لقاء الدكتور محمد شحرور مع منتدى الشرفة – الجزء الأول

لقاء الدكتور محمد شحرور مع منتدى الشرفة – الجزء الأول

اسم السائل: الرازي

أثار الدكتور / محمد شحرور حفيظة الكثيرين بأفكاره المغايرة لواقع ظل الناس عليه قروناً، وخالف ما هو شائع لديهم منذ أمد بعيد، شخصية جدلية بسبب ما تطرقت له من موضوعات فكرية لتخرج العقل العربي من الجمود.

تناثرت الأقوال في كتاباته بين محرّم لقراءة كتبه، ومنفر منها، وبين محرض لها ودافع لقراءتها.

يقول الدكتور / محمد شحرور: “لا أقبل الجلوس عند أقدام (ابن عباس) و (الشافعي)”

ومن هنا كانت لضيفنا مع الحياة قصة، بدأها بقراءة الموروث بعين المجدد، وفحصها فحص المستبين للحقيقة بعقل المفكر.

واجهته العقبات فكانت له عوناً، واستوقفته الصعوبات فكان لمسيرته زاداً، عمد إلى الأصل في تحكيم الأمور، وأهمل الفائض من موروث بالٍ، وألغى القيود من تراكمات فكرية، ونزح للحوار في بيئة الرأي الأوحد، ألّف المؤلفات، وحدد الوجهات، وانتقى المطيّات، فبلغ المراد.

علمه جمّ غفير، وحلمه فيض غزير، أجرى القلم فشهدت الأوراق بتميّزه، وأسال المداد فأكدت الحروف بجدته، لم يرغب في كفاحه محمدة، ولم يطلب في مسيره مغنمة، سوى الرقي والترقي، قرأ ما قرأه غيره، وأخرج ما لم يقبله عصره، آمن بما قال، وقال بما يؤمن، جابهوه فازداد ليناً، عارضوه فأتى بالعقل دليلاً.

ومن هنا، من على (الشرفة) “منبر الفكر العربي الحر” حيث للنور شعاع لا يكاد يحجبه شيء، التقت الأهداف، وانسجمت الغايات، وما وجود الدكتور / محمد شحرور في هذا اللقاء إلا دليل على السعي الحثيث في كسر الجمود الفكري وخروج من الرتابة العقلية، فالشكر له على منحه إيانا هذه المساحة لكي ننهل من علمه، فله قدر لا ينكره أحد، وله قامة لا يعمى عن حجمها إلا جاحد.

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إني أتوجه بجزيل الشكر إلى موقع الشرفة، وأرجو أن يكون اسماً على مسمى كما عرَّف الموقع عن نفسه بأنه منبر الفكر العربي الحر. وأرجو من الله أن أكون عند حسن ظنكم.

والحقيقة أنني مشغول الآن بأمرين اثنين وهما: أني أترأس فريق عمل لترجمة أفكاري الرئيسية من الكتب الأربعة وجزء من الكتاب الخامس الذي بصدد إنجازه، إلى اللغة الإنكليزية، والعمل مرهق جداً لأن المهم هو (أنجلزة) الأفكار وليس ترجمتها. ومن أجل ذلك قمت بتلخيص المنهج اللغوي والمعرفي الذي اتبعته في كل كتبي في 40 بنداً وعشرين صفحة مع المصطلحات كلها، وأنوي أن أنشرها قريباً في كتيب منفصل.

والأمر الثاني هو سؤال السيد المنار وهو أنني أقوم بتأليف كتابي الخامس، وقد شارف على الانتهاء ومواضيع هذا الكتاب طرحتها منذ عام 1994 في كتابي (الدولة والمجتمع). والآن أقوم بالإجابة على بعض المواضيع وهي:

1 – مفهوم جديد لمقاصد الشريعة.

2 – هل يوجد قصص محمدي ضمن القصص القرآني، علماً بأن القصص القرآني يحوي العبرة ولا يحوي أي تشريع. فسورة يوسف فيها عبر ولا يوجد فيها تشريعات. وبالتالي أحداث القصص المحمدي (بدر – أحد – الخندق – تبوك – فتح مكة) على غرار أحداث موسى وعيسى ويوسف هي أحداث وليست تشريعات، وبالتالي ليست جزءاً من الرسالة.

3 – لقد قسم القرآن التاريخ إلى عصرين: عصر الرسالات، وعصر ما بعد الرسالات. ففي التنزيل الحكيم ذكر عصر الرسالات حتى انتهى هذا العصر بمحمد (ص). ولكن نحن نعيش الآن عصر ما بعد الرسالات. وبهذا نستطيع أن نقيم كثيراً من المفاهيم التي ظهرت في عصر الرسالات بما فيها الرسالة المحمدية.

4 – ما هو موقف التنزيل الحكيم من سورة التوبة وبقية السور في ضوء ما تقدم بدون اللجوء إلى مفهوم الناسخ والمنسوخ، حيث لا يوجد ناسخ ومنسوخ في التنزيل الحكيم، وإنما هو بين الرسالات فقط. أي ما هو الفرق بين النص التاريخي وتاريخية النص.

5 – مفهوم الأصنام والتماثيل والأوثان.

6 – بحث في الخمر وملك اليمين.

7 – بحث في الحرية وقوله تعالى {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} [الروم : 4].

8 – بحث في الولاء والبراء وعلاقته بأولي الأمر.

9 – بحث في الجهاد بشكل عام، والعنف بشكل خاص.

أرجو أن أنتهي من هذا الكتاب في أواخر شهر أغسطس من هذا العام 2007، وأرجو أن يتم إصداره في نهاية هذا العام.

ولكم تحياتي وشكراً لاستضافتي..

اسم السائل: بن حيان

تحية طيبة وبعد

أهلا بضيفنا الكريم الذي لا تخلوا أطروحاته من الإشارات والإضافات المثمرة والتي يحتاجها الخطاب الديني ليظل مواكبا لروح العصر. لا أنكر أني حينما أقرأ لك تأخذني التأملات والخواطر العميقة التي خرجت من رحم العقل والمنطق، ومنهجيتك أراها أقرب إلى نفسي من طرق البعض في التعامل مع النصوص بتشنّج وحدّيه وسطحيه في أحايين كثيره جدا. لا أريد الإطالة لذلك سأطرح أسئلتي:

أنت تحمل دكتوراه في الهندسة ثم في تحول ملفت اتجّهت إلى الدراسات الدينية وهي بعيدة كل البعد عن دراستك واختصاصك، فهل هذا يعني أنك لا تؤمن بالتخصص؟

من خلال النزر القليل الذي قرأته لك د. محمد شعرت أنك ترى أن الفهم الصحيح والإدراك السليم للإسلام بمقاصده وتشريعاته وأحكامه يجب أن يكون مرجعنا فيه القرآن، والقرآن فقط وبعيداً عن تفسيرات وشروحات من سبقنا، فهل هذا يعني أنّك قرآني؟ فإن كان استنتاجي صحيحاً فماذا عن السنّة والتراث الإسلامي الذي ورثناه من (السلف)؟

قرأت لك أنك معتقد بأن الحجاب له بُعد طبقي وتاريخي وهو عرف اجتماعي توارثته الأمة كابر عن كابر وليس له أي أصل في الدين الإسلامي، ضيفنا الكريم هلاّ أوضحت وأسهبت لنا في الحديث بخصوص هذه المسألة وأجليت ضبابيتها التي غشت أفئدتنا وعقولنا؟

عزيزي الدكتور لماذا تندر الحوارات والنقاشات بين المفكّرين والعلماء، ألا تتفق معي أن الثقافة والفكر الإسلامي يمر بمرحله حرجه تتطلب تعاونكم معا لتجديده وتطويره؟

يتفق الكثير من المفكّرين بأن المسلمين لم يمروا في تاريخهم الطويل في حاله أسوأ من هذه الحالة التي يعيشونها، حتى أن عدد غير قليل منهم يكاد أن يجزم بأنه لا يوجد بصيص من أمل في الأفق للخروج من هذا التيه الفكري والسياسي، بل أصبحنا نرى أنهم بدأوا يعزفون على وتر العلمنة لإحياء العقول وتنشيط الفكر باسم الحداثة ونستطيع أن نرى رهانهم عليها تعدّى أشواطا بعيده من القول ليدّعموه بالفعل، ضيفنا العزيز، هل ترى أن مطالبة هؤلاء المفكرين بفصل الدين عن الدولة أو كما يسمّيها البعض إقامة الحياة على غير دين هو الحل لهذه الفوات الحضاري الذي نعيشه؟

تحياتي لك

إلى السيد ابن حيان:

أولاً أنا أؤمن بالتخصص، ولكن لا أومن بالمدرسية. فأنا لا أؤمن بالتخصص على مدرسة الشافعي أو ابن حنبل وغيرهم. وبهذا فإن الثقافة تعيد إنتاج نفسها والبشرية لم تتقدم إلا على أيدي الهواة الذين استحوذت عليهم فكرة ما، وأرادوا الرهان عليها أو تنفيذها، وأنا من هؤلاء. لقد قرأت كل التفاسير تقريباً ولم تقنعني وأردت أن أعرف هل تم تأسيس فكرة الحرية واحترام الإنسان في الأدبيات التراثية فلم أجد. أما فيما يتعلق بالتخصص فأنا مهندس مختص بهندسة الأساسات وميكانيك التربة، وأنا ناجح جداً في عملي كمهندس وأحقق دخلاً جيداً ولم أحتج يوماً لأحد. وأعلت نفسي وعائلتي من عملي كمهندس. ولكنني أعترف أنني لم أساهم في تقدم علم الهندسة. يوجد عندي حسٌ هندسي جيد ولكنني لست مبدعاً في الهندسة. أما فيما يتعلق بالدين، فإني أريد أن أوجه سؤالاً هاماً إلى السادة أصحاب الاختصاص في الدين وهو: هل إرسال الناس إلى الجنة يحتاج إلى اختصاص؟ هذا هو السؤال المهم. لقد قرأت القرآن وقال عنه تعالى {هُدًى لِّلنَّاسِ} [البقرة : 185] [آل عمران : 4] [الأنعام : 91] وأنا من الناس. وقال سبحانه عن الكتاب أنه {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة : 2] وأنا أريد أن أكون واحداً منهم ووجدت طريقي أن أكون واحداً من داخل التنزيل الحكيم وليس من خارجه.

أما قولك إنني قرآني، وماذا عن السنة والتراث الإسلامي. إن كلمة قرآني يطلقها السادة العلماء الأفاضل كما لو أنها مصيبة بحق صاحبها، فهل يمكن لكتب الحديث أن يكون لها قيمة بدون التنزيل؟ ولكن آيات التنزيل الحكيم لها قيمة بدون كتب الحديث ولا تفقد قيمتها.

الأمر الثاني هو علينا أن نفرق بين الإسلام والأسلمة. فالإسلام واحد فقط وهو التنزيل الحكيم ما بين دفتي المصحف، وهو وحي من الله ومقدس وليس تراثاً، لأن التراث نتاج إنساني. وقدسية التنزيل أتت من اسم الله القدوس وهو مخرج الحياة، وهذا يعني أنه جاء من حي إلى أحياء في القرن السابع. وهو الآن حي جاء إلى أحياء في القرن العشرين وفي القرن الواحد والعشرين.

