لا أعبد ما تعبدون

لا أعبد ما تعبدون

لا يكاد يمر أسبوع إلا ويسقط فيه ضحايا أبرياء في مكان ما من هذا العالم تحت شعار الإسلام، وآخر حادثة قبل كتابة هذا المقال جرت في مانهاتن في الولايات المتحدة، ناهيك عن ضحايا في سوريا والعراق واليمن ومصر يسقطون دون ضجة تذكر، ونجد أنفسنا كمسلمين في موقع الدفاع عن النفس وتبرير الأفعال، ويخرج علينا فقهاء الفضائيات ليستنكروا ويبرؤا الإسلام من تهم الإرهاب وترويع الأبرياء.
وإذ ألفي نفسي متهماً بشكل أو بآخر، فأنا كاتب هذه السطور لا أرى أي عامل مشترك بيني وبين هذا الشخص الأوزبكي في مانهاتن، وأستطيع القول بكل راحة أني بريء منه ومن دينه، مهما كانت جنسيته، فهو لا يمت لي بأدنى صلة، وإلهه ليس إلهي، وأستطيع أن أقرأ عليه قوله تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ* لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ* وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ* وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}(الكافرون) فما أعبد هو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن الرحيم، وسعت رحمته كل شيء، لم يأمرني بقتل أحد، بل أعطاني مثالاً صريحاً عمن يخاف رب العالمين منذ بدء الخلق وقبل ارتقاء الإنسانية لتصل كما يفترض إلى أعلى سلم القيم {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} (المائدة 28) إذ رفض قتل من سيقتله فما بالك براكب دراجة في شارع آمن لا له ولا عليه، أو بشبان يحتفلون في مطعم ما، أو بأناس بسطاء يذهبون لتحصيل لقمة عيشهم؟
وإلهي حرم عليّ قتل النفس مهما كانت تحريماً مضاعفاً {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ….. وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (الأنعام 151)، فأي حق في قتل الناس المسالمين؟ وديني الذي أحمله هو ما حمله الأنبياء والرسل جميعهم وختمه الرسول محمد (ص) رحمة للعالمين {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107) فيه الحرية كلمة الله العليا، حيث لا إكراه في الدين {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} (البقرة 256)، والطاغوت كل أنواع الطغيان، عقائدي أو غيره، وضمن قاعدة أساسية {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} (الكهف 29) والظالمون هم من يرغمون الناس على ما لا يريدوه، فالله تعالى أراد للناس أن يعيشوا دونما إكراه {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} (يونس 99) سواء كانوا مؤمنين بالله أم كافرين به، ولا أحد غيره تعالى مخول بمحاسبتهم {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (الحج 17) وعلاقتي مع الآخرين تبنى على أساس القيم الأخلاقية، على أن أبدأ بنفسي، فأبر والدي وأحسن لليتيم ولا أقتل ولا أقرب الفواحش ولا أغش ولا أكذب ولا أتقول على الله ولا آكل الربا، والأهم من ذلك كله “لا إله إلا الله” هو الأحد الصمد، وكل ما عداه متغير فان.
وإيماني بمحمد (ص) يجعل منه قدوتي في تعامله مع الناس {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم 4) و{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران 159) و {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} (التوبة 6)، وهو بشر كان يأكل ويشرب وينام ويتزوج، اجتهد في تقييد الحلال وتنظيمه وفق ظروف مجتمعه، وحارب وقاتل وفق منطق عصره، ككل ما جرى في التاريخ، ولم يطلب مني اتباعه في شكل لحيته ولا طول ثوبه، وهو بريء ممن حولوا رسالته من هدى ورحمة إلى رسالة سيف وجز الرؤوس.
وإن كنت ومثلي كثيرون لسان حالنا أننا براء من هؤلاء، إلا أننا ننادي بفصل الإسلام عنهم، ليس القتلة بأيديهم فحسب، بل كل من حملوا أفكارهم، سواء في الماضي أم الحاضر والمستقبل، وديننا موجود في كتاب الله ولسنا معنيين بدين الشافعي وابن حنبل وابن تيمية وسيد قطب وبن لادن وغيرهم، وعلى العالم ألا يضمنا في سلة واحدة مع مجرم هنا وآخر هناك، ويطلب منا تحمل أوزارهم.

الرابط على موقع هات بوست

اترك تعليقاً