أما آن لنا أن ندفنهم؟

أما آن لنا أن ندفنهم؟

تصادف في هذه الأيام ذكرى عاشوراء، أي العاشر من محرم، والموافق لذكرى مقتل الحسين وفق الروايات التاريخية، وينشغل المسلمون ممن يسمون “أهل السنة والجماعة” بالصيام فيه، مع إضافة يوم قبله ويوم بعده، وينشغل المسلمون الشيعة بإحياء مراسم الحزن والتفجع.
فإذا سألت الفريق الأول عن سبب صومهم تجد أنهم بناءً على روايات لابن عباس والإمام أحمد، ومن بعدهما البخاري ومسلم، يرون أن هذا يوم عظيم يستحق الصيام، إذ حصلت فيه أمور عظيمة، كاستواء سفينة نوح على الجودي، وخروج يونس من بطن الحوت، ونجاة موسى وأتباعه من فرعون مع غرق هذا الأخير، ولا يحتاج المرء كثيراً من الحكمة ليعلم أن لا تسجيل لكل هذه الحوادث لا في التاريخ ولا في شعبان ولا في رمضان، وليتبين لمسات خبيثة من بني أمية في إضفاء قدسية وفضل للعاشر من محرم على المسلمين، سيما وأنه ترافق مع مقتل الحسين وما يشكله هذا الحدث بالنسبة لهم من نصر مؤزر، ما زلنا ندفع ثمنه حتى يومنا هذا.
فإذا سألت الفريق الثاني عن سبب حزنهم وبكائهم وندبهم وجدت أنهم كأفراد يستحضرون في الذكرى مآسيهم ويبكون عليها، ورغم أن إحياء الذكرى كان في فترات سابقة لا يشكل أكثر من شكل كرنفالي لا يضر، إلا أنه تدريجياً بدأ يأخذ أشكالاً أخرى، إذ يستفيد سدنة المعبد من هذه الحالة العاطفية لتجييش الأتباع وحشدهم كقوة، تتحرك حين اللزوم، ويتغير يزيد بالنسبة لها وفق ما تقتضيه المصالح، ناهيك عن أن استحضار الحالة المأساوية، مع الشعور بالذنب لخذلان الحسين، تجعل الرغبة بالانتقام من قاتله حاضرة، وكأن الحدث يجري الآن لا من ألف وأربعمائة عام.

ويشكل الحسين رمزاً للكفاح ضد الظلم، ويشكل قاتله رمزاً للظالم المتبجح بجبروته، الذي لا يتورع عن ارتكاب المجازر في سبيل السلطة، ولأن التاريخ يعيد نفسه فإننا كل يوم نسمع عن عشرات، إن لم نقل مئات المظلومين، ممن قضوا في المعتقلات تحت التعذيب، أو غرقوا في البحر هرباً من الاستبداد، أو اختنقوا تحت دمار القصف، وهؤلاء معاصرون لنا، لهم أحباء ما زالوا على قيد الحياة بيننا، من أبناء وأمهات وزوجات وآباء، لا تقل مأساتهم أبداً عن مأساة محبي الحسين، مع احترامي لحريتهم في حزنهم وبكائهم وممارسة ما يريدون من شعائر، لكن ما جرى ويجري هو تحول هذا الحزن لما قال عنه الله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} (لقمان 6) فرغم أني لا أستهين بالحدث، إلا أن الوقوف عنده وتقديم القتلى تحت شعاره هو ضلال عن سبيل الله، كما هو الوقوف عند غزوة تبوك كحدث، ومحاولة تطبيق كل ما جاء في سورة التوبة اليوم، على اعتبار {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} (التوبة 5) هي أمر مباشر بقتل الناس دون وجه حق، فهذا شراء للهو الحديث وضلال عن سبيل الله لا يختلف عن الأول، و ما شعار “يا لثارات الحسين” إلا مثال واضح عما أتكلم عنه، ولا أعتقد أنه يليق بالحسين، لا كثائر ضد الظلم ولا كحفيد رسول الله (ص)، فكيف إذا علمنا أن يزيد قد مات منذ عام 64 للهجرة، وأن الأمويين قد انقرضوا عن بكرة أبيهم، ولم يبق منهم أحداً، وأن من يطلبون الثأر يتحولون تدريجياً من مناصرين للحق إلى أعداء له.
ولا يفهم من كلامي هذا أني أنتقد الشيعة كطائفة، وإنما أنتقد تقديس الأشخاص مهما علا شأنهم، فثلاثة من الخلفاء الراشدين قد ماتوا قتلاً، لكن لا يعنيني الموضوع أكثر من كونه تاريخ أحاسبه بمنطق عصره، وثمة قضايا أكثر أهمية تخص الحاضر والمستقبل جديرة بالبحث والاستقصاء، وواقعنا اليوم كأمة فيه من المشكلات ما هو أحق بأن نلهو به دون أن نصل للحاق بركب الحضارة بعد، فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسعد ومعاذ والزبير وخالد كلهم بشر، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، لا يمكنني أن أحاسب أخطاءهم بمنطق القرن الحادي والعشرين، فلم يكونوا معصومين عن الخطأ، ولو عاشوا اليوم لركبوا السيارات واستعملوا الهاتف النقال وشبكة الانترنت وربما ظهروا على الفضائيات، وأكلوا الشوكولا كغيرهم من الناس.