فالكتاب واحد أما تشخيص الإسلام على أرض الواقع فهو عملية سوسيولوجية إنسانية بحتة وتتعلق بالأمور التالية:

الإسلام (ISLAM) هو التنزيل الحكيم ما بين دفتي المصحف وهو واحد لا اثنان ولا ثلاثة.

أسلمة الواقع وهو نشاط إنساني (نظام معرفي + الأرضية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية).

وأول أسلمة للواقع حصلت في عهد الرسول (ص) في القرن السابع الميلادي وهي الأولى وليست الأخيرة، والثابت في الإسلام هو الشعائر، لذا فهي أركان الإيمان لأنها ليست حنيفية. أما ما تبقى فهو يحمل الصفة الحنيفية. والشعائر هي السنة الرسولية وماعدا ذلك فهو سنة نبوية ظرفية تاريخية صحت أم لم تصح. ومع الأسف لم يتم هذا التقسيم الواضح بين السنة الرسولية والسنة النبوية. وحصل خلط كبير بينهما. وأحد أسباب الفوضى والارتباك في الفقه الإسلامي وعند المسلمين هو هذا الخلط. لذا فالتراث الإسلامي هو نتاج غير مقدس. فنحن لدينا الآن نظماً معرفية جديدة وبأوضاع اقتصادية واجتماعية وسياسية مختلفة، فلدينا قراءة مختلفة وهي ستكون تراثاً أيضاً.

بالنسبة للحجاب فهو ليس من أركان الإسلام ولا من أركان الإيمان، وإن التركيز على الحجاب لهذه الدرجة الكبيرة يدل على أننا أمة مأزومة ومهزومة، لم نستطع أن نجاري الغرب حتى في القيم. فالوفاء بالمواصفات والقضاء النزيه وعدم شهادة الزور والصدق في المعاملة والوفاء بالمواعيد والعناية بالضعفاء والمعاقين، كل هذه الأمور سَبَقَنا الغرب إليها فلم نستطع أن نقدم له أي قيمة إضافية لذلك بحثنا عن ظاهرة ما وسلوك غير موجود عند الغرب فكان الحجاب، واعتبرناه قيمة وركزنا عليه لأنه غير موجود عندهم، هذا كل ما في الأمر وبدون مزاودات. ومع الأسف الحرية عندهم قيمة، وعندنا الحجاب قيمة أهم من الحرية.

إن عدم وجود حوارات بين المفكرين مرده إلى أن التواصل صعب، ولأن الإبداع محجور عليه، ولأن تسمية الأشياء بأسمائها ووضع النقاط على الحروف مازال يعتبر قلة أدب ووقاحة.

اسم السائل: روبن هود

أهلاً وسهلاً ضيفنا الكريم

ازدانت الشرفة بوجودكم… ضيفنا العزيز…

1- وضع الكثير الدارسين والباحثين محمد شحرور من ضمن فئة مفسري القرآن المؤدلجين أو ما وصفه احميده النيفر في كتابه (الإنسان والقرآن وجهاً لوجه) والذين يتبعون التيار الأيدلوجي ويرتكز فيه العمل التفسيري على وضع لإجابة عن أسئلة مطروحة مسبقاً، لها عند المفسر أو الدارس إجابة جاهزة، ويكون عمل المفسر تأكيداً لها عبر بناء عقلاني يعرض نفسه بصفة نقدية، فعمل المفسر هنا يكمن في تحقيق نسق من الأسئلة والإجابات المغلقة التي تكمن من فتح مجالات جديدة في الفهم والتركيب، ونقطة الارتكاز الداخلي في هذه التفسير هو اعتبار المعنى أمرا ثابتا مطلقا، وصحة هذا لا تحقق التجرد العلمي المفروض على الباحث وتجعله أسيراً لمعتقداته السياسية وتجعل من أدواته البحثية والمعرفية أداةً لخدمة الأيدلوجيا التي يعتنقها..!

هل يرى محمد شحرور نفسه بريئاً من هذا؟ وهل كان بمنأى عن أدبيات الإخوان المسلمين التي ارتبط اسمه بها كثيراً؟!

2- في كتاب (القرآن والكتاب) عمد محمد شحرور إلى التفرقة بين معاني وصفات القرآن الكريم الأمر الذي اعتبره غالبية السلفيين تجزئةً للقرآن وإنكاراً لما جاء عليه… كيف يرد ضيفنا الكريم على هذا؟!

3- صحيح البخاري ومسلم من الكتب التي أجمعت عليها الأمة الإسلامية واستناداً إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (لا تجتمع أمتي على باطل) فإن هذين الصحيحين يعدان مصدراً ثانياً بعد القرآن للتشريع الإسلامي.. هل يرى ضيفنا الكريم إنكار السنة؟! واذا لم يكن كذلك كيف يوفق بين تناقضات القرآن والسنة؟!

4- الرق لم يلغى إلا بقرار سياسي.. والتعددية الزوجية أيضاً لن تلغى إلا بقرار سياسي..!! هل يعتبر ضيفنا الكريم الشبه كبيراً جداً بين التعدد والرق؟! مع فارق الأحكام بينهما؟

5- الحجاب ليس سوى لباس قومي وتقليدي..!!

هل ينكر بذلك ضيفنا الكريم أي موقف فقهي تجاه مسألة الحجاب؟!

إلى السيد روبن هود:

1 – إن المعرفة أسيرة أدواتها، والمسألة ليست مسألة ذكاء وعبقرية أو فجور وتقوى. فالطبيعة هي الطبيعة منذ ألفي عام والآن. ولكن عندما درسها الإنسان بنظام معرفي وهو أنها تتألف من أربعة عناصر هي الماء والهواء والتراب والنار، وانطلاقاً من هذا ظهرت علوم الطبيعة والطب على أساس الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ضمن هذا النظام وبذلوا جهداً كبيراً حتى أصبح نظاماً مستنفذاً. وعندما تغير النظام المعرفي في دراسة نفس الطبيعة وتم تحديد جدول مندليف لعناصر الطبيعة، ظهر شيء اسمه علم الكيمياء المعدنية ثم العضوية ثم الحيوية وهكذا دواليك. لذا فإنني أذكر السيد روبن هود بقول آينشتاين: (إنه من الحماقة أن تعتقد أنك ستحصل على نتائج جديدة وأنت تكرر الشيء نفسه) فإذا كررنا نفس المقاربات اللغوية والمعرفية في فهم التنزيل الحكيم وأصول الفقه التي وضعت في القرنين الثاني والثالث الهجريين فإننا سنحصل على النتائج نفسها ولا داعي لأن نتعب أنفسنا وبالتالي، فكل هذه المؤسسات التي تقول عن نفسها: مركز البحوث الإسلامية – الفتوى – هيئة علماء. تكرر الشيء نفسه ولا أدري ماذا تجدد. إنهم يا سيد روبن هود ينطبق عليهم القول التالي: يقولون قال الله ويشرحونه كما لو أن محمداً (ص) والصحابة هم المؤلفون. فإذا كان إتباع نظم معرفية جديدة ومقاربات معرفية جديدة هي أدلجة، فنعم أنا مؤدلج، حيث أن نظرية المعرفة هي العمود الفقري لأي فلسفة. والمشكلة أنه لا يوجد عند فقهاء المسلمين أي نظرية في المعرفة الإنسانية، لذا فإن الفقه الإسلامي لا يستطيع أن يتجدد. أما بالنسبة لأدبيات الإخوان المسلمين فقد قرأتها، وأعتقد أن شعار الإخوان (الإسلام هو الحل) هو شعار زئبقي مائع غير قادر على حل شيء، وسيد قطب في كتابه (معالم في الطريق) كان يكتب عن مجتمع وعصر لا علاقة لنا به وهو يريد أن يبني دولة على الغيبيات حيث نتيجة ذلك كان هناك دموع وأموال ودماء وأنفس ذهبت مجاناً وهي تطحن في الهواء. وعلينا أن نعلم أخيراً أنه ليس كل شيء أنتجه الفكر الإنساني هو خطأ أو باطل وخاصة فيما يتعلق بالمقاربات المعرفية.

2 – لقد انطلقت في كتابي الأول (الكتاب والقرآن) من مبدأ عدم الترادف. فالله خالق الوجود وصائغ التنزيل الحكيم، فيجب أن ترى وحدة الناموس، فإذا تغير إلكترون واحد في ذرة ما تتغير كل الصفات. فكيف يمكن أن أقبل الأب والوالد بنفس المعنى وهما مصطلحان متغايران تماماً. إن غالبية السلفيين انطلقوا من أطروحة الترادف لأنهم انطلقوا بأن التنزيل الحكيم تحدى الشعراء، والشعر لا يعيبه الترادف ولا يعيبه الكذب، والشعر له مجال التركيب لا مصداقية المعنى وعقلانية التشريع. ولأن الشافعي كان يحفظ عشرة آلاف بيت شعر وهو صغير وشب على ذلك وعمل في الفقه لذا لم يفرق بين الحكمة والسنة وبين الأب والوالد وبين الأبوين والوالدين. كل هذه الأمور كانت لا تعني له شيئاً. لهذا السبب بالذات اعتمدوا على أقوال عن عن عن لأنهم اعتبروا أن التنزيل خالٍ من الترادف وابتعد عن الشعر. وإن أردت أن تفهمه فإنك لا تستطيع أن تخوض فيه كثيراً. إذ أن هذا التقسيم الذي استنتجته وأخذ مني سنوات يجعل التنزيل مفهوماً ومنسجماً مع نفسه ومع الواقع الموضوعي.

3 – فيما يتعلق بصحيح البخاري ومسلم فقد تبنته الأمة سياسياً قبل أن تتبناه فكرياً. وارى أن السبب الأساسي هو عجز المتعدين عن الخوض في التنزيل الحكيم بشكل عميق، ويكفي أن تفتح كتب التفسير لابن كثير والقرطبي وحتى الزمخشري، فإنك ستجد في التفسير أحاديث + أسباب نزول + بعض النحو العربي + ناسخ ومنسوخ. أي أنك ستجد كل شيء ماعدا التفسير. لذا كانت الحاجة كبيرة لاعتماد مصدر آخر وكان هو ما يسمى بالحديث النبوي. فكيف يمكن أن أسمي البخاري إماماً إذا كان لا يفرق بين الإسلام والإيمان، ففي باب الإيمان (عنوان الباب) نرى الحديث رقم واحد هو: بني الإسلام على خمس، فلا أفهم ونحن الآن في بداية القرن الواحد والعشرين كيف نسميه إماماً ثم نرى في كتابه (باب المناقب) أن قردة زنت فرجمتها القرود. ولو كان هذا الإمام يحترم العقل ذرة واحدة لما وضع هذا الحديث في كتابه. ثم نرى في كتابه حديث الإسراء والمعراج، ويرينا كيف فرضت الصلاة في السماء كصفقة تجارية بين الله سبحانه ومحمد (ص)، وعراب الصفقة هو موسى (ع). ثم إنك إن حذفت 90% من كتب البخاري ومسلم، فإن الدين الإسلامي لا ينقص منه شيئاً، وإذا افترضت أن أبو هريرة وابن عباس لم يوجدا بالأصل وحذفت كل أحاديث أبو هريرة وابن عباس، فإن الإسلام لا يتأثر أبداً. ثم إني إذا وحّدتُ الله سبحانه فهل أحتاج إلى البخاري، وإذا أردت أن أبر والديَّ فهل أحتاج إلى مسلم. وهناك أناس في العالم يبرون والديهم ولا يشهدون الزور ولا يقتلون النفس ولا يأكلون مال اليتيم ولا يغشون المواصفات ويعاملون الناس بخلق حسن ولم يسمعوا أبداً بالبخاري ومسلم. لقد استعمل الهامانات (رجال الدين أو السادة العلماء الأفاضل) البخاري ومسلم لتحويل الناس إلى قطيع يركبون عليه ويسوقونه كيفما شاؤوا.

