيق جاء وفق ظروف معيّنة لتلك الفترة الزمنية وهو بذلك ظرفي ومتجاوز ولا يمكن أن يطلق عليه اسم “الشريعة” لأنّ هذه التسمية تُعدّ وهماً لا يمكن الاقتناع به، ما يستدعي ضرورة القيام بقراءة ثانية للنصوص الإلهية، خاصة ونحن في بدايات القرن الحادي والعشرين، على ضوء النظم المعرفية المعاصرة، وذلك باختراق أصول الفقه التي لا يمكن أن يتمّ التطوّر والتقدّم إلّا باختراقها. لأنّ النصوص الإلهية بحاجة في كلّ مرّة لإعادة قراءة ثالثة ورابعة… حسب تغيّر الأزمان وتقدّم المعارف إلى أن تقوم الساعة، ولكلّ جيل أن يعيد قراءتها للاجتهاد لنفسه ضمن ظروفه ومعطياته ومتطلباته، وهي رسالة تستوعب كل الاجتهادات الإنسانية إلى قيام الساعة.
13- إن كان علماء الأصول قرّروا نظرياً مبدأ “تتغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان”، فإننا نقرّر نظرياً وعملياً بعونه تعالى: “أنّ الأحكام تتغيّر أيضاً بتغيّر النظام المعرفي”، ولا عجب أبداً إن انتهينا في قراءتنا المعاصرة لآيات الإرث في ضوء الرياضيات الحديثة إلى أحكام ونتائج تختلف عن مثيلاتها عند أهل القرن الثامن الميلادي. فالمسألة أولاً وأخيراً ليست مسألة ذكاء وغباء، ولا مسألة تقوى وعدم تقوى، بل هي بكل بساطة مسألة إشكاليات نعيشها ونظام معرفي نقف عليه، سمحا لنا بأن نرى ما لم يستطع السابقون رؤيته. ويجب أن يرى من يأتي بعدنا، بأرضيتهم المعرفية وإشكالياتهم المتطوّرة عنّا، ما لم نستطع أن نراه نحن ضمن إشكالياتنا ونظامنا المعرفي الحالي.
بما أنّ الرسالة الإلهية (أمّ الكتاب وتفصيلها) رسالة إلهية مجرّدة، فإنّ أيّ اجتهاد فيها ضمن تفصيلها هو تشريع إنساني مدني ضمن حدود الله، وبالتالي نجد الاجتهادات الإنسانية النابعة عن مختلف القراءات لتفصيل المحكم اجتهادات حنيفية، ما يسمح بظهور التعدّدية والاختلاف في الرأي في القضيّة الواحدة. وهذا الأمر يؤسّس لظاهرة الانتخابات والمجالس التشريعية والحدّ من مجال الفتوى ومجالس الإفتاء وإبقائها فقط ضمن حقل الشعائر دون أن تتعدّاه.

(24) تعليقات
  1. أخي الدكتور محمد لا أخفي عليك أنك تبهر المستمع بما تقوله من تأملات عقلانة حول القرآن الكريم، مما حثني للبحث والتنقيب عن ما قاله السلف في السابق. ولاحظت أن كل ما تقوله يتبخر عندما أقراء ما قاله السلف الراسخون في العلم. وهنا يستحضرني قول رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن من البيان لسحرا” في قصة الزبرقان بن بدر.

    والملاحظ في كلامك عندما تتكلم عن الله عز وجل أنك لا تجل ولا تبجل الله سبحانه وتعالى حين ذكره ، وكذلك لا تصلِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت الذى يقرأ قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56]

    وسؤالي لك يا دكتور أنت فصلت وفرقت بين المسلم والمؤمن؛ فهل تعتبر نفسك من المسلمين أم المؤمنين ؟

