هل نحن أمة آثمة؟

هل نحن أمة آثمة؟

لا يكاد يمر يوم إلا ونثبت كأمة أننا “آثمون”، والأمة هي مصطلح لجماعة ذات سلوك واحد، ولا يمكننا القول أننا أمة الإسلام، فالإسلام وفق تعريفه بالتنزيل الحكيم هو الإيمان بالله الواحد واليوم الآخر واقتران هذا الإيمان بالعمل الصالح {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت 33)، ونشترك في الإسلام مع كثير من أهل الأرض {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة 62) علماً أن “الصابئين” هم من “صبأوا” عن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى، أي خرجوا عنهم، وبالتالي فإن المسلمين أمم مختلفة، أما نحن كأمة فنتبع الرسول الأعظم محمد بن عبد الله في أداء شعائرنا، من إقامة صلاة وأداء زكاة وصوم رمضان وحج البيت، و”الشعائر” من “شعار”، فإذا عاد أحد من الصحابة اليوم إلى بلد من بلداننا، يمكنه إذا سمع صوت المؤذن العلم أن هناك من يتبعون محمد في هذا البلد، فنحن أمة محمد (ص) التي كرمها الله تعالى بأن أنزل إليها الرسالة الخاتم، بما تحمله من رحمة وعالمية {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107) لتكون منارة بين الأمم، تهديهم سبل الرشاد، فابتدأ خطابه لرسوله بقوله {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (العلق 1) والقراءة في اللسان العربي هي الجمع والمقارنة، وليست التلاوة، ودعا المؤمنين برسالته للتفقه والتدبر {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} (الأنعام 98)، {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج 46) إلا أننا كأمة ارتأينا تنحية العقل جانباً، فالعلوم بالنسبة لنا هي العلوم الشرعية، والتفقه هو في الطهارة ودخول الحمام، و”من تمنطق فقد تزندق”، وكل العلماء الذين نتشدق بما اخترعوه واكتشفوه في تاريخنا كانوا منبوذين وأحرقت كتبهم، وآثرنا الاستكانة للاجترار فيما وضعه “الفقهاء” و”السلف الصالح” على اعتبار أن ما اجتهدوه مقدساً، وتركنا كتاب الله لنتلوه دون فهم، وتركنا العلوم والمعارف لـ “الكفار”، هم ينتجون ونحن نستهلك، في الطب والصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد وغيرها، وإذا أردنا التوقف للتفكير سألنا هل هذا حرام أم حلال؟ مسموح أم ممنوع؟ وكلنا توجس من المؤامرة على ديننا، والأهم على نسائنا، فشرف العربي يأتي من امرأته، وهي لا تعدو عن كونها مخلوق لمتعته وخدمته، لا أكثر ولا أقل، فتخيلوا لو أن الهاتف النقال قد أخذ صورة وجهها، ورجال العالم كالذئاب ينتظرون رؤيته، والأنكى من ذلك أن بعض النساء اقتنعن بأن وجه المرأة “عورة”، وأن عليها أن تبقى ملثمة دون هوية، علماً أنه قد نقبل هذا كحرية شخصية وعادات وتقاليد، لكن أن ينسب ذلك للإسلام فهذا تزوير وتقول على الله تعالى لا أصل له في كتابه، حتى ما كانت ترتديه نساء شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، والمرأة اليوم ليست ملزمة به، لم يتجاوز تغطية الرأس والجسد، وما فرضه الرسول الأعظم لو صح كحد أعلى للباس المرأة يستثني الوجه والكفين، فلا مجال للمزاودة هنا.
وترى البعض مقتنع بأن الله سخر له من ينتج ويصنع ويتعلم بدلاً عنه، ويكفيه أنه “مسلم”، وفي حالات كثيرة ربما سيعمل على قتال أولئك “الكفرة”، وهو لا يعلم أو لا يريد العلم أن الله خلق الإنسان وكرمه عن مخلوقاته بنفخة الروح، وهي حامل المعرفة، وأن مقياس أهلية الإنسان للخلافة هي بمقدار مساهمته في تقدم الإنسانية على هذه الأرض، ومدى معرفته بالموجودات من حوله وتمكنه من القضاء فيها {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ}(لقمان 20) و {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} (الأنفال 22).
والإثم لغة هو “التخلف” ونقول “أثمت الناقة” أي “أبطأت” ومن ثم تخلفت عن غيرها من النوق، ولذلك السكران آثم، فهو متخلف عمن هو بكامل قواه العقلية، والإثم نوعان بحق وهو مقبول، وبغير حق وهو حرام، وما نحن عليه من إثم أعتقد أنه بغير حق، فقد حرفنا الرسالة التي كرمنا الله بها، وبدل السير قدماً نتقهقر إلى الوراء، فإما أن نحاول تدارك الوقت والخروج من المستنقع الذي وضعنا أنفسنا فيه، أو أننا سنهلك ولن تقوم لنا قائمة.

الرابط على موقع هات بوست

اترك تعليقاً