أما السنة فإني أقسمها إلى سنة رسولية وسنة نبوية. فقط طلب الله سبحانه منا طاعة الرسول ولم يطلب طاعة النبي. أما الرسالة فكلها موجودة في التنزيل الحكيم، وصاحب التنزيل الحكيم سبحانه وتعالى علم أنه لم يعطنا عدد الركع في الصلوات ونصاب الزكاة وبالتالي هو قال لنا أن نأخذ تفصيلات الصلاة والزكاة من الرسول (ص) في سورة النور: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[النور : 56]. والصلاة بتفصيلاتها والزكاة بأنصبتها وصلتنا ولا فضل في ذلك لا لمحدثين ولا فقهاء ولا طبقات رجال ولا علم جرح وتعديل، فلا داعي لأن يزاود علينا أحد.

وهل بر الوالدين وعدم شهادة الزور وعدم أكل مال اليتيم يحتاج إلى سنة، إن أركان الإسلام في المحرمات لا يحتاج إلى أي سنة، لأنها فطرية، الناس تعرفها بفطرتها ولا تحتاج إلى سادة علماء أفاضل. أما السنة النبوية فهي تنظيم الحكم وبناء الدولة والقضاء والتعليمات الاجتماعية وكل شيء ليس له علاقة بالشعائر والمحرمات وعددها /13/ في التنزيل الحكيم، هو سنة نبوية تحمل الطابع الظرفي ولا تحمل الطابع الأبدي. فقول النبي (ص) (ما أفلح قوم ولوا أمورهم امرأة) غير ملزم حتى ولو وصلنا مسجلاً صوت وصورة. فالأحاديث النبوية غير ملزمة وظرفية حتى ولو صحت كلها صوت وصورة وهي للاستئناس فقط وتؤخذ إن كانت مقبولة ظرفياً أو مقبولة إنسانياً.

يقول الدكتور عبد الله باصفر وهو عالم فاضل سعودي بتاريخ 27/3/2007 في فضائية (اقرأ) أن عدد الأنبياء (120000) مائة وعشرون ألف نبي. وعدد الرسل (313). وبما أن محمداً (ص) هو خاتم الأنبياء والرسل فهل مضى عشرات الآلاف من الأنبياء ومئات الرسل والبشرية لا تعلم كيف تأكل الطعام باليمين أم باليسار، ولا تعلم جماع النساء ولا تعلم كيف تنظف نفسها؟؟؟ أريد أن أسأل السادة العلماء: ماذا علم هؤلاء الأنبياء والرسل (عشرات الآلاف والمئات) الناس؟ إنها مهزلة !!.

4 – بالنسبة للرق: إذا قلنا أن البعثة النبوية قصت شريط تحرير الرق والمرأة وفقط، وبعد وفاة الرسول (ص) على البشرية إتمام هذا المشوار، وما حصل أن السادة العلماء حجَّروا التاريخ في القرن السابع واعتبروا أن ما فعله النبي (ص) هو تحرير الرق والمرأة. حتى أن آخر بلد في العالم ألغى الرق سياسياً هو موريتانيا عام 1967، وما زالوا حتى اليوم يتحدثون عن بقايا الرق في الحملات الانتخابية، وقبل موريتانيا كانت السعودية 1964. وقد ألغي الرق بقرار سياسي وليس بفتوى فقهية. إذ كيف يمكن أن تصدر فتوى فقهية بتحرير الرق، وهناك أحاديث كثيرة تحث الرق على طاعة سيده، وأن العبد الآبق لا تصلح له صلاة، وهناك فقه خاص بالعبودية والعبيد، ولكنني لم أجدَ في كتب الحديث أحدهم يخاطب العبيد قائلاً لهم (أيها الرق انهضوا وحرروا أنفسكم) لذا فإن ثقافة العبودية مازالت راسخة في عقولنا وفي سلوكنا، وبما أن الرق ألغي سياسياً فإننا نمارس هذه الثقافة للعبودية على نسائنا، ويمارسها السادة العلماء الأفاضل على تلاميذهم ومريديهم.

5 – بالنسبة للحجاب فإني أحيلك إلى فصل حجاب المرأة في كتابي الأخير (نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي – فقه المرأة) الذي صدر أول طبعة عام 2000.

اسم السائل: زرياب

السلام والرحمة أستاذ شحرور

أسئلة:

1- لكم أعجبني ردك عندما قلت أنك ترفض الجلوس عند أقدام الشافعي وغيره من الأئمة.. هل بهذا التصريح تأمرنا بالتجرد من موروثنا الفقهي والانطلاق من جديد لفهم القرآن وإعجازه خاصة بعد الإحباط والإخفاق الذي أصابا الأمة طيلة هذه القرون السالفة في شتى المجالات؟؟

2- السنة والشيعة يدان من نفس الجسد.. هل ترى أنه آن الأوان لأرواح بني أمية مغادرة الصحاري الخليجية لكي تصبح لنا وحدة فنتكتَّل ونتحالف ونعتصم بحبل الله جميعا كما هو شأن الأمم الأخرى والغير مسلمة؟؟ وإن فشلوا جهابذة الإسلام في لمِّ الشمل هل ينجحوا تلاميذ شحرور؟؟

3- كان اليهودي إسحاق شمير في شبابه ناشط للقضية الصهيونية وقام بالقتل والتفجير في البلدان الإسكندنافية (إرهابي) ضدَّ معارضين السامية وعند كبره نصبوه رئيساً للدولة العبرية.. لماذا تختلف نظرة العرب لابن لادن والزرقاوي وغيرهما كطرف مقابل؟؟ وما معنى كلمة إرهاب؟؟

4- الحرب على إيران لا محالة منها، وهي آخر أمل للإسلام قبل الاستسلام، إلى أيّ ضفة يتجه زورق محمد شحرور.. وإن كان حقا ربَّانا بماذا ينصح الملاحة العرب والمسلمين في هذه الحرب المصيرية؟؟ قتل هنبعل وجيشه بالسيف خمسون ألف روماني في يوم واحد على أبواب روما، بعض الشباب قدموا (فاتورة) اضطهاد الشعوب المستضعفة من طرف أمركا يوم 11سبتمبر وكانوا القتلى حوالي خمسة ألاف في نصف ساعة، هل هناك نسبة مئوية ضئيلة تشير بنهاية الإمبراطورية على يد الفرس مع أن البقرة كثرت سكاكينها، شافيز وأمريكا الجنوبية، الصين والبلدان الآسيوية، بل حتى أروبا الحليف التقليدي أصبحت تنتظر بفارغ الصبر صعودها إلى المرتبة الأولي، فكيف قراءتك لهكذا أحداث؟؟

5- وأخيراً يجري العام 2010 أعاد التاريخ نفسه وعادت معه الخلافة الإسلامية، من تتصور افتراضيا آنذاك منصب أمير المؤمنين بين هؤلاء، حسن نصرالله، القرضاوي، عمرو خالد، المرشد خامنئي، محمد شحرور؟؟

شكراً على سعة صدركم وطيبة خاطركم وإني لكم من الأتباع والمناصرين.. والسلام

أبو صابر الهبيري.. زرياب،

إلى السيد: زرياب

1 – لقد قلت أن المعرفة أسيرة أدواتها، فأدوات المعرفة عند الشافعي أو ابن عباس تختلف عن أدوات المعرفة عندنا. فآيات القصص في التنزيل الحكيم مثل قصص آدم وموسى ونوح وهود وصالح وشعيب ويوسف وإبراهيم وقصص محمد (ص) الوارد في سورة التوبة والأنفال وغيرها حول الأحداث عبارة عن نص تاريخي وليست أحكام تشريعية ولا يوجد فيها آيات رسالة. أما آيات الرسالة مثل آيات المواريث والصوم والحج والصلاة والزكاة والقصاص والوصية والمحرمات والنواهي فهي ليست نصوصاً تاريخية، والتفاعل معها تاريخي. فآيات المواريث ليست نصاً تاريخياً، وإنما علم المواريث الموضوع من قبل الناس يحمل الصفة التاريخية لأن السابقين استعملوا العمليات الحسابية الأربعة فقط. ولكن إذا أضفنا إلى هذه العمليات الحسابية الأربعة والتحليل الرياضي والهندسة التحليلية ونظرية الاحتمالات والرياضيات الحديثة، وقرأنا نفس الآيات فإننا سنحصل على علم مواريث جديد تماماً وكل شيء صحيح من القراءة السابقة ينتقل أوتوماتيكياً إلى القراءة الجديدة. والمشكلة هي مشكلة نظام معرفي. فالعملية ليست تجرداً ولا تمسُّكاً، وإنما هي مقاربة جديدة.

2 – إن المقاربة المعاصرة للتنزيل الحكيم وللدين الإسلامي ككل مقاربة تتجاوز السنة والشيعة معاً. فأنا لا أرى أي حل ضمن منطلقات السنة والشيعة التاريخية.

3 – لقد اعتمد اليهود في إقامة دولتهم في فلسطين على عالم الشهادة لا على عالم الغيب. وهم ممن ساهموا في انهيار الدولة العثمانية لكي تقع فلسطين تحت سلطة الإنكليز وقد أيدهم في قيام دولتهم الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والاتحاد السوفييتي والصين. وكل هذا ضمن عالم الشهادة ولا علاقة له لا بتوراة ولا بإنجيل.

والمشكلة عندنا أنه عندما يدخل الدين في السياسة، فإن الجانب الغيبي يدخل في صنع القرارات السياسية، أي يدخل عالم الغيب ويتقلص عالم الشهادة، علماً السياسة لا يمكن أن تكون إلا ضمن عالم الشهادة. والمشكلة في عقليتنا الموروثة أننا كلما أصبنا بخيبة أمل لجأنا إلى الخرافة والأسطورة والغيب. وهذه العقلية هي السائدة حتى عند مثقفينا. وأنا متأكد أن ابن لادن وأيمن الظواهري يعتمدان على الغيبيات ونهايتهم هي الهزيمة لامحالة. والكتلة من الناس التي تؤمن بالخرافة والأسطورة والغيبيات في السياسة ستصاب بخيبة أمل مرة ثانية وثالثة ورابعة حتى تعلم أن السياسة لا تكون إلا من منطلق عالم الشهادة وليس من الغيب. وإن كل من يحاول أن يحول الموت إلى مؤسسة سينتهي بالهزيمة بغض النظر عن الشعار الذي يحمله هو (لا إله إلا الله)، أو يا عمال العالم اتحدوا، أو أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة. لأنه بهذا العمل يلعب دور الإله ولا يحق لأحد أن يقوم بهذا الدور. وأن من يقوم بهذا العمل لا يمكن أن يحمل مشروعاً سياسياً ناجحاً موضوعياً.