  2. السلام عليكم ,أعترف لك د كتور أني عشت طوال حياتي بخلل فكري في فهم الدين وكانت هناك أسئله لا أجرئ على تقاسمها مع أحد خشية أن أكفر أو أو من قبيل الاحاديث و صحتها ، الفتحات و مشروعيتها ،تعدد الازواج اللباس الشرعي..لكن أقسم لك أني مذ قرأت لك لم أنم ليال طوال وكأني عطشه وأحببت الله والرسول كما لم أفعل من قبل,فجأة ترتبت الأفكار في عقلي وكأنهpezzel أو شفره مفقوده.وكأنك عتقتني.
    أما سؤالي إذا كانت المحرمات ما قلت13 فما حكم السرقة والسحر مثلا .merci

  3. شكرا دكتور..فلقد دفعت بالبحث المعرفي الى الامام، من اختلف معك ذهب ليراجع التراث لعله يفند ما تدعيه، و من مثلي حمد الله على وجود من يكسر الجليد ويعيد ترتيب المفاهيم التي في جلها مغالطات و إفترائات على هده الرسالة المحمدية؛ أطال الله في عمرك

  4. وهل ظلت الأمة 1400 سنة تجهل هذه الحقائق حتى ولد محمد شحرور وحصل على درجة الدكتوراة ثم بدأ يخرج حقائق الدين من العدم إلى الوجود؟!
    كلها زخارف وسفسطات ليست بنبع إذا عدت ولا غرب، مجرد تمويهات على العوام ومن لا معرفة عميقة له بالإسلام وفلسفته وبالشريعة ومقاصدها.

  5. يا ابو نوف!
    لا غرابة في سؤالك. لقد سُؤل الرسول عليه الصلاة والسلام من قبل بنى قريش عندما أتى بالدعوة!

  6. بسم الله الرحمن الرحين

    بصراحه وجدت هذا الموقع الإلكتروني عن طريق الصدفة خلال بحثي عن الصوم بشكل عام. وكأني اشعر بأن هناك اشكالية بس لا اعلم اين!!
    الحمد لله اني وجدت ضالتي واتضحت الصورة وأصبحت افكر وأتأمل القران مرات عديدة.

    شكراً لك يا دكتور محمد شحرور وعلى جميع القائمين في هذا الموقع.

    أخوكم أبومحمد

  7. ارجو منك يا دكتور توضيح وابراز كيف يسخر “مشايخ السلاطين” الدين ويفتون ويبررون عمالة حكامنا لاعداء امتنا وكيف يمكن ان يكون الدين عاملا نهضويا وثوريا واداة للتغيير والخروج بالامة من وضعها البائس لتتبوا مكانا محترما بين الامم . مع ملاحظتي بضرورة التبسيط في الشرح ليفهمك غير الدارسين مع اغناء شرحك بكثير من الامثله . يا دكتور لقد تاخرنا كثيرا عن ركب الحضارة ونحن امة ” اقرا ” وهذه الامة لا تقرا . يحضرني القول الماثور ” لا كرامة لنبي في وطنه ” اما انا فاقول القافلة تسير والكلاب تنبح .

  8. السلام عليكم اشكر الدكتور محمد على جهده وادعوا من ينقده ان ينتقد مبدأ بحثه لا نتيجته فأسألهم هل في مبادئ بحثه خطأ ؟
    في رأيي المتواضع لا ، لانه استند على المنطق والمنطق يختلف حسب اختلاف الارضيّة المعرفية فما يراه الشافعي رحمه الله منطقا صار الان يخالف المنطق.
    جزيت خيرا يا محمد شحرور

  9. انا اعتبر ان محمد شحرور سابق لعصره و اجده مع عدنان الرفاعى ىكونان لمدرسة سوف ىحصد ثمارها الاجىال الاتىة و فضل الرجلىن علئ العامة كفضل الشمس علئ سائر الكواكب

  10. كم هي رائعةٌ كتبك.. وجدت فيها الكثير مما كنت أبحث وأعتقد.. هذا ما نحتاجه فعلاً..

