القصص في التنزيل الحكيم | فلسفة التاريخ

1 – 3 – مفاهيم مؤسسة لفلسفة القصص القرآني

هذا الجزء من الكتاب عبارة عن دراسة مفاهيمية للمصطلحات المتعلقة بالقصص القرآني في ضوء القواعد المنهجية التي ذكرناها، ونعتبرها مداخل هامة لمن أراد التوسع في تطوير فلسفة للقصص القرآني وفق مناهج البحث التاريخي من داخل النصوص كما نتبناه.

1 – 3 – 1 – النبأ والخبر

لقد قلنا أن القصص من القرآن، أي من كتاب علوم النبوة. ويتوافق هذا مع قولنا بأن آيات القرآن المتشابهات تحوي إشارات لنواميس الكون وقوانين الوجود، مع فارق بسيط هو أن هذه القوانين وتلك النواميس ذاتها جاءت من لوح محفوظ في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون، بينما جاء القصص من إمام مبين بدلالة قوله تعالى: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} يس 12. ولقد سبق أن فصلنا القول في اللوح المحفوظ والإمام المبين في كتابنا الأول فلا نكرر ما ذكرنا تفصيلا ونكتفي بالقول بأن القرآن قرن المعلومات الواردة من اللوح المحفوظ بالمعلومات الواردة من الإمام المبين. ولذا فإن القرآن الآتي من اللوح المحفوظ يحتوي على إشارات حول نواميس الكون وقوانين الوجود الناظمة للبراكين والزلازل وحركة الأفلاك والرياح التي تجري بأمر الله فتجمع الغيوم لنزول الأمطار. كذلك القصص القرآني يحتوي على رصد لاتجاهات الأحداث التاريخية الماضية، وسنن نشوء الدول وهلاك الأمم والحضارات. ونرى مثال ذلك في قوله تعالى: {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} الحجر 4. وقوله تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} الإسراء 16.

لذلك نرى وجوب أن نفرق بين معنى النبأ والخبر، فالقصص القرآني من الأنباء وليست أخبار يقول تعالى: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين} هود 49

{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} الأنعام 34

{أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} التوبة 70

إن الخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب، والنبأ غير ذلك. ورأينا هو أن الخبر يحتمل الصدق والكذب والخطأ والصواب لأنه له مخبر، والنبأ يحتمل الحقيقة والوهم لذا قال عن الكتاب أنه نزل بالحق والقرآن أنه حق ولم يقل أنه صواب {والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه} فاطر31، و {نزل عليك الكتاب بالحق} آل عمران 3.

علينا أن نفهم وأن نميز الفروقات في المعنى بين الخبر والنبأ، وأول هذه الفروقات بين النبوءة والخبر كما استنتجناه من التنزيل الحكيم مباشرة لا من القواميس هو أن الرسول (ص) كان نبياً حاملاً للأنباء ولم يكن مخبراً حاملاً للأخبار. ثانيها أن الأنباء غيب، بدلالة قوله تعالى بعد أن يذكر ما وقع مع نوح وهود وصالح وشعيب من أحداث {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين} هود 49. ومن هنا جاء الأمر الإلهي إلى النبي الكريم يقول: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم} الحجر 45. لأن الله غيب بالنسبة للنبي والنبي ليس بشهيد على وحدانية الله وغفرانه وإنما هو شاهد، ولذا يقول أيضاً: {ونبئهم عن ضيف إبراهيم} الحجر 51، لأن ما حدث مع ضيف إبراهيم غيب. ثالثها أن النبأ إما أن يكون حدثاً وقع في الماضي، ومثاله القصص القرآني عن نوح وهود وإبراهيم وإسماعيل وموسى وعيسى صلوات الله عليهم أجمعين، أو أن يكون حدثاً سيقع في المستقبل، ومثاله قوله تعالى: {هل أتاك حديث الغاشية} الغاشية1، والحديث في الآية يتضمن نبأ لأنه غيب مستقبلي، وقوله تعالى: {عم يتساءلون * عن النبأ العظيم} النبأ 1، 2 وهنا وصف سبحانه اليوم الآخر بالنبأ لأنه أيضاً غيب مستقبلي. وقل مثل ذلك في الآيات التي تصف الساعة والصور والجنة والنار وتتحدث عن يأجوج ومأجوج. ولكن النبأ سواء أكان عن الماضي أم عن المستقبل يبقى غيبياً بالضرورة، والإنباء به هو من مقام النبوة وليس من مقام الرسالة أي أن القصص القرآني معلومات هدفها العظة والعبرة ولا علاقة لها بالتشريع. وحين نقرأ قوله تعالى عما وقع لمريم في طفولتها {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك} آل عمران 44، نجده لا يكتفي بهذا كما فعل بعد رؤية ما وقع لنوح في هود 49، بل يتابع قائلاً {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون} آل عمران 44، وهذا نفي واضح للحضورية في النبأ. أما الخبر فلابد من أن يكون راويه حاضراً يشهد وقوعه بعينيه.