أما كلمة إرهاب، فإذا اخترنا مصطلح التنزيل الحكيم فنرى أن هناك مصطلحان:

الأول: الإرهاب: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال : 60].

الثاني: الرعب {وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً}[الأحزاب : 26].

فمفهوم الإرهاب في التنزيل الحكيم هو إعداد القوة بدون استعمالها. ومن قال إنها قوة الردع فقد أصاب. فالاتحاد السوفييتي وأمريكا أرهبوا بعضهم بالقوة النووية دون استعمالها.

أما الرعب فهو ما يسمى (Terror) وهو ترجمة الإرهاب من اللغة الإنكليزية، فهو لا يطلق إلا عند استعمال القوة فعلاً. فقُذِفَ الرعب في قلب اليهود عندما حاربهم النبي (ص) فعلاً وهزمهم وقتل فريقاً منهم وأسر الآخر. وإذا قلنا إن أحداث سبتمبر في نيويورك قذفت الرعب في قلوب الأمريكان فهذا صحيح. أما كل ما يتعلق بالإرهاب فإن إمكانيات هذه التنظيمات وأعدادها لا يرهب أحداً لأنه لا يوجد أصلاً تكافؤ في القوى.

4 – أني أشفق على السنة والشيعة معاً، فنحن شعوب لاحول لنا ولا قوة لأننا أردنا أن نكون كذلك. وأشفق عليك يا سيد زرياب وعلى نفسي، إن الدولة الدينية مؤمنة كانت أم يهودية أم مسيحية أم هندوسية هي دولة مستبدة إقصائية أي أنها دولة اجتمع فيها فرعون وهامان (السلطة السياسية والسلطة الدينية) في شخص واحد، في إيران المرشد العام، وفي طالبان أمير المؤمنين الملا عمر. فإذا كنتُ رباناً فكيف أقود مركباً مليئاً بأناس يجملون ثقافة القطيع يؤمنون بالخرافة والغيبيات وخاصة في الأمور التي تتعلق بالسياسة وهي من عالم الشهادة المرئي والمعاش. وإذا حصلت فنحن وقودها (سنة وشيعة) لا أكثر من ذلك ولا أقل. أنَّى لنا يا زرياب أن نثق بصواب وحكمة المشايخ سنة أو شيعة. فأنا لا أثق بقراراتهم ولا أثق بقرارات فراعنة وهامانات بني إسرائيل أم أمريكا. فحتى يومنا هذا نحن شعوب المسيرات لا شعوب المظاهرات. نحن عاجزون من المحيط إلى الخليج عن فرض رفع رواتب على الدولة ناهيك عن قرارات الحرب والسلم وكل ذلك لأننا نحن أردنا ذلك.

5 – بالنسبة للعام 2010 فلا أعتقد أنه سيكون أي خلافة فلا داعي لطرح أي اسم من هذه الأسماء. فعليك أن تفكر وتتصور وتتعود أننا نعيش عصر ما بعد الرسالات. وهذا العصر هو أفضل بكثير من عصر الرسالات لأن البشرية في عصر الرسالات كانت بحاجة لهذه الرسالات. أما نحن فلا، وهذا يعني أن مستوانا الإنساني والمعرفي والتشريعي أفضل بكثير من عصر الرسالات، وإلا فلماذا توقفت النبوات والرسالات وما تقوله عن منصب أمير المؤمنين في عام 2010 هو رغبات وليس وقائع. وعلينا أن نعلم أن مهمة الدولة والسلطة هي الحياة الدنيا حصراً.

اسم السائل: جسد عاري

أرحب بالدكتور محمد شحرور وأتقدم بأسئلتي هذه:

1- جميعنا يعلم بأن الوعي العربي لا زال يعاني من تأخره عن باقي دول العالم المتطورة، من يتحمل مسؤولية تأخر الوعي العربي المواطن أم الدولة؟

2- الأزمة الكبرى للمسلمين هي الخلط بين أركان الإسلام وأركان الإيمان، كيف يمكن التفريق بين الاثنين؟ وما هي أركان الإسلام من وجهة نظرك؟

3 – زادت في الفترة الأخيرة فتاوى التحريم والتحليل وخصوصاً في ما يتعلق بالتجارب العلمية كالاستنساخ وغيره، كيف ترى هذه الفتاوى في تأخر العلم وتراجعه؟

4- قال تعالى {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ}[آل عمران : 7]

كيف يكون تفسيرك للآية وما رأيك في التفسيرات القديمة المتعارف عليها؟

شكراً للدكتور شحرور

إلى السيد جسد عاري:

1 – إن الوعي العربي يعاني من أزمة سياسية وهي أن الحرية ليست قيمة عليا في هذا الوعي. فأنا متأكد أن أي دولة عربية تستطيع أن تعتقل العشرات في يوم واحد دون أن تخاف قيام انتفاضة، ولكنها لا تستطيع أن تنزع الحجاب لعشر نساء لأنها تخاف. فحجاب المرأة أهم من الحريات كلها. وعندما يتكلم المثقف العربي عن الحرية وخاصة المثقف المتدين يقول الحرية ولكن، ويضع التحفظات الكثيرة. ولم يحتج العقل العربي الجمعي على أن المرأة تضع الحجاب بالإكراه من قبل الدولة في السعودية وإيران، واحتجوا بنفس الوقت على فرنسا وتونس لنزع الحجاب. إن الحرية قيمة أولى وأساسية في العالم تليها العقلانية ولا يوجد شيء محتقر عند العقل الجمعي العربي مثل الحرية والعقل. وأرى أن جزءاً كبيراً من هذه المسؤولية يتحمله الناس أنفسهم لأنهم إلى الآن لا يشعرون أصلاً بشيء اسمه الأحكام العرفية وقانون الطوارئ، لأن السادة الفقهاء تحت باب سد الذرائع أجبرونا وعودونا أن نعيش هذه الحالة منذ قرون بعيدة ففقدنا الإحساس بضغط الدولة.

2 – نعم هناك أزمة كبرى ثقافية وأخلاقية من عدم التفريق بين الإسلام والإيمان، علماً بأنه طبقاً للتنزيل الحكيم يسهل التفريق بينهما. فإذا تم أخذ أركان الإسلام من البخاري مع أنه لم يفرق أصلاً بين الإسلام والإيمان، فماذا بقي للتنزيل الحكيم لنأخذ منه. أي أن أركان الإسلام من البخاري، ولكن التنزيل فهو كفر {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء : 86] وبالمناسبة: هل أورد التنزيل الحكيم هذا الأمر وأغفل تحريم الغناء والرقص والموسيقى؟

الإسلام له علاقة بالله فقط، فعندما يذكر الله وحده في التنزيل الحكيم يقول: إسلام ومسلمون {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران : 19]، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[آل عمران : 85] وهل يقبل الله سبحانه ديناً هو غير موجود فيه بالأصل. وعكسُ المسلمون المجرمون وهو ما نقول عنهم اليوم الملحدون. فالمجرم من قطع صلته بالله وكذب بالبعث واليوم الآخر.

والإسلام له ثلاثة مستويات:

آ – المستوى الأول: كوني {أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً}[آل عمران : 83] فالله رب السموات والأرض أسلم له طوعاً من باب الألوهية للعاقل حيث يوجد مخلوقات عاقلة في الكون غيرنا، وهذه المخلوقات سمعت عن الله إلهاً. وكرهاً من باب الربوبية.

ب – المستوى الثاني: المستوى العالمي، وهو القيم العليا التي لها الطابع العالمي، وقد وردت هذه القيم الأساسية في سورة الأنعام 151 – 152 – 153 وفي الفرقان لموسى وهي الصراط المستقيم وبها يُعبد الله {وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}[يس : 61] حيث الله لا يعبد في المساجد ولا الكنائس ولا المصليات، بل يذكر ويُحب. فنحن نعبد الله بالإسلام ونحب الله بالإيمان، أي نعبد الله خارج المساجد ونحب الله في المساجد. وكذلك التشريعات الإسلامية كونها خاتم فهي عالمية حنيفية انطلاقاً من نظرية الحدود. والتشريع الإسلامي تشريع مدني إنساني ضمن حدود الله. وعلى هذا المستوى نستطيع أن نتعامل مع كل العالم.

ج – المستوى الثالث: محلي وهو الشعائر، فإقامة الصلاة (الخمس صلوات + صوم رمضان+ الزكاة وأنصبتها + شهادة أن محمداً رسول الله) هي من أركان الإيمان بالرسالة المحمدية وهي تختلف من ملة لأخرى.

والغريب أنه إذا استعرضنا أركان الإسلام المزعومة لا نرى فيها الأخلاق بتاتاً ولا القيم ولا العدالة ولا الحرية. أي أن أركان الإسلام هي المحرمان الـ /13/ وهي:

1 – التوحيد، 2 – بر الوالدين، 3 – عدم قتل الولد، 4 – الفواحش، 5 – قتل النفس، 6 – عدم أكل مال اليتيم، 7 – التقيد وعدم الإخلال بالمواصفات، 8 – عدم شهادة الزور، 9 – الوفاء بعهد الله، وهذا هو الصراط المستقيم الذي يجب إتباعه جملة واحدة.

10 – محارم النكاح، 11 – الربا، 12 – أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، 13 – أن تقولوا على الله مالا تعلمون.

هذه هي أركان الإسلام وكلها إنسانية عالمية غير قابلة أن تعرض على البرلمانات وغير قابلة للتصويت عليها. ولاحظ فيها أنها لم تبدأ بقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} بل بدأت بـ {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}[الأنعام : 151] و {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء : 23]، و {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة : 275]، و {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ } [المائدة : 3]، و {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف : 33]

هذه هي المحرمات. ومرفوض تماماً إضافة أي محرم عليها، حتى أن تحريم التدخين يحتاج إلى رسالة بعد محمد (ص) تقول إن التدخين حرام. فلو اجتمع أولو العزم من الرسل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (ص) لا يحق لهم تحريم التدخين، ويحق لأمير منطقة الرياض منع التدخين في الأماكن العامة في الرياض. ذلك لأن الحرام شمولي وأبدي فهو لله فقط. فإذا جاء إنسان وأعطى فتوى أن التدخين حرام فهذا يعني أن الإنسان الذي سيلد بعد عشرة آلاف سنة عليه أن لا يدخن. وأنا أريد أن أسأل هذا المفتي: هل هو الإله أم هو وكيل الله في الأرض {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ} [النحل : 116].