  11. السلام عليكم يا دكتور
    في الاول بارك الله جهودكم و جعلها في ميزان الحسنات
    و الله يا دكتور كما قالل احد التعليقات , لقد اعتقتنا من الجهل و العصبية التي كنا نعيشها , افكار مشوشة غير مرتبة هشة جدا و لا تصمد اما السؤال و لا النقد , خالية من التحقيق العلمي بعيدة عن المنهج القرأني , تقدم مهج الرواية و كتب القصص و التراث و الكتب الصفراء , و المشكل اننا كنا ندافع عنها و عن محتوياتها رغم التناقضات التي كانت ترد فيها , و كلما بدر لنا تناقض فاقع , قلنا في انفسنا ان المشكلة فينا و في فهمنا و ليس في بن تيمية و امثاله
    و اليو يا دكتور تغير كل شيء و قد اااان لنا ان نكسر اغلال الجهل و نحرر فكرنا و ان نحس عدوبة القرأن و عدوبة التعرف الى الله و رسله بعيدا عن الكدب الي افتري على الله و رسوله
    بارك الله فيك و الك اخلص التحيات من الجزاااائر , سلام عليكم

  12. الطف شيئ ان تجد معلق يستغرب ان هذه الحقائق كانت غائبة عن الامة 1400 سنة متناسيا ان تلك الامة هي من قتلت نبيها بالسم ورموا التهمة على يهودية سمت النبي قبل سنتين والطب الحديث اليوم يسخر من هكذا فرضية
    نعم انها كانت خير امة انقلبت على اعقابها بعد ان قتلت نبيها كما فعل قبلها اليهود

  13. في سورة الزخرف الايه 4 معطوفه على الايه التي قبلها، هل معنى ذلك ان القران هو من ام الكتاب ، وهل ان اللوح المحفوظ الذي منه القران هو من ام الكتاب؟
    ارجو التوضيح مع الشكر.


    الأخ داود
    قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} (الزخرف 3 -4)، ونفهم من هاتين الآيتين أن صفة القرآن في أم الكتاب أنه”علي حكيم”، أي أنه المسيطر والمهيمن على الأحكام والحافظ والمصدق لها {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} (المائدة 48) وأم الكتاب هي الآيات المحكمات مع تفصيلها وهي تمثل آيات الرسالة {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} (آل عمران7)، والقرآن هو المتشابهات، وهي كل آيات خلق الكون والعالم الآخر وموجودة في اللوح المحفوظ، بالإضافة إلى أرشيف التاريخ، الذي يسجل فيه كل ما يحدث، لحظة حدوثه (الإمام المبين).

  14. السلام عليكم، شكرا لك حضرة الدكتور اين نجد كتبك في الجزائر. شكرا

  15. الأخ الدكتور محمد شحرور المحترم حياكم الله
    أسمحو لي أن أعرف بنفسي أولا. أنا مهندس مدني 1981- موسكو- سوري أعمل حاليا في كازاخستان.
    لدى صدور مؤلفكم الأول القراءة المعاصرة قراته عدة مرات ودونت على حواشيه ما يزيد عن النص الأصلي حيث كنت متفرغا وتوسعت في دراسته والكتاب موجود في دمشق في مكتبتي.
    تابعت مؤلفاتكم الواحد بعد الآخر ولم يتسنى لي التواصل معكم ومناقشة بعض الأمور والأفكار معكم خلال وجودي في دمشق قبل الأزمة.
    وبعد انقطاعي لعدة سنوات ومع توفر الفرصة بدأت بالعودة للبحث الذي أعمل عليه منذ مدة طويلة وهو المصطلحات القرأانية ومحاولة فهمها بشكل مختلف بحيث يمكن ربطها جميعا في منظومة واحدة تؤسس لمنظومة فكرية متماسكة لفهم النص القرأاني.
    القصص القرأاني والمصطلحات القرأانية هو مجال بحثي الذي مازال مستمرا منذ أكثر من عقدين. وما تحقق لي ليس ناضجا كفاية للطرح أو النشر فأنا أعمل بشكل متقطع وأنا بصدد جمع الخيوط وربطها بعد عملية التحقق من حيث تكامل الفهم للمصطلحات والتعابير القرأانية وهي عملية قد تستغرق وقتا لاأستطيع تحديده الآن.
    لدى زيارتي لموقعكم وقرائتي للتعريفات فوجئت لفهمكم للبعض منها وتعريفها كما وردت-الشرك مثلا-
    الشرك
    هو أن يجعل الإنسان لله شريكاً في العبادة والدعاء. ولا يلزم في الشرك أن يكون علنياً، وللشرك أنواع أسوأها شرك التجسيد الذي أشار إليه تعالى بقوله: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً}[النساء : 48]. والشرك لسان حال أكثر منه لسان مقال.