رابعها أن النبأ إجمالي مختصر بينما الخبر تفصيلي مطوَّل، وهذا واضح في القصص القرآني. فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين، ومع ذلك لم تتجاوز أنباؤه في صفحات التنزيل الحكيم عدد أصابع اليد الواحدة، وقل مثل ذلك في هود وصالح وموسى وعيسى. أي أن أنباء الرسالات والنبوات التي اقتضت عشرات القرون تزيد قليلاً عن نصف التنزيل الحكيم. ونحن نقول في حياتنا اليومية المعاصرة: وكالات الأنباء ونقول إدارة المخابرات. فانظر كيف أن وكالات الأنباء تغطي خبر زيارة رئيس جمهورية بلد ما لبلد آخر لمدة ثلاثة أيام في عدة سطور، أما إدارة المخابرات التي تعد تقريراً عن هذه الزيارة فتفعل ذلك في عشرات الصفحات ذاكرة كل التفاصيل بإسهاب.

في ضوء هذه الفروقات التي تميز النبأ عن الخبر في كتاب الله تعالى نستطيع أن نفهم قوله تعالى عن الأرض يوم الزلزلة {يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها} الزلزلة 3، 4. وقوله تعالى: {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير} التحريم 3.

أما عن آية الزلزلة فقد يسأل سائل: لماذا قال أخبارها ولم يقل أنباءها، مع أن الحدث غيبي سيقع في المستقبل؟ نقول: إن كلمة يومئذ تمنع ذلك. إضافة إلى أن الإنسان الذي قال مالها؟ حاضر يشهد الزلزلة بأم عينيه، والحضورية تجعل النبأ خبراً بالضرورة. وكذلك عندما شاهد موسى النار قال لأهله {إني أنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر} القصص 29، أي ذهب موسى حضوراً لعند النار، لذا قال خبر.

وأما عن آية التحريم 3، فالحديث في الآية خبر لأن النبي كان حاضراً للحدث، ثم تحول هذا الحديث عند الزوجة إلى نبأ نبأت به لأنها لم تكن حاضرة. ولما لم يكن النبي حاضراً حين أفشت الزوجة حديثه فقد قال تعالى {فلما نبأها به}، ولما كانت الزوجة تعلم أنه لم يكن حاضراً لحظة إفشائها للحديث السري فقد جاء سؤالها {من أنبأك هذا}. أما كلمة الخبير التي ختم تعالى بها الآية، فتشير إلى أن الله حاضر في كل زمان ومكان بدلالة قوله تعالى: {.. ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا} المجادلة 7. وكذلك نفهم قوله تعالى: {الرحمن فاسأل به خبيرا} الفرقان 59 هنا الخبرة تعني الحضورية. وإنسان ذو خبرة أي أنه يمارس أموراً بنفسه لذا فهو خبير. أي على الإنسان الذي يريد أن يكون خبيراً في أمر ما فعليه أن يكون رحمانياً يمارس القوانين الموضوعية بنفسه.

نشير بعد هذا كله إلى أمر في غاية الأهمية، هو أن القصص القرآني في التنزيل الحكيم روى لنا أنباء من غيب الماضي عن ذي القرنين والعبد الصالح وفرعون وهامان وقارون ومن غيب المستقبل عن البعث والنفخ في الصور وتكوير الشمس وزلزلة الأرض. ومن هنا تم إطلاق لقب الكذاب على مسيلمة لأنه ادعى النبوة، وذلك أنه أورد أخباراً ولم يورد أنباء. أي أن كل ما قاله كان معلوماً لدى السامعين ولا يوجد فيه غيبيات وكان سليماً من الناحية اللغوية وفيه كل شروط البلاغة ولكن أين الغيب في أن الفيل ذنبه قصير وخرطومه طويل، إنه خبر صادق ولكن لا يوجد فيه أي نبوءة. وبما أن النبوة غيب ماض أو مستقبل فقد جاءت النبوة بصيغة متشابهة بالضرورة لأن محمداً (ص) خاتم الأنبياء حتى يتم تأويلها في كل عصر حسب الأرضية المعرفية ونظم وأدوات المعرفة المتوفرة من حيث التأويل المؤقت. أما التأويل النهائي لأي آية فهو عندما يتحول النبأ إلى خبر تتحدث به الناس وتعيشه لقوله تعالى: {لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون} الأنعام 67، ومن هنا نفهم أنه لا يوجد أي إنسان على الإطلاق قادر على تأويل القرآن، حتى النبي (ص) نفسه، لذا فإن التفاسير المتوفرة هي فهم مؤقت تاريخي فيه من الوهم أكثر من الحقيقة ويفتقر إلى منهجية علمية في التعامل مع التنزيل الحكيم.

