النفاق والتدين الجماعي

النفاق والتدين الجماعي

استفاق العرب و”المسلمون” منذ برهة، ليجدوا أنفسهم في مواجهة خطر محدق بهم، في عقر دارهم وخارجها، لا يقتصر على تهديدهم كمجتمعات ودول، إنما يرتكب باسمهم الجرائم بحق شعوب العالم، وتراكضوا ليحاربوه بشتى الوسائل، دونما تعمق في مكامن الخلل، الذي يتطلب المعالجة وإلا سيطل برأسه كلما أتيحت له الفرصة، ورغم أن اعترافنا بوجود المشكلة يضع قدماً على طريق الحل، إلا أن الكثيرين يأبون الاعتراف بها، فالموضوع برمته بالنسبة لهم لا يعدو كونه “مؤامرة على الإسلام”، باعتبار أن مجتمعاتنا متدينة باعتدال، ولم يعرف عنها دعوتها لعداء الآخر، والعيش المشترك مع الملل الأخرى هو السمة الغالبة.
ولكن لب المشكلة يكمن هنا، في “المجتمعات المتدينة”، فما وجدنا عليه آباءنا هو ما نحن عليه منذ ألف وأربعمائة عام، وعلاقتنا مع الله تحكمها الشعائر الجماعية، وتقييمنا كأفراد يتأتى من خلال التدين الجماعي حتماً، فالإنسان يقيّم من خلال الشعائر، فيصبح من يقيم الصلاة في المسجد هو بالضرورة صادقاً أميناً مؤدباً، وبالتالي يستطيع أن يشهد زوراً بكل أريحية، وتصبح الفتاة “المحجبة” هي العفيفة، بينما السافرة قابلة لأن توصف بأقذر الصفات، حتى لو كانت عالمة ذرة، أما من يصم رمضان فهو التقي الزاهد، بينما المفطر “دمه دم الخنازير”، وبالتالي أصبح المجتمع منافقاً، نفاقاً اجتماعياً كاملاَ، تهمه مرضاة من حوله لا مرضاة الله، ومن ثم انحسرت القيم الإنسانية وأصبحت في الحضيض، وازدهرت الفضائيات التي ترسخ هذا “الاعتدال” الذي يجعل من الشعائر أساساً لتقييم الأفراد، ويحكم على صلاح المجتمع من خلال عدد السيارات التي تصطف أمام المساجد عند موعد صلاة الجمعة، بينما تتقهر الأخلاق ويتناسب وجودها عكسياً مع عدد مقيمي الصلاة، والأنكى من ذلك هو تقييم المجتمعات الأخرى على اعتبار أن النساء فيها عاريات، مع غض النظر عن الإنسانية التي تتمتع بها شعوبها، وعن انخفاض معدلات الجرائم فيها إلى أدنى المعدلات.
وفي المجتمعات المتدينة يصبح العقل الجمعي متسلطاً قهرياً، يقهر كل من هو أمامه، والانعكاس الوحيد لهذه المجتمعات يظهر حين تسنح الفرصة من خلال التعبير السياسي، فتظهر الأحكام حينها تلقائياً: حكم الردة، حكم من تخرج سافرة، حكم التعامل مع الكفار، حكم الإفطار في نهار رمضان، وهكذا، وأي مجتمع متدين يمتلك السلطة سينفذ ما نفذته داعش والنصرة وغيرها.
وما رسخ المجتمع المتدين هو فكرة الدعاء الجماعي، الذي يعبر عن مدى يأس المجتمع، فنحن ندعو على أعدائنا منذ عشرات السنين، والله تعالى لم يستجب، وهم ينتصرون ونحن ننهزم، ونواسي أنفسنا بأنه {يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (البقرة 15)، وندعو الله أن يعافي مرضانا، أي نريده أن يغير قوانين الكون ويلغي الأمراض جميعها عن “المسلمين” فقط، بينما يخترع “الكفار” الأدوية التي نتعالج بها، ولم نستوعب بعد أن الدعاء لا يكون إلا فردياً ، والله يستجيب للداع إذا دعاه ويرأف بحاله في وضع معين {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (البقرة 186)، والله تعالى يساعد الأفراد لا الجماعات، أما المكافآت والعقوبات الجماعية فهي إما الرفاهية أو الدمار.
ولعل أكثر ما ناسب الحكام على مر العصور هو فكرة الدعاء الجماعي، فتحولت طلبات الناس إلى الله بدل الحاكم، وارتاح الأخير إذ انشغلوا عنه، وللقارىء أن يتخيل لو أن كل من يقفون وراء الإمام يدعون الله أن يرزقهم ويشفيهم، خرجوا وطلبوا معاً من الحاكم أن يرفع رواتبهم، أو يحسن الظروف الصحية في بلدهم، لذلك رأت السلطات أن الطلب من الله أكثر ملائمة.
ومن يقول عن هذه الأمة أنها غير مبدعة فقد جانب الصواب، إذ لديها في أدبياتها صنعة متكاملة من الأدعية، فلكل مشكلة دعاء معين، ولكل يوم كذلك، وحالنا من سيء إلى أسوء، ونتساءل بكل بلاهة “لماذا لا يستجيب الله لدعائنا؟”.
ثمة قول مشهور طالما تداوله الناس، مترجم إلى العربية، هو “أن تصل متأخراً خير من ألا تصل أبداً” ورغم أنه لا يصح في حالات كثيرة، إلا أنه يصح تماماً في ما آلت إليه مجتمعاتنا، لعلنا نصل ذات يوم لتصحيح علاقتنا مع الله كخطوة أولى.

الرابط على موقع هات بوست

اترك تعليقاً