    طبعا لاأوافقكم كليا على التعريف وأقبل بخاتمة التعريف: أنه لسان حال وليس لسان مقال وهذا صحيح 100%.
    للشرك لدي فهم آخر يستند إلى المحاكمة العقلية وهو مفهوم فكري أكثر من كونه صفة أو نعتا وينتظم من خلال المصطلحات الأخرى في جملة مفاهيم متداخلة ومترابطة تتعلق بالمحاكمة العقلية وفهم الوجود والتصورات الذهنية عن الوجود. (نشرت لي مقالة بهذا الموضوع في مجلة النور الصادرة في لندن عام 2001 تتعلق بالعيد والقصص والفكر الإبراهيمي). وسوف أرسل لكم لاحقا المقالة للإطلاع.
    التعليق الآخر سيكون عن المنهج في فهم تاريخية النص.
    مع احترامي وتقديري لكم على أمل التواصل.

    لبيــــــك اللــــهم لبيــــــك

    حتى يكون العيد عيدا

    قرأت في كتاب ” فقه العبادات” للحاجة درية الغيطة في “كتاب الحج”( ص387 ) في الحكم الشرعي للحج ما يلي: هو ركن من أركان الإسلام،وفرض عين على كل مستطيع،يكفر جاحده إلا أن يكون قريب العهد بالإسلام،أو نشأ في بادية بعيدا عن العلماء،وهو عبادة بدنية ومالية.
    إن ما لفت انتباهي هو العبارة الأخيرة:وهو عبادة بدنية ومالية.
    إن فهم الحج كفريضة يجب تأديتها دون ربطها بالمنشأ وفهم الفكرة التي تدور حولها فريضة الحج أقل ما يمكن القول عنه أنه عمل بلا تقوى.وكما نعلم فالحج والعيد مرتبطان ببعضهما البعض وبإبراهيم وإسماعيل(ع). فهل لنا أن نبحث في العبرة من الحج وأن نرفض قبولها كعبادة بدنية ومالية ونحن نعلم أن الله غني حميد؟
    إن إبراهيم “كنواة ثقافية” ترتكز وتجتمع عليها الأديان السماوية الثلاثة بدرجات مختلفة.وإذا كانت الديانة اليهودية تركّز على الجانب العرقي في الانتماء فإن الدين الإسلامي قام بتصويب الانتماء نحو الانتماء العقدي مستفيدا من الانتماء العرقي إلى إبراهيم وإسماعيل كوعاء يحمل الجانب العقدي.وبذلك أعطى الدين الإسلامي السمة الإنسانية الشاملة للنواة الثقافية إبراهيم.
    والحج والعيد كشعائر إسلامية تذكر كل عام المسلمين بانتمائهم العقدي لإبراهيم(ع)أكثر من تذكيرهم بالانتماء العرقي.وما نسمعه كل عيد من خطبات يثير الدهشة والأسى نظرا للتشويه الحاصل للنواة الثقافية إبراهيم لدى المسلمين مع أن الإسلام أعاد تأصيلها الفكري العقدي والعرقي.فيغدو التذكير بحادثة الأصنام والذبح في خطبة العيد أشبه بالتذكير بالأسطورة منه كتذكير بالمنظومة الفكرية الإبراهيمية التي أسسها القرآن الكريم.
    فهل لنا أن نفهم القواعد التي رفعها إبراهيم على أنها المنظومة الفكرية التي أسسها إبراهيم والتي علينا الطواف حولها والسعي إلى زيارتها إن استطعنا إليها سبيلا؟؟
    إن العقل المسلم أخذ يعمل باتجاه يخالف ما قام به الإسلام من تأصيل للنواة الثقافية “إبراهيم” عندما أحصر الحكم الشرعي للحج وزيارة البيت بالعبادة البدنية والمالية.لقد ابتعد العقل لمسلم عن القصد الإسلامي من حادثتي الأصنام والذبح.فباتت الطاعة للآباء في قصة الذبح مقدسة وإن خالفت سنن الله في الكون،وبات اعتماد الأحلام والرؤيا أساسا لتصرف المسلم في حياته وإن كان الله يدعو لإعمال العقل ويتدخل مباشرة لإيقاف عملية الذبح وتصويب الفكر الإنساني.