لكن القصص القرآني روى لنا أيضاً أخباراً عن أحداث عاشها النبي (ص) وأصحابه حضورياً ورأوها بأعينهم، كغزوة بدر وأحد وحنين والخندق وتبوك نجدها في أكثر من سورة من سور القرآن الكريم كالتوبة والتحريم والأنفال والأحزاب، إلا أن هذه الأخبار التي كانت أخباراً عند من عاش أحداثها في لحظة وقوعها تحولت إلى أنباء عندنا وعند غيرنا اليوم، وتلك الأنباء عن الماضي والمستقبل تبقى جميعها قصصاً قرآنياً القصد منه هو العظة والعبرة ولا علاقة له بحلال ولا بحرام، ولا بصالح ولا بطالح، كآية السيف وآية الجزية في سورة التوبة. وقد ورد النبأ في سورة التوبة عندما خاطب النبي والصحابة يذكرهم بالأقوام التي سبقتهم في قوله تعالى: {ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} التوبة 70، وكذلك ورد النبأ والخبر معاً في آية واحدة من سورة التوبة، فهناك أمور حدثت مع بعض الصحابة في عهد الرسول فنبأ الله بها الآخرين لأنها كانت غيباً لهم لذا قال تعالى {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} التوبة 94، فهذه أنباء بالنسبة للرسول والصحابة الذين لم يعلموا أن الأعذار المقدمة صحيحة أم كاذبة، وهي أخبار بالنسبة للذين قدموا الاعتذار. وكذلك في سورة محمد قال تعالى {ولنبلوكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} الآية 31. في هذه السورة يدور الحديث حول أحداث حصلت مع الرسول (ص) والصحابة لذا قال: {لنعلم المجاهدين والصابرين} وذكر أن هذه الأحداث عبارة عن أخبار لأنها حضورية. أي أن سورة التوبة وكل الآيات التي تتحدث عن غزوات بدر وأحد والخندق وتبوك وكل الغزوات الأخرى تحولت بالنسبة لنا إلى القصص المحمدي تماماً كقصص موسى ويوسف. ولا يوجد فيها تشريعات وليست من الرسالة وتختلف تماماً عن قوله تعالى: {لا إكراه في الدين} البقرة 256، وعن آيات المواريث في سورة النساء. حيث أن هذه الآيات وهي من الأحكام (الرسالة) ليست أنباءً وليست أخباراً. وهنا يُحَلُّ التناقض بين هذه الآيات وآيات السيف والعنف بدون اللجوء إلى تخريجة الناسخ والمنسوخ القائمة على الأوهام. لذا فنرى من الواجب فرز آيات الرسالة التي لا تعتبر أنباء لنا ولا أخباراً وقت نزولها على حدة ونرى ضرورة تمييزها عن الأنباء القصصية.

(3) تعليقات
  1. (اذا جاءكم فاسق بنبا ) ما مغنى نبا هنا؟؟؟


    الأخ عادل
    النبأ يحمل الحقيقة أو الوهم، في حين أن الخبر يحمل الصدق أو الكذب، فالنبأ قد يكون حدث في الماضي أو سيحدث في المستقبل (نبؤة)، أي من رواه لم يحضره، ولذلك الله تعالى أمرنا بالتأكد من حقيقته {فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة}.

  2. أسال الله ان يرزقني واياكم فتوح العارفين…تعقيب بسيط عى لفظ أننا لا نأخذ من القرآن اتشريع…..
    كيف نقول ذلك وقد أخذ افقهاء أحكام اجعالة واكفالة فى الفقه من قصة يوسف-عليه السلام- عندما قال:”ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم” فأرجوا التوضيح
    **أمر آخر وهو رجاء السماح بتحميل الكتب من الموقع لصعوبة الحصول عليها فى ظل الظروف الراهنة للبلاد أو بيان كيفية الحصول عليها فى الاردن ومصر…وجزاكم الله خيرا


    القصص القرآني نأخذ منه العبر لا التشريع {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ} (يوسف 111)، أما التشريع فنأخذه من الرسالة (أم الكتاب) وفيها شريعة حدودية صالحة لكل زمان ومكان.
    بالنسبة لموضوع الكتب غير الموجودة على الموقع، أعتذر منك، فالأمر يتعلق بحقوق النشر المحفوظة للدار المسؤولة عن ذلك، ويمكن السؤال عن أماكن توفرها عبر موقع دار الساقي
    http://www.daralsaqi.com

اترك تعليقاً