إلى جانب المحرمات الـ /13/ يوجد أوامر ونواهٍ إلهية مثل النهي عن الخمر والميسر وعن الغيبة والتجسس، والنهي الإلهي ظرفي. فالدولة التي لا تتجسس على أعدائها يمكن هزيمتها. والذي لا يتجسس على عصابات المخدرات لا يستطيع القبض عليها، هذا معنى ظرفي. والنواهي الإلهية هي التي قال عنها الرسول إن صح (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات) وهذه هي التي بينهما وهي النواهي. والرسول يحق له أن يأمر وينهى ولا يحق له أن يحلل ويحرم، لذا فإن كل أوامر الرسول (ص) ونواهيه ظرفية لا تحمل الطابع الأبدي.

لذا نقول إن الله يحرم ويحلل ويأمر وينهي، والرسول (ص) يأمر وينهي والسلطة تأمر وتنهى.

ومن ناحية أخرى نرى أن الإسلام بما أن رأسه التوحيد والمحرمات أركانه هي والحدود فإنه فطري، فالبوذي يبر والديه وكذلك الملحد، وإن أخذنا كل المحرمات لم نجد من يخضعها للتصويت لا مؤمن ولا مسلم ولا علماني. لذا فإن الإسلام دين الفطرة ويمكننا أن نلتزم به كاملاً إي نتق الله حق تقاته. أما الإيمان فله علاقة بالشعائر والصلوات الخمس والصوم والزكاة ونلاحظ أنها كلها تكليف لا يقوم بها الإنسان إلا إذا علم بها أولاً، ثم وافق عليها ثانياً. فصوم رمضان ضد الفطرة تماماً، والفطرة في الطعام لا بالصوم. وقبض المال من الفطرة، ودفعه يحتاج إلى تكليف. فالإنسان يقبض راتبه بالفطرة ويدفع الضرائب بالتكليف، وهذه وقف على أتباع الرسالة المحمدية لذا فهي من أركان الإيمان بالرسالة المحمدية وهي بعد الإسلام وليست قبله.

أي أن لا إله إلا الله رأس الإسلام، محمد رسول الله رأس الإيمان. لذا قال تعالى {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}[الحجرات : 14]، وقوله {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ} [الحجرات : 17]، لذا نرى أن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا. وأركان الإيمان يؤديها الإنسان حسب الاستطاعة.

ونلاحظ أنه عندما يذكر التنزيل الحكيم الله مع الرسول يقول (مؤمنون) وعندما يذكر النبي أو الرسول لوحده يقول مؤمنون. فكيف يمكن أن نفهم أن الإسلام يسبق الإيمان مع الحديث: بني الإسلام على خمس، ومع الحديث أن الإيمان هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فكيف نقيم الصلاة ونصوم رمضان ثم نؤمن بالله واليوم الآخر. لقد وضعوا العربة قبل الحصان.

وهنا نرى عمق الكارثة أن هناك صحوة إسلامية، بل هناك صحوة إيمانية، وبما أنه في ثقافتنا من أركان الإسلام أصبح إفطار يوم في رمضان، أهم بكثير من الكذب والإخلال بالمواصفات والخلف في المواعيد. هذه أزمة أخلاقية نعيشها ولا يوجد أمة عندها انفصام بين الشعائر والأخلاق مثل أمة محمد (ص). ففي أوربا يوجد إسلام ومسلمون. وفي الشرق يوجد إيمان ومؤمنون. وهناك صحوة إيمانية وليست صحوة إسلامية، لأن الصحوة الإسلامية لاتسمن ولا تغني من جوع في تقدم الأمم ونهضتها وهي طريق الخلاص الفردي، ولمزيد من التفاصيل انظر كتابي (الإسلام والإيمان – الفصل الأول).

اسم السائل: خالد

أحييك ضيفنا الكريم في الشرفة

واعذرني على الإطالة

1- ما هو مفهوم العبودية الذي أتي في القرآن وكيف لنا الاستدلال على معناه من اللغة؟

2- كان لك موقف من الحرية في القرآن ورأى البعض أن هذا الموقف ربما يخرج الإنسان من المفهوم المتداول للحرية؟

3- قبل 11 سبتمبر وبعده كيف ترى الفكر العربي؟ وهل صحيح أن الانطباع الذي أخذ عن المسلمين نتيجة تجميدهم للمعنى الحقيقي للفكر في القرآن؟

4- أنت تدعو إلى ضرورة الفصل بين الدين والسياسة في أمور السلطة والحكم حتى لا يوظف الدين في خدمة السياسة. ألا ترى أن هذا ينافي الدين الإسلامي؟

5- هل لظهور الحركات الأصولية في العالم العربي أسباب تتعلق بالدين؟

6- الحركات سياسية بأيديولوجية إسلامية ظهرت في العالم العربي، رفضها البعض ووافق عليها البعض، د شحرور ما هو رأيه في ظهورها وبرأيه ما أسباب هذا الظهور؟

شكراً للدكتور وللشرفة على إتاحة الفرصة

إلى السيد خالد:

1 – 2 – لقد فرق التنزيل الحكيم ما بين العبادية والعبودية، فنحن في الدنيا عباد الله، ويوم الحساب عبيد الله. والعباد جمع عبد، والعبيد جمع عبد مملوك. فالرق هم العبيد، والأحرار هم العباد، لأن فعل عبد في اللسان العربي من أفعال الأضداد فتعني الطاعة والرفض والمعصية. أي أن عباد الله يطيعون الله بملء إرادتهم ويعصونه بملء إرادتهم وبهذا فهم عباده. وعبّر آدم عن حرية اختياره بالمعصية لا بالطاعة لأن الحرية تقاس بالطرف المقابل لها. فعباد الله المطيعين كقوله تعالى {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً}[الفرقان : 63] وعباد الله العصاة كقوله تعالى {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ}[الزمر : 53]، وجاءت في قوله تعالى {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ}[الزخرف : 81] أي أول الرافضين والكافرين به، وجاءت بالمعنيين معاً {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِزْقاً لِّلْعِبَادِ} [قـ : 10-11]. وحرية الاختيار هذه هي التي تفرقنا عن المملكة الحيوانية وهي غاية الخلق وهكذا نفهم قوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات : 56]، أي ليكونوا عباداً بالطاعة والمعصية. والعبادية وهي حرية الاختيار هي الكلمة التي سبقت من الله لكل أهل الأرض {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}[يونس : 19]. وإن الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله هو الجهاد في سبيل الله حصراً، وكلمة الله هذه هي الحرية. فالقتال من أجل حرية الاختيار للناس جميعاً بين الكفر والإيمان والطاعة والمعصية هي الجهاد في سبيل الله. وهناك أنواع أخرى للجهاد في سبيل الديار (الوطن) وهي مشروعة ولكنها ليست في سبيل الله. ففي البلاد التي يساق فيها الناس إلى الصلاة بالإكراه فإن كلمة الله هي السفلى فيما يتعلق بحرية الاختيار بين أداء الصلاة أو عدم أدائها. وفي البلاد التي يمنع فيها الناس من أداء الصلاة فكلمة الله فيها هي السفلى أيضاً. والعبيد يوم الحساب حيث لا خيارات لدى الناس، والناس تحتاج فيها إلى محاكمة عادلة لذا قال (وما الله – وماربك – وما أنا – بظلام للعبيد).

فالعبودية أصلاًٍ غير مطلوبة من أحد في الحياة الدنيا حتى ولا لله، وإنما هي العبادية، فنحن عباد الله ولسنا رق الله، لأننا نملك قراراتنا وخياراتنا بأيدينا وهذه كلمة الله التي سبقت لنا. وإذا رأيت عبودية في هذه الدنيا فهي بالضرورة لغير الله، وإني لأعجب كيف يرددون كلمة العبودية عشرات المرات يومياً أنها لله، وهي ليست كذلك، لأنها لا يمكن أن تكون إلا لغيره في الحياة الدنيا. وبما أن الحرية هي قرار بين نفي وإثبات في موجود موضوعي أو في سلوك أخلاقي وهي القضاء فهذه الحرية لها علاقة بالمعرفة. فكلما زادت معرفتنا بالموجودات (وهي القدر) زادت حريتنا. فالحرية هي القضاء والقدر بعلاقة بينهما هي المعرفة. فالذي لا يعرف شيئاً لا يطلب شيئاً. لذا فإن حجب المعرفة هو أشد أسلحة الاستبداد.

3 – قبل أحداث سبتمبر وبعدها: العقل العربي عقل قياسي، والعقل القياسي عاجز عن إنتاج المعرفة اعتاد، ويحتاج دائماً، على وجود نسخة أصلية حتى ولو في خياله. وعلينا أن نعلم أن أي أمة مهزومة لها تراث وأرادت أن ترجع إليه وتلجأ إليه تحت حجة البحث عن الهوية والأصالة فإن هذه الأمة تصبح وقوداً لهذا التراث. ونحن الآن وقود حقيقي – لا مجازي – لهذا التراث نحترق من أجل الحفاظ عليه مع أنه ميت، ولا يوجد كارثة أكبر من كارثة إنسان يقاتل ويموت دفاعاً عن جهله.

4 – الدين يحتوي على جزء غيبي بالضرورة وإلا فهو ليس بدين أصلاً {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ }[البقرة : 3]. فالدين الإسلامي له ثلاث مركبات: القيم والشرائع والشعائر. والقيم خضعت للتراكم والشرائع للتطور والشعائر للاختلاف. فالشعائر مفصولة بالأساس عن السلطة والدولة، والقيم لا يمكن فصلها عن المجتمع ولا عن الدولة وهي مطلوبة من كل إنسان، وبالذات من الذي يمارس السياسة. والشرائع لها علاقة بالبرلمانات ورغبة الناس في تطبيقها. والشريعة الإسلامية حدودية حنيفية، وإن 99% من قرارات البرلمانات في العالم ضمن حدود الله مع أنها صدرت من البرلمانات. فالتشريع الإسلامي تشريع مدني إنساني ضمن حدود الله.

أما السياسة، فتعتمد بالأساس على عالم الشهادة حصراً، ولا يمكن أن يدخل فيها غيبيات، وعالم الشهادة هو عالم المصالح. فالسياسي، كإنسان، يجب أن يلتزم بالقيم وبالقرارات السياسية وبمصالح البلد التي يعمل من أجلها. والسياسة فيها براجماتية، أما في الدين فلا يوجد. وعندما يتدخل الدين في السياسة، فإن القرارات السياسية تدخل جزئياً أو كلياً في الغيبيات وتصبح غير قابلة للعقل النقدي.

فعالم الأرصاد الجوية يقول غداً بعد الظهر ستهطل زخات من المطر في المكان الفلاني، أي يحدد الزمان والمكان، فإن حصل كان التنبؤ صحيحاً والمعطيات سليمة، وإن لم يحصل فإنه يخضع لتساؤل العقل النقدي: أين الخلل؟ أما رجل الدين فيقول غداً ستهطل الأمطار إن شاء الله، فإن هطلت قال: شاء الله، وإن لم تهطل يقول: لم يشأ الله ولا محل للعقل النقدي. وكذلك شعار (الإسلام هو الحل) هو شعار خارج الزمان والمكان، والسياسة لها زمان ومكان: هل، وماذا، وأين، وكيف. وهذا شعار لا يختلف عن شعار الاشتراكية هي الحل من حيث التوظيف الإيديولوجي بدون أن يخضع للعقل النقدي.