    إن حادثة تكسير الأصنام لا يمكن فهمها إلا على أساس ما أنجزه عقل إبراهيم من مهمة في رفض الوثن والأوهام.فعبادة الأصنام والأوثان إنما هو تصور ذهني خاطئ عن الواقع.وما قام به إبراهيم هو تصحيح للتصور الذهني عن الواقع.أي دعوة إلى فهم الواقع وتشكيل الصورة الذهنية الصحيحة وبالتالي هي دعوة لتحكيم العقل واعتماد المحاكمة العقلية أساسا لبناء التصورات عن الواقع والتعامل معه على أساس السنن والقوانين التي بني عليها الكون.فالإنسان أسمى قيمة من الأصنام ولا يجوز الرجاء من الأصنام التي لا حول لها ولا قوة.
    وتأتي قصة الذبح لتكمل دور العقل في تعامله مع الواقع.فاعتماد الرؤيا أو المنام أساسا للتعامل مع الواقع مرفوض،حيث يكون العقل معطلا عن عمله أثناء النوم.ولو كانت الرؤيا الإبراهيمية حقا أو وحيا لما تدخل الله لإيقاف عملية الذبح.فتقديم القرابين البشرية مخالف لسنن الحق ولو كان غير ذلك لترك الله إبراهيم يذبح ابنه تنفيذا للرؤيا.
    إن حادثة الذبح ذات دلالة إنسانية بالغة.فكأن الله يقول: لا يجوز ذبح الإنسان من أجل فكرة يتوصل لها العقل استنادا إلى الرؤيا أو المنام, وتحقيق الرؤيا لتصبح واقعا خطأ يجب تصحيحه بالمحاكمة العقلية.فالإنسان أسمى المخلوقات ولا يجوز قتله من أجل الأفكار .هذا هو نهج الأنبياء حيث علموه ومارسوه في حياتهم.فهم جميعهم هاجروا ونشروا دعواتهم خارج قومهم وأنقذوا أنفسهم من الموت ولو من أجل الفكرة الصحيحة.إنها أسلوب الأنبياء جميعا.ومن قتل منهم إنما كان بالغدر والمكيدة وليس بموافقتهم بالتضحية بأنفسهم.والقصص القرآني خير دليل على ذلك.فما من رسول إلا هاجر بعد تهديده بالقتل أو النفي.
    إن الرؤيا الإبراهيمية لو كانت وحيا لتم تنفيذ عملية الذبح.فالوحي لا يأتي إلا بالحق ولا يمكن أن يخالف السنن التي بنى الله عليها الكون والوجود.فالرؤيا وقصة الذبح هي تعبير ودعوة لإعمال العقل في تأسيس ركائز المعرفة الإنسانية.فكل الظواهر يجب أن تخضع لتحكيم العقل وكل الأفكار في تعاملها مع الواقع يجب أن تكون مبنية على الحقيقة.فقتل الإنسان, أسمى المخلوقات وحامل الفكر ومولده والمكلف بمهمة الاستخلاف في الأرض, لا يجوز استنادا إلى تصور ذهني يظهر في غياب العقل.
    إن هاتين الحادثتين هما تعبير عن اكتمال دورة المحاكمة العقلية للإنسان في تعامله مع الواقع.وإذا تتبعنا خط التشغيل المعرفي (واقع ــ محاكمة عقليةـــ نتيجة) في هاتين الحادثتين,نرى ما يلي:

    1- قصة الأصنام:
    تصور ذهني خاطئ عن الواقع (عبادة الأصنام والاعتقاد بإمكانية الأصنام في التأثير في الواقع) ← تصويب وتصحيح التصور(التسليم بالخالق الواحد والوقوف على القيمة الحقيقية للأصنام) ← التعامل مع الواقع(إزالة الوهم وتكسير الأصنام والتمسك بعبادة الخالق الواحد).

