هل حرفنا رسالتنا؟

هل حرفنا رسالتنا؟

يعتقد كثير من “المسلمين” أن الملل الأخرى قد حرفت الرسالات التي جاءتها وبدلتها،فانتابها الشرك أو البعد عن الرسالة الحقيقية، في حين أن الإسلام هو الرسالة الوحيدة الصافية التي لم يخالجها الخلط والتبديل، ولكن لا يصعب على المتدبر في التنزيل الحكيم أن يرى مدى انحراف الإسلام الذي نشأنا عليه ونقدمه للعالم، عن إسلام التنزيل الذي حمله الرسول محمد بن عبد الله (ص) بخصائصه الثلاث الرحمة والعالمية {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107) والخاتمية {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} (الأحزاب 40) و {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} (المائدة 3).

فالرسالة المحمدية رسالة رحمة، رفعت عن كاهل الناس الإصر والأغلال، وأحلت كثيراً مما حرم في سابقاتها، وخففت العقوبات إلى الحد الأدنى، وتكمن عالميتها في تطابقها مع الفطرة الإنسانية لأهل الأرض، بحيث يمكننا التحقق من “صدق الله العظيم” في مدى انسجام ما يطبقه معظم الناس مع تعاليمها، وضمها للناس جميعاً تحت لوائها وفق معيار التقوى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات 13)، أما أهمية خاتميتها فتكمن في إعلانها صلاحية الإنسانية للعيش دون الحاجة لرسالات سماوية جديدة، والتشريع لذاتها انطلاقاً من الخطوط العريضة التي شرعها الله تعالى عبر السيرورة التاريخية.

لكن الإسلام الذي اعتمده “المسلمون” هو إسلام محلي صالح لشبه الجزيرة العربية وفق ظروف القرن السابع الميلادي، لا رحمة فيه ولا رأفة، بل على العكس إلهه سادي يهوى تعذيب الناس وحرقهم وتعليق النساء من شعورهن وأثدائهن، ولا يرحم إلا من كرس حياته لإقامة الصلاة حتى ظهرت البقعة على جبينه، وكل من لم يقم الصلاة سيجد ما عمل من عمل صالح هباءً منثورا، حتى لو أنه اكتشف لقاحاً لشلل الأطفال مثلاً، فالمعيار هو الأركان الخمسة وكل ما عداها لا جدوى فيه، وهي لا تحوي القيم الإنسانية فيما بينها، وبالتالي كانت النتيجة أن أصبح “المسلمون” لا يعيرون اهتماماً للأخلاق، إضافة لشعورهم بالتميز عن الآخرين، كون الجنة مقتصرة عليهم دون غيرهم، وكل ما عداهم سيدخل النار حتماً، وانعكس هذا على علاقاتهم، تدرجاً من تحريم السلام والكلام إلى حد تحليل الاغتصاب والسبي والقتل، وما داعش ومثيلاتها إلى مثال واقعي عما تعم به كتبنا ومناهجنا أدبياتنا، فيتسترون تارة ويواربون تارة أخرى، دون أن يتمكنوا من نكران وجودها في موروثنا الذي يدافعون عن صلاحيته لحاضرنا ومستقبلنا.

فإذا نظرت إلى الرحمة تجد أن الفقه الموروث قد نسفها بالتقول على الله، حيث أصبحت جل ممارسات حياتنا اليومية حرام، من دخول الحمام إلى غرف النوم، إلى الفنون على أنواعها، إلى اللباس والطعام والشراب، وكل هذا لا أساس له، فالله تعالى خلقنا لنحيا سعداء لا لنرزح في عقدة الذنب، ولم يكلفنا إلا بما نستطيعه وتألفه نفوسنا {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} (البقرة 286) وقوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات 56) لا يمكن فهمه على أساس أن الله خلقنا لنبقى صائمين مقيمي الصلاة طوال الوقت، بل لنعبده، فنمارس حريتنا في الطاعة والمعصية، إذ أن كل الناس عباد الله مؤمنهم وكافرهم {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر 53)، ومجال العبادة هو الصراط المستقيم {وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} (يس 61) أي القيم الإنسانية التي تتجلى في علاقة الناس بعضهم مع بعض، على ما للشعائر من أهمية أيضاً، والحياة الدنيا تقوم على الانتقال من حال إلى حال {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} (الحديد 20) فهذه سنة الله التي أرادها، وفق معيار أساسي أنه لن يظلم أحد {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} (الكهف 49) ولا يضيع لديه أي عمل {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} (الزلزلة 7- 8)، مع ملاحظة أن الحسنة مضاعفة {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} (الأنعام 160).

فإسلامنا هو دين الرحمة من الله الرحمن الرحيم، للناس جميعاً، لم يطلب منهم إلا أن يعملوا صالحاً ليعيشوا سعداء، فيستحقون استخلافهم على الأرض وينالون أجرهم في الآخرة أيضاً {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}(البقرة 62).

الرابط على موقع هات بوست

اترك تعليقاً