5 – نعم، للحركات الإسلامية أصول تتعلق بالدين مباشرة. فمنذ الانقلاب السني الأكبر في عهد المتوكل أصبحت السلطة الدينية خاضعة تماماً وكلياً للسلطة السياسية وخاصة في العالم السني، بينما في أوربا كان العكس تماماً، حيث كانت السلطة السياسية خاضعة للسلطة الدينية، فالبابا كان يعين الملوك. وعندما انفصل ملك إنكلترا عن البابا، أنشأ كنيسة خاصة به. فكانت الثورة في أوربا ثورة سياسية تريد التخلص من السلطة الدينية. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لقد فصل بولس الرسول المسيحية عن اليهودية بإلغاء شريعة موسى والإبقاء فقط على الوصايا العشر. فلا يوجد شيء عن المسيحيين اسمه فقه، بل يوجد لاهوت وشعائر فقط. فكان من السهل إيجاد صيغة البرلمانات والانتخابات وسلطة الشعب. أما عندنا فسبب ظهور الحركات الأصولية السياسية هي أنها أرادت أن تأخذ السلطة السياسية لنفسها باسم الدين وتحت شعاره، أي أنها أرادت أن تجمع السلطتين معاً في طرف واحد وهذا حصل عند أمير المؤمنين (طالبان) وحصل عند المرشد العام للثورة في إيران. وما المرشد العام عند الإخوان إلا نموذج من هذا النوع. إن شعار الدولة الدنية أو الإسلام هو الحل يدل على مدى تخلف الوعي السياسي عند العرب حيث أن مهمة الدولة هي الحياة الدنيا، وليس من مهماتها سَوق الناس إلى الجنة بالقوة ولا إبعادهم عن النار بالقوة. إن مهمتها فقط الحفاظ على مصالح الناس والصحة والتعليم والعمل وأمنهم، وكل وزاراتها تعتمد على عالم الشهادة المحسوس. والمشكلة أن الغيبيات التي لها علاقة بالمستقبل وبالسياسة مليئة في تراثنا، فكيف تُمارس السياسة مع وجود هذه الغيبيات. وأيضاً من الأسباب الرئيسية لظهور هذه الحركات هي أن مشاريع الحداثة في الوطن العربي خانت وعودها وأخفقت في تحقيق التقدم والرفاهية لشعوبها مما أعطى المجال للحركات الأصولية في الظهور كبديل لهذه الحركات. وهذا البديل أعتقد أنه فاشل لسبب بسيط هو أنه لم يقدم نظرية معاصرة في الدولة والسلطة محددة المعالم لا تعتمد على الغيبيات، علماً بأنه في التراث العربي الإسلامي لا يوجد شيء اسمه فقد دستوري، وهو الذي يحدد كيف ينتخب الحاكم وصلاحياته ومدة حكمه.

اسم السائل: يوم لك

العالم الإسلامي يعتمد فقط على مدرسة الوحي كـ أساس فكري ويُغيب بل يُهاجم مدرسة العقل.!

لماذا يُمارس هذا القمع؟

هل هو الخوف؟

هل ينذر هذا القمع والتغييب بثورة فكرية للعقل كثورة القرون الوسطى ضد الكنيسة؟!.

أين دور المفكرين العرب والمسلمين؟، أين صوتهم بعيداً عن فلك المقدسات إن صحت التسمية!

– هل أصبح الدين الإسلامي وسيلة وليست غاية؟!

– ما مدى ثقة الدكتور شحرور بمصداقية صحيح مسلم والبخاري؟

تحيتي وجل تقديري.

إلى السيد يوم لك:

نعم! العالم الإسلامي ينكر ويهاجم مدرسة العقل لأن النشاط العقلي الوحيد عند السادة الفقهاء وهو القياس، أي تجد العلل المشتركة في الشاهد والغائب من أجل القياس وغير ذلك فالعقل لا دور له. وبالتالي هو غير ضروري. فالعقل العربي الإسلامي عقل قياس، وعلينا أن نعلم أن العقل القياس عاجز عن إنتاج المعرفة. فنحن الآن في بداية القرن الواحد والعشرين لم نتعلم إنتاج المعرفة، وهذا هو الفرق بين نهضة محمد علي واليابان، فاليابان تعلم إنتاج المعرفة، أما نحن فلا، وحتى الآن جامعاتنا لا تنتج المعرفة بل تنتج الخريجين، والسبب هو العقل القياسي لأن هذا العقل هو ستيريو يحتاج إلى بروتو، هو مقلد يحتاج إلى نسخة أصلية. وعند الإسلاميين فإن النسخة الأصلية هي عهد الصحابة، ونحن نقلدهم. وعند الشيوعيين كانت النسخة الأصلية هي الاتحاد السوفياتي ونحن نقلدهم.

وأنوه هنا بأن الإمام الغزالي لعب دوراً هاماً في استقالة العقل العربي، ويكفي أن نقول أن من استعمل العقل واحترمه هم المعتزلة، وإن كلمة معتزلي مازالت إلى اليوم تعتبر شتيمة، فإذا مدح الإنسان العقل قالوا أنه معتزلي… وبدون تعليق!!

والخوف هو أن المدرسة الفقهية لا تستطيع أن تصمد أمام أي مدرسة عقلية، لذا فإنها تمارس القمع من خلال كتب الحديث، فهي السيف المسلط على رأس كل فكر نقدي إبداعي.

أما أن هذا التغييب ينذر بثورة فكرية، فإني آمل ذلك ولكني لا أرى بوادرها إلى اليوم، لأن ثقافة القطيع مازالت سائدة. أما دور المفكرين والمستنيرين فهو محدود جداً لأنهم أولاً قلائل، وثانياً لأن الثقافة الإسلامية الموروثة لا تحترم الحياة إطلاقاً ولا تحترم الحرية، وهي ثقافة كل شيء مكتوب، وتعلم أن سكان مصر أكلوا جيف في عهد المماليك ولم يثوروا لأنه كان في كل حي وشارع شيخ يقول لهم هذه ذنوبكم. وما زالت هذه الأسطوانة إلى اليوم.

الإسلام دين جاء لنحيا به لا لنحيا من أجله، وهو دين حنيف (أنظر فصل الاستقامة والحنيفية) فإذا جاء لنحيا من أجله فلا حاجة لنا به.

أما حول مصداقية البخاري ومسلم فيكفي أنك ترى ضمن هذه اكتب أحاديث مثل المعراج والجساسة وأعور الدجال، والمهزلة فوق ذلك أنها وحي، فكيف أفهم أن الملاك جبريل جاء رسول الله (ص) ليعطيه خبر الجساسة وخبر أن موسى ضرب عزرائيل بحجر وقلع له عينه؟؟ علماً بأن كل أحاديث الغيب مرفوضة لأن النبي لا يعلم الغيب إطلاقاً إلا ما أوحي إليه في التنزيل، ومن هن كان نبياً. إن إهمال هذه الكتب لا ينقص من الدين شيئاً بل يريحنا من لزوم مالا يلزم.

اسم السائل: غريب

مرحبا بالدكتور / محمد شحرور

دكتور / محمد شحرور، هذه جملة من الأسئلة أرجو منكم متفضلين الإجابة عليها

– كتبك كانت حبيسة خارج الحدود السعودية. بما تعلق على هذا الأمر؟

-المجتمعات العربية تتباين اجتماعيا وثقافيا في حال قارناها ببعضها. كيف ترى قابلية هذه المجتمعات – رغم هذا الاختلاف – للأفكار المغايرة لما تربوا عليه؟

-رغم الدور الكبير والتركيز في كتبك إلا أنها أربعة، ألا ترى أن هذا العدد غير كاف في نفض موروث ظل يتنامى قروناً؟

– ” من استبد برأيه هلك “، ألا ترى أن بعض ما تؤطر وتنظر له هو داخل في هذا الإطار؟

– يقول الله تبارك وتعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}[النجم : 3-4]، ألا ترى في هذا القول إشارة لأهمية الحديث؟ وما موقفك من ذلك؟

– كثيرون من يطلق عليهم مجددون، ويتداول هذه الصفة المناصرون والمؤيدون، ولعل ” المجدد ” ارتبط في العصر الحديث بالشخص الذي يعيد قراءة الموروث بعين الزمان الذي هو فيه.. كيف ترى الشيخ الأديب الراحل / علي الطنطاوي؟

– هل هناك فرق بين علماء الدين السالفين والمعاصرين؟ وما رأيك في قضية تسييس الدين؟

– من المسئول عن تغييب العقل العربي، السلطة السياسية أم الفئة الدينية؟

– هل ترى أن الاستعمار الغربي لبعض الدول العربية أعطى تميزاً لها على حساب الدول التي لم تتعرض للاستعمار؟

– درست في روسيا ودرست في إيرلندا، بمعنى نظام اشتراكي ونظام رأسمالي، هل لنا أن نعرف رأيك في حال قابلنا هذين النظامين ببعضهما؟ وكيف أن الإسلام وفق في إيجاد الحلول لما عجزت عنه هذه الأنظمة؟

– بين علماء الدين وفطاحلة الأدب نجد فجوة عميقة جداً، إلامَ تعزو هذا البعد؟

– تدعو لتخطي الفهم التراثي للقرآن، فهل نستطيع أن نقيس على هذا فنقول أنه سيأتي يوم يقال عن قراءتك المعاصرة للقرآن في الحقبة الحالية أنه أصبح تراث يجب تخطيه؟

– أ ليس من الخطأ أن يكوّم هذا الكم من التراث ويُلقى؟ في حين أن الحاضر لا يُبنى إلا من خلال الماضي؟

– هل لديك تقسيمات للموروث أم أنك تتعامل معه ككتلة واحدة لا يمكن تجزئتها؟

و لكم خالص الود والتقدير

غريب

إلى السيد غريب:

1 – كتبي كانت حبيسة خارج كثير من البلدان، ومن جملة البلدان هي تونس، ولكن الزمن الآن عام 2007 تغير عن عام 1990 حين صدر كتابي الأول. وأعتقد أن الشعوب والأنظمة بحاجة إلى أفكار جديدة، ولو كان كل من وجهة نظره. وأنا أحمل فكراً حراً نقدياً، ولا أعمل لصالح أحد، ولا أكتب إلا ضمن قناعاتي، وما أتوصل إليه من بحث. لقد وجدت بني قومي يحاربون في حقل الفكر والأفكار بالرماح والسهام والسيوف، فحاولت أن أصنع لهم سلاحاً فكرياً حديثاً. والمستقبل سيحدد: هل نجحت بهذا أم لم أنجح!!.

2 – إن المجتمعات العربية متباينة ثقافياً ظاهرياً ولكنها كلها مجتمعات أسرية عشائرية قبلية طبقية ذكورية حتى في أكثر المدن، ولكن هذا التقسيم متباين من مجتمع لآخر. وفي مجتمعاتنا هذه تكون العلاقة المذكورة أعلاه أعلى وأهم من القانون. والفقه الإسلامي الموروث تمت صياغته ضمن هذه العلاقات، لذا فإننا نعاني من عطالة الموروث الذي يحتاج إلى كسر، وهذا الكسر والتجاوز هو في غاية الصعوبة، والعقل الموروث عقل قياسي وترادفي ولهذا فقد قدم العقل النقدي استقالته منذ قرون.