    2- قصة الذبح:
    تصور ذهني خاطئ(الرؤيا) ← تصحيح التصور الذهني(الافتداء بكبش) ←التعامل مع الواقع(عدم جواز تقديم القرابين البشرية من أجل الفكرة والتصور الذهني).
    إذن يتبين لنا أن هاتين القاعدتين هما تعبير عن نبذ الوثن المادي والوهم الفكري ودعوة لإعمال العقل في مسيرة الاستخلاف.فالإنسان أسمى المخلوقات ولا يجوز التضحية به ولا يجوز تدسيته بعبادة الأوثان.فعبادة الله والتسليم بالخالق الواحد هي العبادة الحق والمستندة إلى العقل.
    أما موضوع الطاعة فلا بد من بيانه في الحادثتين حتى يزول وإلى الأبد الوهم الفكري المنتشر في عقول المسلمين حول موضوع الطاعة.فإبراهيم الذي توصل بعقله إلى التوحيد برفض الأوثان يرفض الطاعة لأبيه, ذلك لأن الطاعة لا تكون بمخالفة السنن والقوانين الإلهية التي بني عليها الكون.فعدم الطاعة هذا ليس معصية إنما هو عين التقوى لما هي(التقوى) استكشاف للسنن والقوانين والتزام بها.
    وتأتي قصة الذبح حيث يقع العقل المسلم في مطب الوهم الفكري.فطاعة إسماعيل لا تمت إلى التقوى بشيء وهي مخالفة لسنن الكون والخلق نظرا لاعتمادها على الرؤيا وليس على التحكيم العقلي ولو كانت هذه الطاعة تقوى مطلوبة من الناس لما تدخل الله في إيقاف عملية الذبح.إن الله لا يغير من قوانين الوجود والخلق بناء على رغبة أحد وما كان ليسمح بمخالفة سنن الخلق وذبح إسماعيل.ومن هنا يتبين أن التشدق بطاعة إسماعيل وهم فكري وقع في مطبه العقل المسلم وهو الذي يدعو أن: لا طاعة في معصية.فقتل الإنسان معصية ولا تجوز فيها الطاعة.
    إن هاتين القصتين تبينان أن إبراهيم وضع قواعد وأسس المنظومة الفكرية الإنسانية.إنه أول المسلمين.أول من سلم الأمر في تعامله مع الواقع والوجود للعقل والمحاكمة العقلية.وهو الذي رفع قواعد المعرفة الإنسانية مع إسماعيل. إننا نطوف في الحج حول هذه القواعد نتفكر فيها ونعلن التزامنا بها في حياتنا ونعاهد على عدم مخالفتها لتمحى ذنوبنا ونكون كالأطفال بلا ذنوب إن نحن صدقنا العهد الذي قطعناه عند الإحرام.
    ومن هنا نفهم السبب في تحويل القبلة من القدس إلى البيت الحرام.إنها القبلة التي على المسلم التوجه إليها تأكيدا منه على التزامه بالقواعد التي رفعها إبراهيم فصارت مخالفتها حراما. أي شذوذا عن الفطرة الإنسانية التي تقر و تسعى لإعمال العقل ونبذ الوهم منذ أن كرّم الله آدم.فهل لنا أن نتوقف عن الوهم الفكري ونعمل العقل الذي كرمنا الله به على بقية المخلوقات,خاصة وأننا نصلي خمس صلوات يوميا تأكيدا على التزامنا بهذه الأسس والقواعد؟؟
    إن العيد يصبح حقا عيدا عندما ننبذ الوهم الفكري ونتعامل مع الواقع بالسننية التي بني عليها الكون فنعظم بذلك مشاعر الله التي هي من تقوى القلوب.وإننا عندما نقول “كل عام وأنتم بخير”علينا أن نعلم أن الخير لا يمكن أن يكون إلا نتيجة للحق.فإلغاء القرابين البشرية حق لأنه جاء تصويبا للعقل البشري وليس استنادا على الأحلام والمنامات . فالخير لا يكون إلا بعد معرفة الحق والوقوف عليه.
    فالعبرة من الحج إذا هو العبــادة الفــكريــة المفروضة على المسلم حتى لا يقع في دائرة الخطأ ويكون تعامله مع الوجود سننيا في مسيرة الاستخلاف الطويلة وكــــل عـــام وأنتـــم بـخيـــر.