أما مفهوم العصمة، فلم يتمتع به أحد، ما عدا الرسول في نطاق بلاغ الرسالة فقط لا غير {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (المائدة 67)، وهو لم يدع أي صفات إلهية أو المقدرة على الإتيان بالمعجزات والخوارق {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} (الإسراء 93)، ولم يدع معرفة الغيب {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} (الأنعام 50)، وما كان موته ليختلف عن موت أي إنسان غيره على الرغم مما أحدثته رسالته من قفزة معرفية في تاريخ الإنسانية {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} (آل عمران 144)، وهو خاتم الأنبياء {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} (الأحزاب 40) أكمل الله تعالى الدين معه وأتم النور الذي حمله الإسلام {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} (المائدة 3) فلا حاجة للإنسانية بعده لرسول ولا لنبي ولا لمخلص، فالله تعالى قدم لها ما يفترض أن يمكنها من العيش دون تدخله المباشر، وأصبحت مؤهلة للاستخلاف على الأرض، فإن عاثت فساداً فيها بعد ذلك فهي مسؤولة عن خرابها، وكل الشعوب تحلم بمخلص ينقذها لكن الرسالة المحمدية ختمت الرسالات، وتركت الناس يدبرون أمورهم بناءً على الهدى الذي حمله محمد، حتى قيام الساعة، والله تعالى لم يمنح أي أحد على الأرض حق إلهي في الحكم، لا ملوك ولا سلاطين ولا رسل ولا أئمة.

وإذ اختلفت الأمة وما زالت مختلفة على مصطلح “آل البيت” فإن هذه الأمة لم تتفق قط منذ أن لقي النبي (ص) وجه ربه إلى اليوم، لكن التنزيل الحكيم لم يشر من قريب أو بعيد إلى علاقة هذا المصطلح أو “أهل البيت” بالنسب، وإلا لكان أبو لهب من أهل البيت، ولما قال {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد 26) ولما قال ايضاً {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} (عبس 34 – 36) فالنسب لا يعني عند الله شيئاً، أما قوله تعالى {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} (الأحزاب 33) فيظهر بوضوح أن المعنيين هن نساء النبي، لكن هذا لا يمنع أن الله طلب منا حفظ الود لقرابة رسول الله {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} (الشورى 23) ومن منا لا يكنّ لهم كل الحب والتقدير، لكن من دون عصمة ولا قدسية، أما “آل محمد” فهم كل أتباعه، أي كل من آمن بنبوته ورسالته.
وأؤكد مرة أخرى أن ما أصبو إليه هو أن ننظر كلنا آل محمد، نظرة واحدة إلى الأمام، دون أن نجعل أحداث الماضي تحكم حياتنا، وحياة أبنائنا، وإلا سنبقى ندور في طائفية مقيتة لا نجني منها سوى الخراب، فقد مات الحسين ومات الخلفاء الأربعة ومات بنو أمية، فما آن لنا أن ندفنهم؟
ولنجعل من ذكرى الحسين دافعاً للوقوف ضد الظلم أينما وجد، لعلنا نبني مستقبلاً أفضل للأجيال القادمة.

الرابط على موقع السوري الجديد

اترك تعليقاً