3 – إن الكتب الأربعة التي أصدرتها ابتداء من عام 1967 حتى عام 2000، والآن عام 2007 سيصدر الخامس إن شاء الله، أي أربعون عاماً. ولا تنسى أنها جهد فردي لا مؤسساتي، أي أن مؤسسة محمد شحرور الفكرية تتألف في الكتاب الأول من شخصين أنا وسكرتيري، وفي بقية الكتب من ثلاثة أشخاص أنا وسكرتيري الذي يقوم بالطباعة على الكومبيوتر والمحرر. ومع ذلك وضعت منهجاً جديداً في التعامل مع التنزيل الحكيم. وانطلاقاً من هذا المنهج صدرت هذه المؤلفات. إني أرى أن ما وضعته إلى الآن من منهج معرفي يستطيع الإنسان من خلاله أن يتعامل مع التنزيل الحكيم. أما نتائج التعامل مع هذا المنهج فهي كثيرة ولا تكفي الكثير من الكتب لاستنفاذها. أما الاستبداد بالرأي فإني كتبت في كتابي الأول إنه إذا لم يتم تجاوز ما كتبت الآن من الأجيال القادمة فإنها ستكون أجيالاً ملعونة، وإني ألعنها من قبري. فهل هذا استبداد بالرأي. وإنني إذا تراجعت عن نقطة ما فإني أعلن هذا صراحة بدون حياء مثل تراجعي عن الناسخ والمنسوخ في الكتاب، فقد ظننت في كتابي الأول أنه موجود، وتبين لي في كتابي الثاني أنه وهم، وأعلنت ذلك.

4 – أما قولي عن الآيتين {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}[النجم : 3-4]، فقد قلت في الجواب على السؤال الثاني أن العقل العربي والفقهي بالذات هو عقل ترادفي وقياسي. لذا فإني أوجه عناية السيد غريب أن يفرق بين النطق والقول. ففي التنزيل الحكيم هل يصح أن نقول: نطق الله، أم قال الله؟ فإن قلنا: نطق الله فقد كذبنا، وإن قلنا: قال رسول الله فقد كذبنا. فالتنزيل الحكيم هو قول الله ونطق رسول الله، لذا إن قلنا: قال الله، نطق رسول الله (ص) {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ}[البقرة : 2] نكون قد أصبنا عين الحقيقة، أي أن تأليف الجمل والأفكار من الله، والنبي كان ينطقها فقط.

فإذا كان الحديث وحياً فعلينا أن نقول: قال الله. وكفانا أوهاماً وفبركة على رسول الله وتخريجات لا معنى لها {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى}[النجم : 3]، لا يمكن أن تنطبق إلا على التنزيل الحكيم لأن دور النبي (ص) فيه هو النطق لا القول.

5 – التجديد لا يكون إلا بنهج نظام معرفي مختلف عن النظام المعرفي السابق. وإن لم يكن كذلك فهي محاولات نبيلة ومشكور أهلها لأنهم شعروا بأن هناك مشكلة عليهم حلها، وقد حاولوا ذلك ومنهم المرحوم الشيخ علي الطنطاوي، فإني وإياه أبناء حي واحد في دمشق وكنت من هواة برنامجه الأسبوعي في إذاعة دمشق في خمسينيات القرن الماضي.

6 – من حيث النظام المعرفي وأدوات المعرفة فلا يوجد أي فرق بين علماء الدين السالفين والمعاصرين. فمثلاً علم المواريث عند السابقين يقوم على العمليات الحسابية الأربعة فقط، ولايزال إلى اليوم بغض النظر عن التقدم الهائل لعلوم الرياضيات. وعلينا أن نعلم أن الرياضيات ليست علماً، وإنما هي أداة معرفية تقوم على ربط الكم بالكيف، أي ربط الكم المنفصل بالكم المتصل، وهي تقوم على تجربة التجريد لذا فهي متقدمة على كل العلوم.

7 – المسؤول عن تغيب العقل العربي الإثنين معاً: السلطة السياسية والسلطة الدينية، السلطة الدينية تحت بند طاعة أولي الأمر وبند العبودية على أنها لله – وهي فعلاً لغير الله – حولت الناس إلى قطيع وأصبحوا جاهزين للعيش تحت السلطة السياسية، وهل ترغب السلطة السياسية بأكثر من قطيع تحكمه وخاصة إذا كانت مستبدة وليس لها تاريخ. وأكثر جهة إعلامية في كل الوطن العربي عرفت هذه الحقيقة هي قناة الجزيرة الفضائية، وسر نجاحها هي أنها تعلم تماماً أنها تخاطب القطيع، وأنها تلعب دوراً كبيراً في ترسيخ الأمية السياسية عند القطيع، والذي أصبح قطيعاً بفضل السادة العلماء الأفاضل السنة والشيعة على حد سواء. وهي تعمل على مبدأ “الجمهور عايز كده” وأصبحت كلها كبرنامج “ما يطلب الجمهور” سماعه ولكن في السياسة!!.

8 – بالنسبة لروسيا وإيرلندا، علينا أن نفرق بين المدرسية والإيديولوجيا، فهناك المدرسة الروسية في الهندسة، وهناك المدرسة الغربية. فأنا درست في المدرستين، واستفدت من هاتين المدرستين في علوم الهندسة، وخاصة أنني أتقنت اللغتين الروسية والإنكليزية. أما بالنسبة للإيديولوجيا. فهناك فرق كبير بين الإيديولوجيا الشيوعية التي درست تحت ظلها، والإيديولوجيا الغربية. فالإيديولوجيا الشيوعية طرحت شعار العدالة واعتبرته أهم من شعار الحرية، بينما الإيديولوجيا الغربية طرحت شعار الحرية كأولوية. والشيوعية لم تُخفِ أنها لا تحترم الحرية، وطرحت شعار دكتاتورية البروليتاريا، وطرح الغرب شعار أولوية الحرية الذي لازال مستمراً إلى اليوم، بينما الشعار الآخر لم يستمر ولم ينجح. ومع الأسف هناك شبه كبير في طروحات الإسلام السياسية الحالية، وكذلك من العلماء الأفاضل. فهناك: الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية وعلم المحاسبة الإسلامي والفن الإسلامي والموسيقى الإسلامية والفضائيات الإسلامية الملتزمة والعمارة الإسلامية والسياحة الإسلامية واللباس الإسلامي، والطب النبوي وعلم البيئة في الإسلام. فقد حاولوا أن يأسلموا كل شيء ويظنون أنهم يحسنون صنعاً ولا يعلمون أنهم نسخة مشوهة عن الإيديولوجيا الشيوعية التي طرحت: الاقتصاد الاشتراكي والأخلاق الاشتراكية والفن الاشتراكي بما فيه الرسم والنحت والموسيقى والمسرح والغناء، واللباس الاشتراكي. وكان هناك الذوق الاشتراكي مقابل الذوق الرأسمالي، ومن يخالفهم في الرأي يقولون عنه عدو الشعب وعدو الثورة وخائن وعميل. وكذلك عند الإسلاميين فمن يخالفهم رأيهم فهو مرتد وكافر وصاحب بدعة وغير ذلك من الصفات الجاهزة. ونلاحظ أن كليهما عنده نظام شمولي، والحرية غير موجودة أصلاً في نهجهما. وكلاهما نظام إقصائي لا يقبل الآخر. ومع الأسف الشديد والحزن هناك أمور مشتركة بين إيديولوجيا الإسلام السياسي المعروف حالياً في السوق، وبين الإيديولوجيا الشيوعية. هناك فرق واحد هو أن الشيوعية ملحدة، والإسلام السياسي مؤمن. أما في بقية الأمور فلا فرق بينهما فكلاهما شمولي. وعلينا أن نعلم إن الإسلام دين متكامل يتألف من ثلاثة فروع: القيم الأخلاقية التي خضعت للتراكم التاريخي، والتشريع الذي خضع للتطور التاريخي، والشعائر التي خضعت للاختلاف بين الملل، وهو قابل للتطبيق في موناكو وفي الصين، مع أنه لا يوجد أي شيء مشترك بين الدولتين. أما طرح الإسلام على أساس أمير المؤمنين وخليفة المسلمين والمرشد العام والمرشد الأعلى، أفلا يكفينا كوارث؟ هل هناك إسلام سياسي يمكن أن يتجاوز السنة والشيعة معاً في الفقه والطرح السياسي معاً؟ حيث نرى أن الإخوان المسلمين وحماس سنة، وحزب الله شيعة!

9 – علماء الدين مارسوا مهنة تحريف الكلم من بعد مواضعه، ذلك بأنهم أوجدوا فجوة بين اللغة والدين. فهناك المعنى الشرعي، وهناك المعنى اللغوي. فالعورة هي ما يستحي المرء من إظهاره، وبالتالي لا يرغب المرء بإظهاره، لذا قال البعض عن بيوتهم عورة وهي ليست بعورة، أي أنها ظاهرة للهجوم، فحولوها إلى معنى شرعي: عورة الرجل وعورة المرأة. ومن هنا فالعورة بمعناها اللغوي تختلف من مكان لآخر حسب مفاهيم الحياء في كل مجتمع. أما عند الفقهاء فهي حالة يجب أن تعمم في كل المجتمعات والبلاد من القطبين حتى خط الاستواء. ومن هنا لا نجد أي انسجام بين الإثنين.

10 – نعم أنا أدعو لتخطي الفهم التراثي وأتمنى أن يأتي هذا اليوم لتصبح قراءتي المعاصرة تراثاً يمكن تجاوزه. فهذا يعني أنه يوجد لدى الناس مناهج معرفية أفضل. ويعني هذا أن الأمة التي ستمارس هذا التجاوز هي أمة دبت فيها الحياة. وإن لم تفعل ذلك فسألعنها من قبري.

11 – أنا لا أدعو إلى إلقاء التراث في سهلة المهملات لأنني أفرق بين القطيعة المعرفية والقطيعة التاريخية. أنا أدعو إلى قطيعة معرفية مع التراث مع الاستمرار التاريخي. وهذه القطيعة تدل على أن الأمة ما زالت تنبض بالحياة، وهذا ما فعلته وتفعله كل الأمم المتقدمة. فمثلاً في بريطانيا عائلة وندسور تحكم منذ عام 1066 إي حوالي ألف عام، وملكة بريطانيا من سلالة هذه العائلة، والإنكليز يفتخرون بذلك، ولكن حصلت أكثر من مرة قطيعة معرفية مع النتاج الفكري والفلسفي والعلمي البريطاني، حتى أن الملكية بقيت ولكنها هي نفسها تطورت. فسلوك الملوك الأوائل يختلف تماماً عن سلوك الملوك الحاليين. لقد بقيت عائلة وندسور، ولكن المجتمع البريطاني عبارة عن مجتمع مدني بامتياز؟

12 – يتم تنقيح الموروث من خلال النظام المعرفي، وليس بشكل مزاجي براجماتي، وهذا الذي يقول عنه البعض تنقيح الموروث من خلال منهج محدد، لا من خلال لجنة، أي تحديد وصياغة المنهج قبل تحديد لجنة التنقيح إن لزمت أصلاً.