    4.علينا أن نميّز بين النص التاريخي وتاريخية النص. فهناك القصص القرآني الذي يعتبر نصاً تاريخياً والنص التاريخي حسب التنزيل يحمل صفة العبرة ولا يحمل أي تشريع. والأنباء كلّها بما فيها أنباء الرسل نصوص تاريخية وكذلك الآيات الواردة حول موقعة بدر وأُحد والخندق والأحزاب وتبوك وفتح مكة عبارة عن نصوص تاريخية بما فيها سورة التوبة ولا يؤخذ منها أي أحكام شرعية، ولا علاقة لها بالرسالة، ولها مناسبات نزول لأنها نص تاريخي. أما آيات الرسالة مثل آيات الإرث والشعائر فهي نص رسالة للطاعة، وفهم هذه النصوص هو الذي يحمل تاريخية النص. ففي القصص النص تاريخي. وفي الفهم الإنساني لآيات الرسالة – كالإرث مثلاً – هناك تاريخية النص.

  16. الأخ الدكتور محمد شحرور سلام الله عليكم
    هنا أيضا لاأوافقكم الرأي. حيث حسب ما أرى لايمكن الفصل في النص التاريخي كما بينتم. فتاريخية النص أو النص التاريخي مفاهيم لايمكن فصلها أو تجزأتها. كل نص يحمل نواة معرفية تجد اصطفافها في المنظومة الفكرية والقصص الإبراهيمي أكبر مثال على ذلك.فكيف لنا أن نصنف فكرة الذبح أي تحت عنوان تاريخية النص أم كنص تاريخي سردي؟؟؟ثم أيضا كيف لنا أن نفهم شعائر الحج وهي لم ترد في القرأان الكريم وإنما أخذت عن الرسول(ص)؟؟؟
    أرجو التواصل على في ذلك فائدة
    وشكرا جزيلا
    4.علينا أن نميّز بين النص التاريخي وتاريخية النص. فهناك القصص القرآني الذي يعتبر نصاً تاريخياً والنص التاريخي حسب التنزيل يحمل صفة العبرة ولا يحمل أي تشريع. والأنباء كلّها بما فيها أنباء الرسل نصوص تاريخية وكذلك الآيات الواردة حول موقعة بدر وأُحد والخندق والأحزاب وتبوك وفتح مكة عبارة عن نصوص تاريخية بما فيها سورة التوبة ولا يؤخذ منها أي أحكام شرعية، ولا علاقة لها بالرسالة، ولها مناسبات نزول لأنها نص تاريخي. أما آيات الرسالة مثل آيات الإرث والشعائر فهي نص رسالة للطاعة، وفهم هذه النصوص هو الذي يحمل تاريخية النص. ففي القصص النص تاريخي. وفي الفهم الإنساني لآيات الرسالة – كالإرث مثلاً – هناك تاريخية النص.


    الأخ أيمن
    التنزيل الحكيم كنص صالح لكل زمان ومكان فيه جزء تاريخي، نأخذ منه العبر، وفيه رسالة يفترض أنها تفهم وفق التاريخ الذي أنت فيه، وهذه الرسالة لا تقتصر على الشعائر من إقامة صلاة وأداء زكاة وحج، وإن كانت هذه الشعائر جزء أساسي منها، بل تحوي قيم إنسانية وشرائع، وحنيفية الرسالة في حركتها بين الحدود، وإلا أصبحت رسالة من إله شرق أوسطي لسكان المنطقة.
    أما القصص فلا يمكن أن تقرأه إلا كتاريخ.
    ونحن أخذنا مناسك الحج وإقامة الصلاة من التواتر الفعلي، حيث لم ينقطع المؤمنون عنها.
    والعبرة من الذبح لإبراهيم هي أن الله رفض أن تقدم له القرابين البشرية التي كانت سائدة في ذلك الوقت.

  17. السلام عليكم، بارك الله بك ايها المجتهد واطال الله عمرك في عمل الخير وفي انارة الطريق وتعبيده امام من يريد حقا عبادة الله وخلافته على الارض، كما شاء لنا تبارك وتعالى. عبر اجتهاداتك، بصرف النظر عن مقدار نجاحك فيها وهو نجاح هائل (يكفبك فخرا هذا المنهج)، فتحت الباب امام من يريد ان يتحرر من قيود التقليد وتقليد التقليد التي تراكمت وتراكمت معها المصالح الدنيوية الى درجة ان جوهر الرسالة المحمدية التحرري التقدمي الانساني (انا ارسلناك رحمة للعالمين)، هذا الجوهر اختفى او تم اخفاؤه تحت ركام هائل من الجهل والتخلف والتعصب والتطرف والخ. نعم نحن بامس الحاجة لقراءة معاصرة تستند الى هذا المنهج من اجل اخراج الخطاب الاسلامي الى العالم والى الناس حميعا. سدد الله خطاك ودمت ذخرا للايمان الصحيح وللعلم السليم على طريق النهوض والتحرر والتقدم.

  18. شكرا لك .د .محمد شحرور.

    وشكرا .. لكل من ساهم بهذا العمل الجميل والرائع والمبدع.

    جزاكم الله خير

  19. رائع الله ايزيدك نورا علئ نور جمال الاسلوب المتحضر يجعل كل انسان امي او مثقف يقول وجدت بغيتي

  20. grand respect
    je voulais vous dire que l ecrit que vous avez presnter au publuc en general et au musulman en particulier entre dans le cadre suivant: men ajtahada wa assab fa lahou ajerane wa ………
    je vois un oregres dans le bon sens et je voulais vous dire sinserement et avec toute fidelite : ne vous discuter pas les siecles passes chaque temps a ses hommes . on veut tous connaitre le coran de nos coeurs et ames .merci

  21. تحياتي د. شحرور،
    باختصار، أأسف لأنني لم أسمع بك أو عنك إلا في نهاية عام 2016.
    بوركت وبورك عقلك.
    أتمنى أن تصدر مؤلفاً كاملاً يغظي جميع آيات الكتاب/القرآن.
    كما أتمنى أن تترجمه للغات أخرى ليستفيد ويتعلم منه بنو الإنسان.
    بوسعي أن أساهم في الترجمة للإنجليزية بصفتي مترجم محترف منذ أكثر من ربع قرن.


    الأخ مصطفى
    أشكرك جزيلاً.
    لا يمكن لأحد تفسير المصحف كاملاً، فآيات القرآن معظمها لا نعلم تأويله، ويظهر تأويله تدريجياً حتى قيام الساعة مع تقدم العلوم.
    وقد سبق وأصدرت كتاب “أم الكتاب وتفصيلها” فيه كل آيات الرسالة.
    وهناك كتاب فيه ملخص عن كل أفكاري باللغة الانجليزية وهو
    The Qur’an, Morality and Critical Reason
    وهو موجود على الموقع.
    وحالياً العمل جارٍ على ترجمة بعض الكتب.

  22. يجب ان تكون حرية الفكر مكفوله للجميع السلف والخلف وسيعمل قانون الانتخاب الطبيعي الكوني الالهي على استمرار الفكر الذي ينفع الناس ويمكث في الارض بينما الزبد منه فسيذهب جفاء فلم الخوف من البعض من فكر الاستاذ محمد شحرور عن نفسي اختلف معه في امور والتقي لاصافحه في اخرى لان للبيت رب يحميه ولن اعين نفسي وصيا على شرعه .

اترك تعليقاً