(4) تعليقات
  1. Barakallahu fik watal umrak ya doctor Shahrour ! The more I read you , the stronger my faith is , the greater my love for Islam becomes !

  2. حقامبدع يادكتورمحمدشحرور. ربنايبارك فيك
    تحياتي

  3. 1/د شحرور اين يقف الفكر والوعي العربي الآن ؟
    2/ ميزت في دراستك للتنزيل الحكيم بين النبوة والرسالة ما الفرق بين الخطاب النبوي والخطاب الرسالي وما هي العلاقة بينهما؟
    3/ من مقولاتك الشهيرة اننا نحتاج الى كوبرنيكوس في الفقه ..وصدر لك مؤخرا كتاب ” ام الكتاب وتفصيلها ” كيف عالجت الإشكالية الفقهية في هذا الكتاب؟
    4/ما البرهان او الدليل بأن آي القرآن وسوره ترتيبها توقيفي باشراف النبي ؟
    5/ لك دراسات في القصص القرءاني وهي تخضع للتاويل كما بينت دراساتك وهذه القصص تشكل اكثرية في المصحف ..لذلك بعض المفكرين يصف القرءان بأنه نص اسطوري بلغة علوم الانسان والمجتمع ..كيف ترى ذلك؟
    6/ ما الغاية والهدف من النبوات والرسالات التي وضحت لك من خلال دراساتك للوحي الالهي؟
    7/ علاقة الدين بالسياسة من الاشكاليات العويصة ..كيف عالجت هذه الاشكالية في كتاب الدين والسلطة قراءة معاصرة في الحاكمية ..وهل الغرب فصل الدين من السياسة ام فصل المذهبية الدينية من السياسة ؟
    8/ من الملاحظ في دراساتك للتنزيل الحكيم اشتغلت باستيمية حداثية واﻵن في الغرب يتكلمون عن مابعد الحداثة ..كلمنا عن المناهج التي استفدت منها من بنيوية وتفكيكية لبلورة منهجك؟
    9/ المرأة العربية والإشكالية الرئيسية التي تعانيها في راي محمد شحرور وكيف عالجت ذلك في كتابك عن المرأة؟
    10/ كثيرين يصفونك بانك مارتن لوثر الاسلام بسبب تأويلاتك التصالحية مع الحداثة وروح العصر؟
    11/ في كتاب الدين والسلطة ..يلاحظ توافق الدولة في الاسلام مع الدولة المدنية الليبرالية ألا يعتبر ذلك تماهي مع الأيدلوجية الغربية ؟
    12/الشعوب العربية ما بين استعمار داخلي ” تحالف سلطة دينية مع سلطة سياسية” واستعمار خارجي ” امبريالية غربية ” وتحالف الاستعمارين داخلي وخارجي ..كيف لهذه الشعوب ان تتحرر من هذه الاستبدادات المحلية والعالمية؟
    13/ الشعوب العربية مكبلة بأسطورة التاريخ واسطورة الايدلوجيا ..هل بامكان القراءة الجديدة للنص الديني ان تحرر هذه الشعوب ..وايهما اولى الاصلاح الديني ام الاصلاح السياسي؟
    14/ كثيرا ما رددت ان العقل العربي عقل اتصالي ..كيف ذلك؟
    15/ كيف تفسر الفراغ الاخلاقي الهائل التي تعاني منه الشعوب العربية وانتشار العنف والبربرية والوحشية في كل مكان؟
    16/ هل ثورات الربيع العربي حققت اهدافها ؟ والى ماذا تفضي هذه الثورات في رايك؟
    17/ هل يمكننا القول بأن القرآن كلام الله ويحوي علم الله وهل هو حجة ايمانية ام برهانية؟
    18/ لماذا لا تخضع الشعائر للصيرورة ..بمعنى ثبات صورها واشكالها عبر الزمكان مع انها تختلف على مستوى الملل وهل هي ملزمة وكذلك الصوم؟
    19 / ماهو مصدر او مصادر التشريع لمجتمع من المجتمعات وهل يعتبر الدين مصدر تشريع؟
    20/ كيف ترى ظاهرة النبوة من خلال التنزيل الحكيم ..وما رايك في تفسير الطب النفسي الحديث لظاهرة النبوة؟
    21/ ..دور المثقف في نظر محمد شحرور وبالاخص المثقف العربي مادوره الذي ينبغي ان يلعبه في زماننا الحرج هذا ..؟
    22/اخيرا ..كيف تقضي اوقاتك في رمضان ؟
    شكرا جزيلا ..


    الأخ ابراهيم
    1- يحتاج الوعي العربي لقطيعة معرفية مع التراث، تضع الحرية كقيمة على رأس أولوياته، وأرى أن ذلك ما زال بعيداً، لكن ما يحدث الآن في المنطقة هو مخاض صعب ولكنه ضروري، لا بد أن يفضي بالنهاية إلى إعادة تشكيل العقل العربي على أسس جديدة.
    2- الخطاب النبوي مرحلي، ينحصر بعصر النبوة تحديداً، شكل طفرة في حينه، لكنه يصلح لعصره فقط، ولا نأخذ منه إلا العبر، بينما الخطاب الرسالي يحمل رسالة إلهية، صالحة لكل زمان ومكان، تتمثل في القيم التي يتفق عليها كل أهل الأرض، بالإضافة للشعائر، كعلاقة خاصة مع الله تعالى.
    3- كتاب “أم الكتاب وتفصيلها” يبتعد تماماً عن المنظومة الفقهية، ولأول مرة منذ 1400 عام يجري فرز آيات التنزيل الحكيم إلى محكم ومتشابه وتفصيل المحكم وتفصيل الكتاب، وبالتالي لا إشكالية هنا، والمنهجية تم شرحها في الكتاب.
    4- لا يوجد برهان، ولكن هذا ما بين أيدينا اليوم، لا غير.
    5- أؤمن أن التنزيل الحكيم نص مقدس، من عند الله، وكون القصص القرآني يتقاطع مع أساطير الشعوب لا ينفي صدقيته، والأساطير في الأصل هي حكايا حقيقية حصلت، لكن تداخلت بالخرافات على مر الزمن، وأرى أن الله تعالى أنزل القصص لا لتسلية محمد، لكن لنأخذ العبر، من سيرورة التاريخ وقوانينه.
    6- النبوات والرسالات أتت بالتدريج لتعليم الإنسان وتوجيهه، فالقيم تراكمت ابتداءً من نوح وحتى محمد (ص)، وختمت الرسالات مع محمد وأعلنت الرسالة المحمدية وصول الإنسانية لمرحلة تؤهلها وضع تشريعات دون تدخل إلهي، ونحن اليوم نعيش مرحلة ما بعد الرسالات، حيث قوانين حقوق الإنسان تتفق مع الأديان وتتجاوزها في التفصيلات.
    7- الحاكمية الإلهية في المحرمات فقط، حتى تفصيل المحرمات يمكن الاجتهاد الإنساني فيه ضمن الحدود الواردة في التنزيل الحكيم، وبالتالي لا علاقة للدين بالسلطة نهائياً {لا إكراه في الدين}، والغرب فصل الدين من السياسة، وهذا صحيح، أي أن السلطة لا تأخذ شرعيتها من الدين بينما حصل عكس ذلك خلال تاريخنا.
    8- نحن نريد على الأقل أن نصل للحداثة لأن مشكلة ما بعد الحداثة ليست مشكلتنا، وقد تم سؤالي هذا السؤال في أمريكا عام 1997 وكان جوابي هو أن نهتم بالحداثة، ولا نفكر فيما بعد الحداثة، وعلى غيرنا أن يفعل ذلك.
    9- قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات 13) وبالتالي معيار الاختلاف عند الله بين الذكر والأنثى هو التقوى، وما تبقى له تفصيلاته، سواء موضوع القوامة أو الإرث أو التعدد أو اللباس، وكل هذا يمكنك الاطلاع عليه ضمن كتاب “نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي – فقه المرأة) وهو متوفر على الموقع.
    10- مارتن لوثر ترك البروتستانتية، وهي مذهب ديني في النهاية، وأنا ضد المذهبية بأي شكل كانت، لذلك أترك الأمر للتاريخ.
    11- منهجي في القراءة المعاصرة لم يكن يهدف للوصول إلى نموذج محدد مسبقاً، ومع ذلك فإن تماهى النموذج المقدم مع نماذج موجودة فذلك لا يعيبه، لا سيما وأن النظم الليبرالية الغربية هي الأفضل من حيث حقوق الإنسان وحريته.
    12- الطريق طويل، لكن كما قلت سابقاً، وعي أن الحرية كقيمة أهم من الحجاب هي خطوة على الطريق الصحيح.
    13- الإصلاح الديني سيؤدي بالنتيجة إلى إصلاح سياسي، لكن هذا لا يعني السكوت على الظلم ريثما يتم الإصلاح السياسي.
    14- العقل الاتصالي هو الذي يحتاج مثال يقيس عليه ودائما الأساس عنده هو المنع والسماح هو الاستثناء، وبالتالي غير مبدع.
    15- الفراغ الأخلاقي ناجم عن خديعة “بني الإسلام على خمس” التي لا تتضمن الأخلاق بينها، لذلك المسلم هو من يصلي ولا مانع لديه من الكذب أو السرقة أو الزنى، أما انتشار العنف فله أسباب عدة، فالاستبداد بكل أشكاله ولد شعوباً مقهورة، وجدت في المنظومة الفقهية ما يبرر تحملها للظلم، وما يبرر العنف ضد الآخر المختلف في الوقت ذاته.
    16- تختلف النتائج باختلاف البلدان، فقد حققت الثورة في تونس تقدماً، بينما ما زالت متعثرة في بلدان أخرى، لأن الحاكم الإله، شعاره “أنا أو لا أحد”، ودائماً دولة الاستبداد لا تزول إلا وتدمر معها البلاد والعباد، والطريق طويل لكن لا بد منه.
    17- الإيمان بالله مسلمة لا إثبات عليها، فإذا آمنت بالله يصبح التنزيل الحكيم حجة برهانية.
    18- الشعائر ثابتة في كل ملة، ومع ذلك يمكن الاجتهاد في تيسيرها، فالحج مثلاً أشهر معلومات، هي الأشهر الحرم الأربعة، وبالتالي يمكن تحديد أيام عرفة ضمن هذه الأشهر اجتهاداً، والشعائر تكاليف يؤديها كل إنسان وفق استطاعته {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}.
    19- الدين ليس مصدراً للتشريع وإنما القوانين، والمحرمات الإلهية يجب أن تشكل المرجعية الأخلاقية للدولة.
    20- النبوة هي قفزات معرفية أو اجتماعية احتاجتها الإنسانية عبر التاريخ.
    21- المثقف العربي لم يأخذ دوره إلى الآن، فجزء لا بأس به من المثقفين العرب تماهى مع السلطة.
    22- أقضي وقتي في متابعة دراسة التنزيل الحكيم، سواء في رمضان أو في غيره.

اترك تعليقاً